مبدع / مقاوم…

فنان  عصامي متعدد المواهب لكنه مقاوم هو الفنان عبد الباسط عزوز وببادرة شخصية منه وضع

ما تبقى من اعماله الفنية،والتي نعتها بالمتواضعة تواضعا وخشوعا للقيمة المطلقة على ذمة التبرع للمستشفى الجهوي بالقصرين.. في الدرب لن يفوتنا التنويه بهذه البادرة  وتشجيع صاحبها

نص المبادرة كما جاء في الصفحة الخاصة للمبدع عبد الباسط عزوز

هذا ما تبقى من اعمالي المتواضعة، اضعها على ذمة التبرع للمستشفى الجهوي بالقصرين..
فللمهتمين بالامر (افراد ، جمعيات، مؤسسات ، اغنياء 🙂) الاتصال على الخاص.. للحديث في المقاسات و الاثمان …
شكرا..
سلامتكم..
كذلك
من يرغب في بورتري، يتصل بي على الخاص،
كل العائدات.. 100% .. لصالح التبرع.. ما نشوفهاش حتى بعيني.. نحب نشوف كان وصولات التبرع.. 🙂 (و موش بتاريخ قديم) ..
شكرا
(ملاحظة : الكريدي ممنوع 🙂)

حزبي الشيوعي الحبيب

بقلم حسين مروة

كلمة ألقاها حسين مروة في2 كانون الثاني 1972 بمناسبة المؤتمر الثالث للحزب الشيوعي اللبناني

منذ عشرين عامًا اخترت أن أكون شيوعيًا في صفوفك… 
عمري عشرون عامًا… ولكن ولدت في الزمن عام 1910، ويقول البعض أنني ولدت قبل هذا التاريخ…
الفرق كبير بين عمري أنا، وعمر الزمن الذي إحتواني حتى الآن! الفرق أكثر من أربعين عامًأ.
نرى، هل أصدق ذلك الهاجس “الغريب” الذي يقول لي الآن: 
– أكثر من أربعين عامًا هدرتها من حياتك هدرًا، يا رجل!…
لا، لن أصدقه، هذا الهاجس “الغريب”… وهو غريب فعلاً عن قيامنا الشيوعية… 
لن أصدقه… لأنني شيوعي، أي لأن عمري الذي حييته شيوعيًا قد إمتد طولاً وعرضًا وعمقًا… إمتد في الماضي والحاضر معًا، وأمتد إلى المستقبل: المستقبل كله، القريب القريب والبعيد البعيد إلى غير النهاية… إمتد إلى أربعين عامًا التي سافرت مني في جدب الصحراء، فإذا بها قد عادت لي دون “اغتراب”… فلم تبقى في الجدب الوحش كما كانت قبل أن أكون شيوعيًا… فلم يهدر من حياتي، إذًا، ولا قطرة واحدة…
وصار عمري واحدًا لا يتجزأ، منذ ولدت في زمن عام 1910 حتى هذا الصباح المهيب، صباح مؤتمرك الثالث، يا حزبي الشيوعي الحبيب… كل لحظة من الزمن عبرت بي نهر الحياة حتى هذه اللحظات السعيدة من صباح المؤتمر الثالث – كلها قد أمطرتها حياتي الشيوعية سحابًا أخضر، سخيًّا، بهيًّا كقوس قزح، فإذا بها كلها لحظة واحدة تأبي الانقسام، لحظة واحدة متنوعة الألوان والوجوه والسمات… 
***
حزبيّ العزيز
قلت: منذ عشرين عامًا اخترت أن أكون شيوعيًا… ولكن، قبلها كان “آخرون” قد “اختاروا” لي، تطوعًا منهم، هذا الاسم العظيم… 
شكرًا لأولئك “الآخرين” على كل حال… شكرًا لهم مرتين: 
– مرة، لأنهم أحسنوا لي “الاختيار”… ولأنهم “حدسوا” لي حدسًا نبويًا أنني سأختار أنا لنفسي، باقتناع العقلي، وجداني، وطبقي… 
سأختار أنا لنفسي، بعيدًا تحرصاتهم الحمقاء… يا لحدسهم العبقريّ! 
أفهل كانوا يشهدون الغيب، فيرون أنني لن أختار، ذات حين، أنبل ولا أشرف من إسم “شيوعي”؟…
– ومرّةً ثانية، أشكرهم لأهم وصلوا – من حيث لا يقصدون – بين براءتي النقية قبل أن أكون شيوعيًا، وبين شيوعيتي الأكثر نقاء حين صرت شيوعيًا… وصلوا بينهما هذه المرة لا بالحدث الغيب، بل الحس الطبقي الذي لا يخدع – في الغالب – أهله… لقد أدركوا – بهذا الحس النفّاذ – أنني حين كنت أرفض طريقة تفكيرهم ومنهج سلوكهم ونظام علاقاتهم وتقاليد هذا النظام وهذه العلاقات، كنت أرفض لا عن فوضوية ولا عن نزعة فردية ذاتية، ولا عن رغبة في الرفض للرفض ذاته وحسب… أدركوا هذا، فلم يروا غير منهج الشيوعية منهجًا نيّرًا يهتدي به مثل هذا الرفض النقيّ الثوريّ الذي عرفوه بي حين ذلك، “فاختاروا لي، مشكورين، أسمي “الشيوعي” قبل أن يكون لي شرف الانتساب إلى هذا الاسم العظيم… 
***
حزبي الشيوعي الحبيب.
نحن، هذه اللحظة، في صباح مؤتمرك الثالث… قلوبنا ليست في صدورنا… إنها هنا وهناك تحوم في كل مكان يكون فيه المؤتمر حركة وظلال وأضواء وأنفاس حارة وأقلام تكتب وعقول تفكر وسواعد تدير وتنظم، وصفوف تطلع من قريب ومن بعيد… صفوف تسال وكأنها تجيب، تنتظر وكأنها تحتضن كل الذي تنتظره… هذه الصفوف تعرفك فتعرف أن مؤتمرًا نعقده في هذه الأيام بعد مؤتمرك الثاني التاريخي، وبعد دورة زمنية شهدت فيها وجودك ملء حياة الوطن وملء حياة الشعب، لا بد أن يكون هذه المرة مؤتمرًا من طراز جديد بكر في وطننا اللبناني، مؤتمرًا لا يقدم الوعود بوصفها وعدًا، بل يقدمها منهج عمل وطريق نضال لتحقيق هذه الوعود، ويقدم من كل وعد منها فكرًا يحلل، ورؤية علمية تنفذ إلى جوهر الأشياء عبر الظاهرات، وتاريخًا ينضح بعبق العرق والدم والاستشهاد في ميادين الكفاح الصامد الصابر، طوال نحو نصف قرن من الزمن.
قلوبنا الآن، يا حزبي العزيز، مهرجانات تتوزع فرحًا على كل شبرٍ من أرض الوطن عاش مع ترابه رفيق من رفاقنا المناضلين الأوفياء، أو عانق ترابه شهيد من شهداءنا الأبطال… 
***
حزبي العزيز.
كم أشتهي ان أهديك، في يوم مؤتمرك الثالث، شيئًا عزيزًا يكون أعز شيء في دنياي…
نحن الناس نقول ان الحياة وحدها هي هذا الشيء الأعز… وهنا صحيح، ولكن كيف أهديك هذا “الشيء” الأعز وأكون وليس ملكًا لي…
منذ اخترت أن أكون شيوعيًا، اخترت – بملء إرادتي واقتناعي فكريا ووجدانيًا وطبقيًا – أن تكون أنت الذي تملك حياتي… منذ اللحظة الأولى لهذا الاختيار وهذا الاقتناع نزلت عن حقيّ الفردي بملكية هذه الحياة، حياتي، نهائيًا… ولو أني لم أفعل ذلك، لما بقيّ يستحق أن يكون الأعز، بل لأصبح أتفه الأشياء وأحقر الأشياء…
لو لم أفعل ذلك لكنت احيي الآن لأعيش، لارتزق، وكفى!… لو لم أفعل ذلك لكانت حياتي الآن خشبة منخورة نخرها سوس الخوف والجبن والقلق واليأس والتمزق الروحي والاغتراب…
أهديتك حياتي منذ ذاك… ومن يومها صارت – بالفعل – هي “الشيء” الأعز، الأكرم، والاشرف… فهل، يمكن أن أهديها مرتين؟
دعني – يا حزبي العزيز – أجيب أنا عن هذا السؤال… يهمني جدًا أن أجيب: 
أقول: نعم،يمكن أن أهديك حياتي ذاتها لا مرتين وحسب، بل ألف مرة، بل كل يوم مرة وأكثر…
– كيف يمكن ذلك؟ 
المسالة واضحة عندي وبسيطة بقدر وضوح هذه الكلمات وبساطتها… المسألة هي حياتي لأني وهبتك إياها، طواعية واختيارا واقتناعا، قد عادت لي حياة جديدة لها معنى جديد… لقد وضعتها بيدك، فوجدتها قد تحولت في يدك حياة زاخرة بشرف معناك وروعته ونبالته وشهامته… معناك في مقولات الفكر والعلم ومفهومات العالم والحياة والمجتمع… معناك في القضية الإيديولوجية الطبقية وامتدادها الإنساني وإبعادها الوطنية الأممية مجتمعة متكاملة… معنى الكفاحية الثورية فيك، ومعنى الحرية في مفهومك الثوري… 
من هنا أقول لك، يا حزبي العزيز، ببساطة ووضح أيضًا: بقدر ما أشعر أن حياتي هي فعلا ملك لك، أشعر أن لي منها بالقدر نفسه حياة أغنى من كل غنى، وأشرف كل شرف، وأنبل من كل نبالة… ومن هنا أراني كلما شعرت أنك أكثر امتلاكًا لها شعرا أنني أنا أكثر امتلاكا لها واعتزازا بها…
وهكذا… كلما كانت حياتي لك، كانت لي كذلك بالمستوى ذاته… وهكذا إذن، أستطيع أن أهديك حياتي لا مرتين وحسب، بل ألف مرة، بل كل يوم مرة وأكثر… وهي اليوم، يوم مؤتمرك الثالث، أجدر بأن تكون هدية متواضعة لك من جديد على اسم المؤتمر العظيم… هي اليوم جديرة بهذا الشرف لان أيام المؤتمر كلها قد أغنتها بالحيوية والعافية، بالحب والفرح، بالأمل والتفاؤل، بالرؤية الاجتماعية والسياسة والفكرية الأكثر وضوحًا والأعمق ثورية والازخر طاقةً للكفاح في كل ميدان ينادينا نحن الشيوعيين للكفاح…
حزبي العزيز.
هذه هديتي على اسم مؤتمرنا، وأنك لتقبلها، لأنها منك واليك… وسلمت، والى النصر بعد النصر دائمًا تحت رايتنا ال الظافرة: راية الماركسية- اللينينية، راية الأممية البروليتارية.

ماهر اليماني ترنيمة على إيقاع مسدس

بقلم مروان عبد العال


بعد ان انتهى العرض المسرحي في ساحة المكتب وعلى صراخ المشاهدين وهرج الصبية خلف الجمهور وهدير موج البحر الجاثم وراء خشبة المسرح مباشرة، دخل عرّيف الحفل، يحمل بيده عُلبة، ويتقدم نحو مُكّبر الصوت ليُعلن أنّ الحفل سيختَتَم بمزاد علني، يعود ريعهُ لدعم العمل الفدائي.

وأفاد أن داخل العُلبة هدية ثمينة ترمز لرفيقٍ من الجبهة ومناضل من المخيم وبطل يقبع في الأسر بعد عملية بطولية. وبأسلوب مشَوّق، أخذ المعرّف يعرض طريقة الفوز بها وهي داخل الصندوق، والذي سيقوم بكشفه امام الجمهور هو الفائز نفسه. والرابح من يتمكن من الوصول الى الوقت المحدد، وسيعلن عن انتهاء المزاد، عند التوقف عن المنافسة، بحيث يرسو ‏‏المزاد على آخر منافس يبقى حتى اللحظة الأخيرة ليقوم بعدها بدفع المبلغ  باقتسام الحصيلة مع عدد من المزايدين محقّقين بذلك ‏‏أعلى نسبة تبرع  في منافسة حامية وشيقة.

انطلقت عملية المزايدة على الهدية المجهولة التي في الصندوق، وعشرات يتقدمون لدفع مبالغ مالية، بدأت بمبالغ رمزية صغيرة وانتهت بمبالغ كبيرة وظلت المنافسة بين اثنين احدهم شقيق والدي المرحوم العم أبو فؤاد –  لروحه السلام. يومها كان في اجازة صيفية من سفر طويل في الخارج ولطالما كان ممولاً داعماً للحركة ثم الجبهة، وقد فاز بالحصيلة وما في داخل الصندوق. وعند اخراج الهدية منه، كان التصفيق حاداً من الجمهور، وقد نهض الحشد واقفاً عندما أعلن العريف أن الذي داخل العلبة يكون المسدس الخاص بالفدائي ماهر اليماني.

كان في المخيم الكثير من الأسلحة، بأنواعها معلقة على اكتاف الشباب، لكن صرنا نرجو العم ان نتلمس مسدس ماهر، كان مزهواً به ومعتزاً كأنه حاز على وسام شرف، وكنا نسأل باستغراب: هل صحيح ان هذا المسدس هو الذي اطلق النار على الطائرة ؟ فيجيب: لا صاحب المسدس هو من ألقى قنبلة ولكن المسدس كان هنا في بيته. لذلك قيمة المسدس من مكانة حامله، فهو ليس للزّينة أو للتّمظهُر، قيمتهُ بأن حامله يعرف متى يستخدمه، وكيف والى من يوّجه رصاصهُ، وان يظل على أهبة الاستعداد ودائماً في  الاتجاه الصحيح.

ويوم تحرر صاحب المسدس، قامت الجبهة بدعوة أهل المخيمين البارد والبداوي الى الاستعداد ليوم الاستقبال. نشطت ثُلة من الصبيّة للزينة، توزعت الثلّة الى فرقتين، واحدة لإحضار الزهر من القرية المجاورة للمخيم، امّا الاخرى فذهبت الى ضفاف النهر لجلب اغصان وازهار الدفلى البيضاء والزهرية واقتلاع شجيرات من النعناع البري برفقة بعض النساء الخبيرات في جلب أعواد الحطب وانتقاء ورد الاسيجة من بين اشواكها البلانية.

الناس عند المدخل الجنوبي للمخيم، يحتشدون في ملاقاة العائد ولرفعه فوق الأكتاف، لاحظ سكان المخيم ان الشوارع تضيق بالموكب، والأزقة الضّيقة تفيض بالفرح، وتستعد بلهفةٍ ليوم الغد، وكل البيوت مشرعة النوافذ والأبواب، كأنها تفتح ذراعيها لعودته.

طل كالسبع صاحب المسدس، وهو يتعانق مع رفيقه محمود، فقد نفذّا العملية معاً على طائرة  الرحلة رقم 253 لشركة العال الصهيونية، والتي على اثرها هاجمت فرقة من الكومندوس “الاسرائيلي” مطار بيروت الدولي، ودمّرت ثلاث عشرة طائرة مدنية، ردّاً على العملية التي نفذتها الجبهة، بتبرير أقبح من ذنب، ان ماهر ومحمود من ابناء مخيمات لبنان.
لأول مرة ترى أعيننا ماهر، الفتى الوسيم والنحيف الجسم وبشعره الكثيف سواداً، وبالوجه البشوش يبتسم من عينيه قبل ثغره، ويلوّح بيديه ويوزع قبلات في الهواء، يرد السلامات بصوت كأنه يلهث، كثير الحركة كتلميذ ٍ مدرسةً في حالة شغب، رغم انه حضر وأنتهت مراسيم الاستقبال، ولكنهم ظلوا في حالة البحث عن صاحب المسدس. وفي حالة استقبال  للشخص الذي تخيلوه.

آه.. ألم يأت بعد؟ هذا لسان حال صبية المخيم. ينتظرون الفدائي وعلى موعد مع الشخص الاستثنائي، والفدائي الذي يعني “سوبرمان” يطير بين البلدان ويطارد طائرة في السماء، ربما يختطفها او يتعلق بها ويسقطها. الفدائي هو البطل الذي لا ينام ولا يخاف ولا يموت، المتسامق زهواً وقوة وكرامة وشموخ، كان الفدائي في خيالنا مارداً لا يضاهي جبروته أحد، يقفز من اعلى مكان يسقط ولا ينكسر، تكون فدائياً لو استطعت ان تفعل كذا وكذا.

بقوا في حالة بحث عن الفدائي.. وجدوه في الفتى المضيء من لمعة المسدس، المكلل بالزهور على باب المخيم، تطلقه النساء كزغرودة في ضمة حبق ورائحة النعناع، ظل صداه يتردد في هتافات الأولاد واهزوجة شعبية ينشدها على شُبابته الشاعر الشعبي ابو حسين علي شحادة: (أهلا وسهلا بمحمود وبماهر اليماني.. اهلا وسهلا بالفرساني.. اللي غزو بلاد اليوناني). كما صورته محفورة في المخيّلة كالطابع البريدي الذي ألصقفناه على دفاترنا المدرسية، يوم بادر قسم الإعلام بالجبهة واصدر مجموعة  طوابع بريدية ضمت اربعة وعشرين طابعاً  سنة 1974 تخليدا لمناضليها وكان بينهم ماهر اليماني.

يوم إلتقاه عمي ثانيةً بعد سنوات أعاد المسدس الى من يستحقه، الى قبضة يد صاحبه. كان على يقين ان هذا الفتى سيظل طول حياته في حالة قتال مستمر، قال يومها: أعدت له الأمانة، فربما المسدس سينفعه أكثر مما ينفعني. كان يرى فيه فتى يصعد كوطن لا يطال، كالمسدس المهيأ لحالة الإطلاق، الشخص المُلقم بالرّصاص كما الذكريات، والماهر في دقة الإصابة، وثقافة الرمي الغريزي في حقل الموت.

عندما يحتدم النقاش مع ماهر، وبنبرة العارف ببواطن الأمور ومعرفته بمطبخ القرارات وكيف تؤخذ، يقول واثقاً مبتسماً: ما تنسى انا “ابن الداية”؟ فأجيبه: وغيرك ليس “ابن البطة السوداء”. فيعلق بضحكة ساخرة وينفخ سيجارته. بحركة أفسرها انها تحوي خزين من الخفايا والاسرار والأحداث،  لكنه لا يدّعي احتكارها، وإن كان لم يبح بها قط، تماماً كما احسن وصف نفسه “ابن الداية”، يعني ابن الجبهة الذي يعتبر الحرص والكتمان وإلتزم الصمت الإيجابي كواجب وطني.

يقصد في اصل الحكاية انه مثل الذي يدخل مع والدته التي تـقوم بعملية التوليد للمرأة الحامل، أو يدخل وهي تـقوم بعملها وهو ما لا يتاح لغيره من الأولاد، فأصبح المثل ينسحب عليه ويعتز به. حالات مشابهة بتجاوز ما هو متفق عليه أو موجود كتقاليد متبعة ومعروفة.

لقد أتى أخيراً، مثل ترنيمة على ايقاع مسدس، يعزف الصداقة دون ادعاء والحياة الصاخبة مثل مقطوعة موسيقية جامحة، لا يهادن في الحب والسياسة. إنسان بفوضى مرتبة كلوحة سيريالية، وبوسائل متناقضة ومتنوعة، وترك لنا صداها في كل الامكنة والازمنة، ولمحة هنا وهناك و تصادفه في المخيمات والمدن والعواصم وفي المواقع والمكاتب، كأنه يخط خارطة النضال ويرسم جغرافيا العطاء، في سبيل أن يخلق زمنه الخاص، الأكبر من منصب خاص والأعلى من رتبة خاصة، بل ان يجعل من تفاصيل حياته تندمج في حياة الاخرين، ليحقق زمنه الجماعي وتاريخه النضالي، دون فواصل ورتوش وخصوصيات، يحث الخطى نحو عشقٍ أسطوري، يتعرى في قلبه الخطر حتى الذوبان، مدركاً بعمق يقينه النهائي.

أتى من بعيد يقاتل الواقع، بسلاح الحلم، المحشو بالألقاب والأسماء الهامة،  يتفيأ بظل أكبر حالمين في تاريخ الثورة الفلسطينية، الحكيم والوديع، وقد تربى وشَبّ وكبر في كنف الاشقاء القائد أبو ماهر اليماني والشهيد محمد اليماني وبرهان وأم مازن وابو اياد وظل رفيقاً في حياته للعديد من الشهداء الذين تشارك معهم ذات يوم، المعركة او الطلقة او اللقمة او جلسة صفاء ونكتة ومقلب مضحك وساعة حب و لحظة فرح ومنهم الشهيد والمقاتل والفدائي.

ثم عاد ثانية… الرصاصة لم تستطع  النيل منه لكثرة ما راوغها، إلاّ أن ّ الموت استقوى أخيراً، وبقدر ما كان قوياً مكافحاً في وجه الألم، كان الفراق لئيماً وخبيثاً؛ يقيناً أنه لم يسكت على ضيم رغم أنياب الوجع، فقام  برَدِ الصاع صاعين، عندما  انساب من بيننا وتسلل جسداً الى التراب، ثم ارتفعت روحه لتحلق عائدةً الى حبيبته، التي ظلت تنتظره وراء الغيم، وعلى بعد طلقة وغربة ونكبة، تماماً مثلما انهى “ماركيز” حكاية : “أجمل رجل غريق في العالم ” ويقول مشيرًا إلي الجبلِ الذي ينشر زهورَه الورديةَ نحو الأفق وفي كلّ لغاتِ العالم: “أنظروا إلى هناك حيث هدوء الريحِ وحيث ضوء الشمس. هناك هي قرية إستبان…”
وماهر يرقد هناك حيث ضوء الشمس وحيث “سحماتا” الباقية في الحلم والوطن.

تقديم كتاب :الشعبوية التحولات الجذرية لديمقراطياتنا. للكاتبان : ايلفو ديامانتي و مارك لازار

بقلم فوزي صويد عضو المكتب السياسي لحزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد

اخترنا تقديم هذا الكتاب الصادر في الأصل باللغة الايطالية سنة 2018 نظرا لأهمية الموضوع المتناول و لأهمية الظاهرة الشعبوية التي اكتسحت العالم و اكتست صيغا و أشكالا متنوعة دفعت بالعديد من هذه التنظيمات الى سدة الحكم سواء  في الديمقراطيات الليبرالية او حتى في البلدان النامية مثل دول امريكا الجنوبية و نخص منها بالذكر كما ورد بالكتاب بلدانا مثل البرازيل التي شهدت  صعود اليمين الشعبوي المتطرف و ذات النزعة الفاشتية المتطرفة المعادية للديمقراطية و التنوع العرقي و خصوصا الاشتراكية و احزابها و ممثليها بقيادة بولسونارو المدعوم من الإمبريالية الأمريكية. كما لم يغفل الكاتبان في سياق تحليلهما للظاهرة الشعبوية من التعريج على ما سموه بالظاهرة الشعبوية اليسارية – والتي تختلف جذريا عن الاخرى التي سيقع التوسع في تفصيلها في الكتاب – و ذلك عبر التركيز على فنزويلا و قائدها الراحل هوغو شافيز  الذي مارس الحكم لفترة طويلة و كان مسنودا بقوة من طرف الشعب او من خلال تحربة بوليفيا مع ايفو موراليس. هذه الشعبوية اليسارية ذات التوجهات الاجتماعية و التحررية من سلطة الاستعمار و راس المال سيقع تبنيها و التنظير Ernesto Lacloلها و الدفاع عنها من خلال تنظيرات الكاتب الارجنتيني المتخصص

ارنستو لاكلو و الكاتبة البلجيكية. ( زوجته ) شانتال موف.   

 و لكن هذا موضوعا اخر سنتتطرق إليه لاحقا من خلال تقديم بعض أعمال هذين المفكرين.

كتابنا اذن يدرس الظاهرة الشعبوية و صعودها في اوروبا خصوصا مع التركيز على انتشارها في فرنسا و ايطاليا بلدي المنشأ للكاتبان وهو يحتوي بالأساس على قسم نظري يحللان من خلاله مفاهيم الشعبوية و جذورها التاريخية و السياسية و العوامل التي دفعت بها و بمتبنيها من السياسيين الى الصعود و احتلال مراكز القرار السياسي الاولى في العديد من البلدان الصناعية الكبرى ذلت التقاليد الديمقراطية الليبرالية العريقة و تشكيكها في المؤسسات التمثيلية المنبثقة عنها كالبرلمان و نظم الإقتراع و الاحزاب و كل الأشكال السياسية التقليدية لممارسة السلطة.

يتساءل الكاتبان عن مفهوم الشعبوية عامة  و مفهوم الشعبوية الجديدة و الاشكال المتعددة للشعبويات و  الشعبويين و خصوصا أسباب الانتشار السريع للظاهرة كما يخصصان فصلان كاملان لدراسة ظاهرة الشعبوية و انغراسها و تاثيراتها الكبيرة على الحياة السياسية في كل من فرنسا و ايطاليا. .

.

يستهل الكاتبان مقدمة الكتاب بعرض موجز لبعض المقولات الشائعة لما يعتبرانهما ممثلين بارزين للتيار الشعبوي باوروبا الغربية و الذين يؤكدون اعتزازهم و افتخارهم بالانتماء للتيار الشعبوي الذي يستمدون منه مصداقيتهم و نضالالهم و تبنيهم لمطالب الشعب و  لمصالحه. فهذا جون لوك ميلونشون  زعيم مل يعرف بالتيار اليساري الراديكالي الفرنسي ”  فرنسا المتمردة ” يصرح لمجلة الاكسبريس سنة 2010 « لا اريد البتة الدفاع عن نفسي من تهمة الشعبوية. أنا أكره النخبة. نعم  انا شعبوي و أفتخر. فليذهبوا كلهم للجحيم “

الزعيم الإيطالي لتنظيم ال5 نجوم ذي المنحى الشعبوي اليميني المتطرف يصرح عاليا وبكل ثقة ” إن ال5 نجوم لا ينتمي لليسار ولا لليمين إنما هو إلى جانب المواطنين شعبوي الإنتماء و بكل فخر ” و قد اكتسح هذان التنظيمان الساحة السياسية الإيطالية مستغلين الأزمة الإقتصادية و تفشي البطالة و استفحال مشكلة الهجرة السرية يدغدغون بخطاباتهم مشاعر الهوية لدى الإيطاليين في سعي واضح و مكشوف للهيمنة على المشهد السياسي العام.


و في نفس السياق يضيف منظر التنظيم اليميني 5 نجوم جيانروبرتو كاساليجيو 13   ديسمبر 2013 بمدينة جنوة خلال تظاهرة كبرى ” اريد ان أقول لكم شيئان : اولا انني شعبوي و انا فخور جدا بذلك و فخور بأنني اتحد مع عشرات الألاف من الشعبويين ،اما الشيء الثاني فهو ضرورة عودة السلطة للشعب.” كما يلاحظ الكاتبان انه الى جانب وجود و انتشار الظاهرة الشعبوية اليمينية و التي باتت  تشكل خطرا كبيرا على الديمقراطية فانه يوجد كذلك الشعبوية اليسارية ذات التوجهات الإجتماعية الديمقراطبة التي نظرت لها و مدحتها المفكرة البلجيكية شانتال موفي صديقة تنظييم بوداموس الاسباني Podemos و سيريزا اليوناني. Syriza و فرنسا المنمردة La France insoumise

وفي هذا السياق، وفي مقال هام حول الموضوع للاقتصادي الفرنسي المعروف توماس بيكاتي يصرح هذا الاخير بأن « الشعبوية ليست سوى إحالة غامضة و لكنها مشروعة لما يفهم آنه تهميش للطبقات الشعبية و تعميق للفوارق الطبقية في البلدان المتطورة. لذلك يجب الاعتماد على عناصر الطرح الشعبوي ذات البعد العالمي لتقديم إجابات واضحة لمجمل التحديات المطروحة، لانه و في غياب مثل هذا الطرح الاجتماعي و الإنساني سيتعمق الارتداد المبني على الهويات و تتصاعد المظاهر العنصرية. و لا يمكن تحقيق هذه العناصر الا بالاعتماد على تنظيمات يسارية مثل بوداموس و سيريزا و غلى شخصيات مثل ميلونشون. Mélenchon و و صاندرس الأميركي Sanders »

نلاحظ إذن أن الشعبوية شعبويات متنوعة و مختلفة و كما هناك من يتبنى المنحى الشعبوي اليميني فان هناك أيضأ من يعتبر ان بعض التنظيمات اليسارية المذكورة سابقا هي شعبوية و لكن اطروحاتها مقبولة و يجب دعمها و تطويرها.

الشعبوية و علاقتها بما يسمى «سلطة الشعب”

Populisme et Peuplecratie

يسهب الكاتبان في تعريفهما للشعبوية و يقدمان تعريفات متنوعة تتفق جلها في ان هذه الظاهرة عبارة عن خليط من المثل الرومانسية و القومية والريفية والهووية و الاشتراكية. كما يحاولان وضع الظاهرة في اطارها التاريخي، فهي ليست حديثة بل تعود جذورها الى أواسط القرن التاسع عشر في روسيا حيث كان هناك تيارا سياسيا و فكريا شعبويا قويا كان يعتبر ان الفلاحين الروس (اغلبية الشعب انذاك ) هم روح الامة الروسية و طليعة الثورة ضد الأتوقراطية القيصرية و يقع على عاتقهم النضال من اجل تجقيق الحريةو العدالة. و قد انقسم هذا التيار و افرز جناحا عنيفا أعتمد على العنف و الاغتيالات. كما تحدث عن هؤلاء و باسهاب الروائي الروسي الكبير دوستويفسكي في روايته « المجانين » « Les Possédés» ،اما لينين فقد تصدى لهذا التيار سياسيا و ايديولوجيا مبرزا عدم فهم هؤلاء الشعبويون العميق للتناقضات الحقيقية التي تشق المجتمع الروسي و قوى الثورة الحاملة للتغيير الجذري للمجتمع.

فالشعبوية اذن حسب لازار و ديامانتي تظهر دائما في فترات الخوف و انسداد الأفق و الازمات بصفة عامة خصوصا الإقتصادية والتي تخلف ضرورة ازمات سياسية و اجتماعية يستغلها الشعبويون لتقديم أنفسهم كحل لهذه الازمات.

و من هنا يستغلون هذه الفرصة او هذا الوضع المتازم لتقديم تصوراتهم حول ضرورة انهاء الأشكال التمثيلية القديمة

( برلمانات و احزاب ) و تعويضها بأشكال أخرى أكثر شعبية. فهم يستغلون كل ما هو متاح باسم الشعب و من اجل مصلحته – حسب زعمهم – ليحررونه من سلطة الاشكال البيروقراطية البالية و يعطونه الفرصة ليحكم نفسه بنفسه. فهذا الشعب – حسب تنظيراتهم- هو عبارة عن لحمة واحدة متجانسة يفعل ما يريد و يعرف ماذا يريد و يتصدى لكل النخب التي تريد استعباده و السيطرة عليه باسم الديمقراطية التمثيلية.

ان مثل هذه التصورات لا يمكن ان تقود -حسب الكاتبين – الا الى الاستبداد و العنصرية و اثارة النعرات القومية المعادية للأجانب و لكل أشكال الإختلاف و هو ما نراه في بعض بلدان اوروبا الشرقية مثل بولونيا و المجر و التشيك و حتى في روسيا و الولايات المتحدة الأمريكية مع ترامب. هذه البلدان و نخبها الشعبوية التي اصبحت تنظر لما يعرف باللاليبرالية أي بعبارة أخرى اعتماد الليبرالية الإقتصادية بدون الديمقراطية والحريات. و هو ما ذهبت إليه بالفعل في ضرب كل أشكال حرية التعبير و التنظيم و خنق كل أشكال المعارضة.

.

قراءة في ديوان شكري بلعيد :أشعار نقشتها الريح على أبواب تونس السبعة

بقلم حياة حمدي عضو اللجنة المركزية لحزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد

أن نحيي ذكرى اغتيال شهيد الوطن والحرية والكرامة شكري بلعيد فليس ذلك من باب الحنين – وإن كان الحنين إلى حضوره لم ينفكّ يوما- إنما نريد من خلال هذه الذكرى أن نقاوم إيتيقيا وسياسيا وجماليا أيضا كل استراتيجيات النسيان التي ينتهجها بعض ممّن لا يزال اسم شكري بلعيد يرعبهم مثلما أرعبهم وهو حيّ. إن “واجب التذكر” على حد عبارة الفيلسوف بول ريكور هو إذن طريقتنا في مقاومة هذه الاستراتيجيات التي تدعونا إلى أن “نطوي الصفحة” وهو أيضا طريقتنا في كشف الوجه الموحش للشر الأخلاقي وللعنف السياسي ولكل ما يجعل وجودنا الاجتماعي مغلفا بطبقات من الظلام الساحق لكل ممكنات الإنساني فينا. وهو في النهاية طريقتنا في إثبات أن القيم التي دافع عنها شكري بلعيد فكرا وممارسة هي قيم الثورة الحالمة بالحرية وبالكرامة الإنسانية. إننا ونحن نقرأ اليوم ما كتبه قراءة مقاومة إنما هو استئناف لهذا الحلم ضد كل استراتيجيات النسيان العفوي منه والمقصود.

  لكن ربما يتساءل البعض كيف لنا أن نقاوم استراتيجيات النسيان بالعودة إلى أشعار ربما لم يكن شكري بلعيد السياسي ينوي نشرها وإطلاع عموم الناس عليها؟ وربما يخفي هذا السؤال ما يراه هؤلاء من تباعد بين الشعري والسياسي، تباعد يتخذ مطية أو تعلة كي ينكر علينا كل ذكر لأشعاره خوفا على اهتزاز صورة السياسي التي عرف بها..

حسبنا أن نجيب دون تردد أن الشعر هو المكان الملائم لولادة السياسة وأنّ درب السياسي هو من عين درب الشاعر وأن المرور من المتخيل إلى الفعل هو مرور يبرّره اغترافهما من نفس المنبع أي منبع ما يمكن أن نسميه “شعرية الوجود”. في هذه الانشائية إذن يلتقي الشعري بالسياسي مثلما يلتقي الفكر والفعل فيما يوحّهما معا أي جمالية الخلق والإنشاء والإبداع أو ما يسميه ريكور “ارتقاء الخيال إلى مرتبة ملكة الممكن العملي” حيث يجتمع في قائل الشعر دفق الخيال وجدوة الفعل.

فمن أين نأتي إلى السياسة إذن إن لم يكن ذلك من باب الشعر؟ هل نأتيها من باب اللاهوت أو من باب آلات العدّ والحساب؟ أم من باب ميكيافلية متخفية لا ترى في الفعل السياسي غير تصريف المناصب وإغداق الوعود الزائفة؟ ألا إنه ليس من باب ندخل منه الى السياسة إذا ما رمنا تشريفها غير باب الشعر إذ أن ما يراهن عليه الشاعر والسياسي هو تدبير وجودنا المدني أفضل تدبير وأقربه الى أفق ما هو إنساني فينا.

أن تولد السياسة من رحم الشعر ’ فتلك فضيلة لا يفقه أبعادها إلاّ من غادر وجها من الأفلاطونية المعادية لهذا الالتقاء. لمن لو اقتصر الأمر على هذا الوجه الميتافيزيقي-اللاهوتي الموغل في معاداة الشعراء لهان الأمرإذ تكفل الكثير من الفلاسفة والمفكرين المعاصرين بقلبه. غير أن هذا الموقف نراه اليوم لدى بعض “المحدثين” الذين يردون السياسة الى نمط حسابي ليس له من أفق غير معاداة الفكر.

وربما لا نجد أبلغ من هذا اللقاء السعيد بين الشعري والسياسي لدى شكري بلعيد ما عبر عنه شكري المبخوت في مقدمة تحقيقه لديوان شكري بلعيد ” أشعار نقشتها الريح على أبواب تونس السبعة” حينما كتب يقول في الصفحة السابعة من التقديم ” كنت متأكدا من أنّني سأبرز للناس من أوراق الديوان المخطوط وجها آخر ‘للشهيد السعيد’ (بعبارة رفيق دربه الفقيد سنان العزابي) ’ وجه الشاعر ذي الغريزة الشعرية. فشكري بلعيد كان، من أوّل ما عرفته وهو تلميذ سنة 1981 ’ شاعرا يبني شخصيته الثقافية والفكرية بمطالعة الأدب شعرا ومسرحا ورواية بقدر ما يبنيها بمطالعة الكتابات ذات الطابع الفلسفي والإيديولوجي والسياسي. ورأيي –يواصل المبخوت شهادته-أن وجه المثقف’ واسع الثقافة’ علاوة على ذكاء وقّاد وحس نقدي رفيع وكفاءة عالية في الحجاج والجدل ’ هو الذي يسّر لوجه السياسي منه على ما عرفه الناس من فصاحة في التعبير وسلاسة وحضور بديهة”.

غير أن ما نروم تبيانه في هذه الورقة’ ليس القصد منه ” أن يكرمه أحباء الشعر” وإنما قصدنا هو ألا يتنكر “أصدقاء الأرض” لوجه شكري بلعيد الشاعر وهم الذين لم يعرفوا عنه إلا وجه السياسي. إن غايتنا من وراء ذلك هي إثبات أن وجهه الثاني كامن بالقوة وبالفعل في وجهه الأول.

وإننا إن كنا سنكتفي هنا بقراءة عنوان الديوان وبقصيدة منه هي قصيدة “صحراء” ’ فإن ذلك لا يعني أن باقي أشعاره لا تقدم إثباتا حيّا لتعالق الشعري والسياسي لديه’ وسوف يكتشف كل قارئ لديوانه أن أحدهما كامن في الآخر’ ثاو فيح حينا وصريحا حينا آخر.

وسبيلنا إلى هذه القراءة لن تكون من جهة الألفاظ وإما هو سبيل يقتفي أثر المقاصد لذلك كان ما نطلبه هنا هو ضرب من “القراءة المقاومة” التي تتجاوز تواتر الألفاظ طلبا للذهاب إلى أبعد مما يظهر منها وهذا هو حال “الأبواب “في عنوان الديوان ة هذه الأبواب التي إذا ما انفتحت تراءى لنا ما تخفيه وما لا تظهره لغير الواقفين على أسرارها.

     عنوان الديوان كما هو معلوم “أشعار نقشتها الريح على أبواب تونس السبعة”. وهو عنوان يجمع في باطنه بين ما سميناه بوجهي التدبير ونقصد بذلك التدبير الروحي والتدبير المدني السياسي. إنه عنوان تتوحد فيه ممكنات تحرّر الذات من خلال ممكنات تحرر المدينة بطريقة تجعل من أبواب تونس” مفتوحة على الغنى والتعدد والاختلاف وإن كانت في كل ذلك تغار على وحدتها وتماسكها وقدتها على مقاومة “الرياح المنذرات” ’ فاتحة أبوابها السبعة لاستقبال “الرياح المبشرات “المؤنسات المبتهجات بما نقشته الريح على ألواحها.

سنحاول إذن-من خلال استقراء العنوان-تأويل صور التقاء “الشعري” بما هو عنصر من عناصر “تأويلية الذات” بالسياسي من جهة كونه “تأويلية للفعل” يتولد عنهما” الأثر” بالمعنى الذي قصدته الفيلسوفة الألمانية المعاصرة حناّ آرندت.

تكمن جمالية هذا العنوان ’ -وهو عنوان يخبرنا محقق الديوان أن شكري بلعيد قد صرح في حوار صحفي منشور عن استعداده لنشر مجموعته الشعرية التي اختار لها هذا العنوان وأنهما معا أي الشاعر والمحقق كانا يحلمان بنشر مجموعة مشتركة باسميهما-في تأكيده على التقاء تأويلية الذات بتأويلية الفعل كما سبق أن أشرنا إلى ذلك أي أنه التقاء المقصد منه هو الكشف عن التداخل الجدلي بين تدبير الذات وتدبير المدينة وهذا ما تكشف عنه استعارة الريح التي تكتب أو تنقش أشعار اعلى أبواب المدينة

 إن العنوان إذن هو طريقة في تقصي أثر الريح (الذات أو النفس) وهي تقف على أبواب التاريخ تسأله فعله في الذات وفي المدينة معا. إن ما ذهبنا اليه هنا تؤكده أولا طريقة تصريف أو تدبيرمن جهة وطريقة تدبير المدينة بأبوابها السبعة من جهة أخرى

1_ تصريف(تدبير) الريح

 تحمل الريح -إذا ما استقصينا عنها في المعاجم اللغوية العربية -على معان عدة نلخصها في ثلاث هي

  • الريح بمعنى الهواء المتحرك
  • الريح بمعنى الروح وجمعها أرواح (وقد جاء في معجم اللغة العربية المعاصرة الشرح التالي “ريح جمع أرواح، ارياح ورياح وأراويح وأراييح”) 
  • – الريح بمعنى القوة والسطوة كأن نقول “اقتلعت ريحه مواطن الظلم” والقوم ركدت ريحهم بمعنى ضعفوا وذهبت قوتهم وزالت دولتهم أو مدينتهم)

ويقسم العرب الريح إلى قسمين كبيرين هما “المبشرات” و”المنذرات”. فالأولى تبشر بإثارة السّحاب ونزول المطر وجريان الملك واليسر والثانية تنذر بالعذاب. ومما جاء في كشاف الزمخشري قوله “وتصريف الرياح في مهابّها’ قبولا وإدبارا’ جنوبا وشمالا” (كما جاء في البيت الشهير لأبي الطيب المتنبي “على قلق كأنّ الريح تحتي-أوجهها يمينا أو شمالا”). كما جاء في قاموس المعاني” تصريف الرياح بمعنى تقليبها في مهابّها وأحوالها أي إدارتها وتوجيهها ” و “الصريف ” هو «صوت الأبواب وصوت القلم”.

فلكأن شاعرنا هنا يستحضر “ريح” المتنبي ولكأنهما يحملان القلق ذاته ولكأنهما معا يصرفان نظرهما الى المدينة ينظران في مهابها حين تقبل وحين تدبر.

فكيف يصّرف شاعرنا ريحه أو روحه (أو ما عبرنا عنه بتأويلية الذات” الشاعرة؟

إنه يصرّفها(يدبّرها) من خلال فعل أو أثر النقش (على الأبواب). إن فعل النقش هذا هو فعل الروح أو الذات وما يبقى لها من “أثر” على تلك الأبواب -أبواب مدينته تونس-وهو المعنى الذي نفهمه من خلال استعارة “نقشتها اريح” كما من خلال استعارة “مخرج الروح” في قصيدته التي عنوانها “إله” حينما يقول الشاعر

   واقف في مخرج الروح

لم يعتلني القديم

يا رياح البنفسج لا تنسيني

بلّغي مهرة الروح كلّ الجنون

فيكون مجرى الـتأويل في هذه العبارة أنّ هذه الأشعار نقشتها “الرّوح” أي روح أو ذات الشاعر على “أبواب تونس السبعة” وهذا ما قصدناه من عبارة “تدبير الذات” أو “تأويلية الذات” في ديوان شكري بلعيد.

2_ تدبير المدينة

وهو تدبير يقرأ أوّلا من خلال عبارة” أبواب تونس- بما يشير الى المدينة وهي بعدد سبعة”(باب الفلّة-  باب الجزيرة- – باب المنارة- باب الجديد- باب البنات- باب العلوج- باب الخضراء) لكنه يتسع ليشمل المدينة بمعناها السياسي الذي ورثناه عن الإغريق الأول ( بوليس)   Polis  

 أي بمعنى الجسم أو الكيان السياسي الهادف الى تحقيق النظام والسعادة والعدالة. يفهم من هنا أنّ الشاعر ينقش في هذه المدينة من روحه أشعارا هي بمثابة الوجه الذي اختاره لتدبيرها. فما عسى أن يكون هذا الوجه؟

إذا نحن سألنا الآن على أيّ وجه تدبّر الشاعر المدينة أجابتنا القصائد – ونخص بالذكر منها هنا قصيدة “صحراء” بأنّ تدبيرها جاء على وجهين هما وجه “الصحراء” من جهة ووجه “الواحة” أو “الحديقة” من جهة أخرى.

يقول صاحب لسان العرب “وقد وعى العرب هذه الحقيقة فربطوا بين نزول المطر واختلاف جهات الريح فقالوا’ لا تلقّح السحاب إلاّ من رياح مختلفة ’ ريح منذرة وريح مبشّرة’«. فأمّا الأولى فهي التي تعبّر عنها هاهنا صورة أو مجاز الصحراء. وأما الثانية فمجاز “الواحة”. سنستأنس في قراءة هذين الوجهين بمدخلين اثنين أحدهما للشاعر نفسه وثانيها نصّ اختتمت به حنّا آرندت كتابها “في السياسة”

  نقرأ في قصيدة صحراء قول الشاعر

عند بابك خطّ المحبّون أسماءهم

وبنوا في محطّاتك الموحشة

حلمهم

حمل الشعراء الصعاليك

في لحظة الوجد

أقدامهم نحوك

وقالوا نمرّ

كما أمنا المتعبة

نملأ الرمل وحباته شبقا وحنين

لا الضابط المختفي تحت بسمته القاتلة

ولا العسس الأوبئة

أزاحوا من دمنا وهجك العربيّ

فكل المنافي لنا واحة

نستظل بها

ثم نطوي الطريق

إلى مدن القتلة

لسنا نخشى على دمنا من أحد

صحراء وضابط يختفي تحت بسمته القاتلة وواحة يستظل بها ..تلك هي المدينة كما يراها شكري بلعيد..سنحاول من خلال هذه الصورة أن نسلك طريق حنا آرندت نحو الإجابة عن سؤالين هما هل من معنى للفعل السياسي بينما القسم الأكبر من عالمنا يشبه” الصحراء “القاحلة ؟ هل تكون “الواحة” كما صورها الشاعر وكما تدبّرتها الفيلسوفة مجالا ممكنا للفعل في العالم وفي التاريخ؟

لكي نجيب عن هذين السؤالين لا بدّ أن نعود الى المجازين المعبّرين عنهما وهما مجاز”الصحراء” ومجاز “الواحة”

لقد جاء مجاز الصحراء في قصيدة شكري بلعيد محمّلا بمعان بعضها ألفه العرب في أشعارهم وترحالهم وما زخرت به أيّامهم ومعلقاتهم وبعضها مستحدث من قبيل “المحطات الموحشة” و”العري السرمدي” بعد أن بات ساكنيها من جنس “الضابط المتخفي تحت بسمته القاتلة” و”العسس” و”الأوبئة” وبعد أن كست شوارعها “قرابين الدم الوطني”.. لم تعد الصحراء – ونحن في مطلع سنة 1987رمزا للقحط والجدب والجوع والعطش بل أصبحت الى جانب ذلك ممرا لمدن القتلة ومحطة موحشة تعرّى فيها الروح ويقدّ فيها الجسد “وهجا للمعارك ” الدّامية. فأي معنى عندها للفعل وهو الذي يقتضي الحرية والحياة والنور؟

لعلنا لا نجاوب الصواب إن قلنا إن في تصوير هذا الوجه من المدينة-الصحراء تصوير لنظام سياسي لم يجد من حل لضمان بقائه غير نفي من رأى فيهم صورة حديثة “للصعاليك” في ظلام الصحراء رغم أبوابه المدينة” السبعة”.

لكنّ الشاعر لا ييأس بل إنه يستنهض في روحه بأس الفتى العربي الأصيل فيصنع من هذه الصحراء (إشارة إلى رجيم معتوق) واحة يستظل بها راسما خيوط أمل لا حدود لها. إن “الواحة” كما يخبرنا لسان العرب ومعاجم اللغة ليست كلمة عربية وإنما هي –كالفلسفة- “دخيلة على العرب” كما جاء على لسان أحد فلاسفتها. وأن تكون “الواحة” غريبة عن لغة العرب فليس ذلك مما لا يوقع في النفس حيرة وخوفا. لقد تأملنا في كل المعجم علّنا نعثر على العبارة فلم نجد لها أثرا في المعاجم القديمة كلسان العرب والمحيط والصحاح وتاج العروس ولا حتى” المعجم الوسيط” وهو المعجم الحديث نسبيا. ولم نعثر على ما يدل عليها إلا ما جاء في معجم اللغة العربية المعاصرة حيث نقرأ ما يلي “الواحة مصطلح نطلقه على أرض منبسطة خصبة في الصحراء الرملية «. لم تذكر “الواحة” إذن إلا في معجم واحد هو “المنجد في اللغة والأعلام” وهو من وضع الراهب اليسوعي لويس معلوف وقد وضعه سنة 1908 وقال في مجرى حديثه عنها إن لفظة الواحة “منقولة عن المصرية القديمة أي القبطية”. أما إذا طلبنا مرادفا للعبارة فإننا نجد أن للعرب ألفاظ أخرى ربما تنوب مناب الواحة وأبرزها الحديقة وهي ترمز في قصيدة “صحراء” لشكري بلعيد” إلى الحياة لكنه يسميها في مواضع أخرى” حديقة تونس” ذات الألف لون ولون أو تونس المتعددة المختلفة ذات “الأبواب السبعة”.

يتوضح لنا جليا ما يوحي به لفظ “الواحة ” واستعارة “واحة الفيافي” في قصيدة “صحراء” من ديوان “أشعار نقشتها الريح على أبواب تونس السبعة لشكري بلعيد. إنها توحي بعالم جديد كما تبشر بولادة “سياسي جديد” يقاوم جدب الصحراء مستظلا بالواحة متعددة الألوان بما يوحي برسم فكر سياسي جديد مدافع عن التعدد والاختلاف ضمن فضاء مفتوح مقاوم للانغلاق وللتصحر الفكري. بذلك تصير الاستعارة الشعرية مفتاحا لقراءة الواقع في مستوييه أي كتأويلية للذات وكتأويلية للمدينة مما يجعل منها “وسيلة لحصول الفهم” على حد عبارة إمبرتو إيكو خاصة إذا كانت “استهارة حيّة” بلغة ريكور تقاوم ثقافة الموت والعنف والاغتيال وما استعارة “تونس _حديقة بألف وردة ووردة ” التي جاءت على لسان الشاعر ليلة اغتياله إلا من قبيل تلك الاستعارات التي “نحيا بها” ونقتفي دربها.