
راي/ برهان 06-04–2026
ما يجري حول إيران اليوم ليس مواجهةً إقليميةً معزولة، بل تعبير مكثّف عن لحظة انتقال تاريخي يعيشها النظام الدولي في ظل أزمة بنيوية تضرب أسس الهيمنة الإمبريالية الأمريكية، وتفتح طورًا جديدًا من الصراع حول إعادة توزيع موازين القوة داخل النظام الرأسمالي العالمي نفسه. وفي هذا السياق تحديدًا تتحول إيران إلى عقدة استراتيجية مركزية داخل هذا الصراع، لا لأنها قوة كبرى بالمعنى الكلاسيكي، بل لأنها تقع عند تقاطع ثلاثة محاور حاسمة: الصراع على الطاقة، والصراع على المجال الأوراسي، والصراع على إعادة هندسة التوازنات الإقليمية بما يضمن استمرار التفوق الاستراتيجي للكيان الصهيوني باعتباره الركيزة العسكرية المتقدمة للمشروع الإمبريالي في المنطقة.
تكتسب إيران أهميتها أولًا من موقعها الجغرافي الذي يضعها في قلب شبكة الاتصال بين آسيا الوسطى والخليج والقوقاز وشرق المتوسط وشبه القارة الهندية، وهو موقع لا يوفّر لها فقط عمقًا استراتيجيًا واسعًا، بل يمنحها أيضًا قدرة تأثير مباشرة في أحد أهم مفاصل الاقتصاد العالمي المعاصر، أي مسارات الطاقة الدولية. ويزداد هذا الموقع حساسية بسبب إشرافها على مضيق هرمز، أحد أهم الشرايين الحيوية لنقل النفط في العالم، بما يجعل أي مواجهة مفتوحة معها ذات تداعيات تتجاوز المجال الإقليمي لتطال استقرار السوق العالمية نفسها.
غير أن مركزية إيران في الصراع الراهن لا يمكن اختزالها في موقعها الطاقي أو الجغرافي فقط. فالمشكلة بالنسبة إلى الاستراتيجية الإمبريالية ليست في اندماج إيران في الاقتصاد العالمي بحد ذاته، إذ إن هذا الاندماج قائم موضوعيًا، بل في طبيعة الموقع الذي تسعى إلى تثبيته داخل النظام الدولي. فالصراع الدائر حولها هو في جوهره صراع بين نمطين من الاندماج العالمي: نمط اندماج تابع تسعى الولايات المتحدة إلى فرضه عبر العقوبات والحصار والتهديد العسكري بما يضمن إعادة إنتاج هيمنتها الإقليمية ويؤمّن التفوق الاستراتيجي لـإسرائيل، ونمط اندماج تفاوضي تسعى إيران إلى تثبيته عبر تنويع شراكاتها الدولية والانخراط المتدرّج في فضاءات أوراسية صاعدة بالتوازي مع الحفاظ على استقلال قرارها السياسي.
ومنذ الثورة الإيرانية 1979 تحوّل هذا الخيار إلى محدد بنيوي في السياسة الإيرانية، إذ لم تعد المسألة تتعلق برفض الاندماج في النظام العالمي، بل برفض القبول بالموقع الذي يُراد فرضه عليها داخله, ضمن هذا النظام. ولهذا السبب تحديدًا تحوّلت إيران إلى هدف دائم لمحاولات التطويق والعزل والاحتواء، لأن إخضاعها لا يعني فقط تحييد قوة إقليمية صاعدة، بل يعني إعادة ضبط المجال الشرق أوسطي بالكامل بما يسمح بتحويل إسرائيل إلى مركز الهيمنة العسكرية والاقتصادية في المنطقة.
وتزداد أهمية إيران في هذا السياق لأنها نجحت، رغم عقود طويلة من العقوبات والضغوط، في تحويل موقعها الجغرافي إلى قدرة تأثير سياسي واستراتيجي تتجاوز حدودها الوطنية، عبر شبكة تاثير إقليمي تمتد آثارها إلى العراق وسوريا ولبنان وفلسطين، وهو ما جعل أي محاولة لاستهدافها عسكريًا تنطوي على خطر انتقال المواجهة إلى صراع إقليمي متعدد الجبهات يصعب التحكم في مساراته.
كما تتعزز مركزية إيران داخل الصراع الدولي الجاري بسبب موقعها داخل المجال الأوراسي الصاعد بوصفه احد اهم فضاءات اعادة تشكيل التوازنات الجديدة، حيث ترتبط بعلاقات استراتيجية متنامية مع الصين وروسيا، وهو ما يجعل استهدافها جزءًا من محاولة أوسع لإبطاء التحول الجاري نحو نظام دولي متعدد الأقطاب وإعادة تثبيت مركزية الهيمنة الغربية في المجال العالمي.
وبهذا المعنى، لا تعبّر المواجهة الجارية حول إيران عن صراع إقليمي محدود، بل عن إحدى الساحات الكبرى للصراع حول شكل النظام الدولي القادم نفسه: هل يستمر نظام الهيمنة الأحادية الذي فرضته الولايات المتحدة بعد نهاية الحرب الباردة، أم تتسارع عملية الانتقال نحو نظام دولي جديد تتراجع فيه قدرة القوة الواحدة على إعادة تشكيل الأقاليم الاستراتيجية الكبرى وفق مصالحها الخاصة؟
لذلك فإن صمود إيران في مواجهة العدوان الصهيو-أمريكي لا يعبّر فقط عن قدرة دولة على الدفاع عن سيادتها الوطنية، بل يشكّل عنصر توازن استراتيجي داخل المنطقة العربية والإقليم بأسره، لأنه يعطّل مشروع إعادة تشكيل الشرق الأوسط وفق تصورما يسمى “الشرق الأوسط الجديد” القائم على تفكيك الدول الوطنية وإعادة تركيب المجال الإقليمي حول مركزية التفوق الصهيوني. ومن هنا تتحول المعركة حول إيران إلى جزء من معركة أوسع تتجاوز حدودها الوطنية لتصبح معركة على موقع المنطقة العربية نفسها داخل النظام الدولي المتحوّل، وعلى مستقبل التوازنات العالمية في مرحلة تتسارع فيها أزمة الإمبريالية وتتكثّف فيها الصراعات حول إعادة توزيع القوة على المستوى الكوني.
اكتشاف المزيد من WWW.Eddarb.COM
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
