
لم تبدأ القصة من صندوق الاقتراع، ولم تولد داخل حزب سياسي يبحث عن موقع في السلطة. بدأت من كارثة. في الأول من نوفمبر 2024 انهار سقف محطة السكك الحديدية في مدينة “نوفي ساد”، فسقط ضحايا (16 قتيلا وعدد اخر من المصابين). لكن المأساة سرعان ما تحولت إلى سؤال سياسي: من المسؤول؟ ولماذا لا تتم المحاسبة؟ ومن يحمي من يتحملون المسؤولية؟
من هذا السؤال البسيط في ظاهره، والمعقد في جوهره، خرجت الحركة الطلابية الصربية. لم يكن الطلاب يحملون في البداية مشروعاً للاستيلاء على السلطة، ولم يقدموا أنفسهم باعتبارهم حزباً بديلاً، بل تحركوا احتجاجاً على الإفلات من المحاسبة وعلى انسداد مؤسسات الدولة. لكن ما بدأ احتجاجاً على حادثة تحول تدريجياً إلى مواجهة مع بنية سياسية كاملة.
وهنا تكمن أولى نقاط قوة التجربة: الحركة لم تبدأ من السياسة الانتخابية، بل وصلت إليها بعد أن راكمت قوة اجتماعية في الشارع.
في الجامعات، لم يكتف الطلاب بالتظاهر. احتلوا الكليات، وأنشأوا مجالس عامة، تتخذ فيها القرارات بصورة جماعية. لم يظهر “زعيم الطلاب”، ولم تُختزل الحركة في شخصية كاريزمية، ولم تُبنَ حول أمين عام أو مكتب سياسي دائم. كانت هناك لجان ومنسقون ومتحدثون، لكن التمثيل ظل مرتبطاً بالحركة وقراراتها.
هذه ليست مجرد تقنية تنظيمية. إنها تعبير عن رفض واضح لمنطق السياسة الذي يجعل الجماهير وقوداً مؤقتاً ثم يعيد القرار إلى أقلية محترفة.
لقد حاول الطلاب أن يقولوا، عملياً، إن الذين ينزلون إلى الشارع قادرون أيضاً على اتخاذ القرار، وإن السياسة ليست اختصاصاً حصرياً للأحزاب والسياسيين.
ومن هنا تتمايز هذه الحركة مع كثير من الحركات الاحتجاجية التي عرفها العالم خلال السنوات الماضية. فالحركة لم تكتف بإنتاج الغضب، بل حاولت إنتاج تنظيم قادر على إدارة الغضب وتحويله إلى قوة.
ثم حدث ما هو أهم: خرجت الحركة من الجامعة. ولم تعد القضية قضية طلابية. انضمت قطاعات اجتماعية مختلفة، وامتلأت الشوارع بالمتظاهرين، وأصبحت المسألة مرتبطة بمؤسسات الدولة وبنمط الحكم وبالفساد وبغياب المحاسبة. وفي مارس 2025 وصلت التعبئة إلى مستوى جماهيري هائل في بلغراد.
هنا أصبحت الحركة أمام سؤال لا يمكن لأي حركة اجتماعية أن تهرب منه إلى الأبد: ماذا بعد الشارع؟
كان بإمكانها أن تبقى حركة احتجاجية، وأن تواصل الضغط من الخارج. لكنها توصلت إلى أن تحقيق مطالبها يمر عبر تغيير قواعد اللعبة السياسية نفسها، فبدأت تطالب بانتخابات مبكرة.
وهذه النقلة مهمة لأنها تكشف كيف يتطور الوعي السياسي داخل الحركة: من رفض لسلوك محدد إلى مساءلة الشروط التي تنتج ذلك السلوك.
لم يعد السؤال فقط: من المسؤول عن كارثة “نوفي ساد”؟ بل أصبح: ما نوع الدولة التي تجعل المحاسبة مستحيلة؟ ومن المسؤول عن إعادة إنتاج هذه الدولة؟
لكنها لم تدخل السياسة بالشكل الذي تعرفه الأحزاب التقليدية. لم تؤسس حزباً بزعيم جديد، ولم تبحث عن شخصية تنوب عن مئات الآلاف الذين خرجوا إلى الشارع. دخلت الانتخابات من خلال “القائمة الطلابية – الطلاب ينتصرون”، وحافظت على جزء أساسي من منطقها التنظيمي السابق.
لقد حاولت، بعبارة أخرى، أن تدخل المؤسسة من دون أن تسمح للمؤسسة بأن تبتلع الحركة.
وهذه ربما أهم نقطة في التجربة كلها.
الأحزاب التقليدية لم تكن صاحبة المبادرة. الحركة جاءت من خارجها، ثم وجدت الأحزاب نفسها مضطرة إلى التعامل معها. بعض قوى المعارضة ساندتها، وبعضها تراجع أمامها، لأن ميزان القوة انتقل مؤقتاً من الأحزاب إلى حركة اجتماعية لم تكن موجودة في الخريطة الحزبية التقليدية.
في السياسة التقليدية، تستدعي الأحزاب الناس إلى الشارع عندما تحتاج إليهم. في التجربة الصربية، حدث العكس تقريباً: الحركة الاجتماعية صنعت قوتها في الشارع ثم فرضت على الأحزاب أن تعيد ترتيب نفسها حولها.
وهذه النقطة بالذات تؤكد على ضرورة التعاطي النقدي. فالحركة الطلابية الصربية ليست حركة يسارية راديكالية. إنها حركة واسعة، تضم اتجاهات سياسية واجتماعية متعددة، وتتقاطع داخلها حساسيات ديمقراطية وليبرالية وبيئية ويسارية وقومية وغيرها. وقد كان اتساعها أحد أسباب قوتها، لكنه قد يصبح أيضاً أحد مصادر هشاشتها عندما تنتقل من مواجهة خصم مشترك إلى إدارة مجتمع تتناقض داخله المصالح.
وهنا يظهر السؤال الذي لا تستطيع أي حركة أن تؤجله إلى الأبد: ماذا يعني تغيير السلطة إذا لم يتغير ميزان القوى الاقتصادي والاجتماعي؟ (محاربة الفساد ضرورية، لكنها لا تكفي.. استقلال القضاء ضروري، لكنه لا يكفي.. نزاهة الانتخابات ضرورية، لكنها لا تكفي.. إصلاح المؤسسات ضروري، لكنه لا يكفي). لأن الدولة ليست مجرد مؤسسات سيئة الإدارة. الدولة أيضاً مجال للصراع بين المصالح الاجتماعية والطبقية. ومن يملك الثروة يملك، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، قدرة أكبر على التأثير في السياسة والإعلام والقرار الاقتصادي.
ولهذا فإن الحركة ستجد نفسها، عاجلاً أم آجلاً، أمام أسئلة لم تكن مضطرة إلى الإجابة عنها وهي في الشارع: من يدفع الضرائب؟ من يتحمل كلفة الأزمة؟ ما مصير العمال والأجور؟ ما موقع القطاع العام؟ ماذا عن الخصخصة؟ من يملك الأرض والشركات والثروة؟ كيف توزع الموارد؟ وما حدود سلطة رأس المال على القرار السياسي؟
هنا تبدأ حدود الديمقراطية السياسية عندما تنفصل عن الديمقراطية الاجتماعية. فقد يكون ممكناً تغيير الحكومة دون تغيير علاقات القوة التي تجعل حكومة جديدة تعمل داخل الحدود نفسها التي رسمتها الحكومة القديمة.
وهنا بالضبط يكمن الخطر الذي يواجه الحركة الطلابية الصربية: أن تتحول من قوة احتجاجية تستند إلى المجتمع إلى قوة مؤسساتية تستهلكها الدولة، وأن يتحول التنظيم الأفقي إلى جهاز انتخابي، وأن تتحول المشاركة الجماعية إلى تفويض دوري لصالح ممثلين جدد.
اكتشاف المزيد من WWW.Eddarb.COM
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
