لبنان: اتفاق الاستسلام , تثبيت للمشروع الصهيو-امبريالي وإعادة إنتاج للتبعية العربية..

لا تُقاس هزائم الشعوب بما توقعه حكوماتها، ولا تُختزل إرادة الأمم في قرارات سلطاتها. فكم من سلطة وقّعت وثائق الاستسلام، بينما واصل شعبها المقاومة، وكم من احتلال أعلن انتصاره، قبل أن تطيح به إرادة التاريخ.

لهذا، فإن الاتفاق الذي وقّعته السلطة اللبنانية، تحت الرعاية الأمريكية وفي ظل اختلال عميق في موازين القوى، لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه مجرد تفاهم أمني أو تسوية مؤقتة، بل باعتباره حلقة جديدة في المشروع الإمبريالي الهادف إلى إعادة تشكيل المنطقة على قاعدة تثبيت المشروع الصهيوني وإعادة إنتاج التبعية العربية.

إن ما عجزت عنه الطائرات والصواريخ، تحاول واشنطن إنجازه اليوم بالمفاوضات والضغوطات السياسية   والأمنية. فالإمبريالية، عندما تعجز عن كسر إرادة الشعوب بالقوة المباشرة، تنتقل إلى تفكيك شروط المقاومة من الداخل، عبر إعادة بناء الدولة بما يجعلها عاجزة عن إنتاج أي مشروع وطني مستقل.

لقد أدركت الولايات المتحدة، بعد عقود من الحروب، أن القضاء على المقاومة لا يتحقق فقط باغتيال قادتها أو تدمير بناها العسكرية، بل يحتاج إلى إعادة إنتاج البيئة السياسية التي تتحرك داخلها. ومن هنا يصبح الهدف الحقيقي هو الدولة نفسها، لا باعتبارها أداة للتحرر، بل باعتبارها جهازًا وظيفيًا يضمن أمن الكيان الصهيوني ويضبط المجتمع وفق متطلبات الهيمنة الإمبريالية.

غير أن هذا المشروع لم يولد اليوم.

فالدولة اللبنانية، بصيغتها الطائفية الراهنة، لم تكن يومًا دولة وطنية مكتملة السيادة. لقد نشأت، وتطورت، في إطار توازنات داخلية وإقليمية ودولية جعلت من الطائفية السياسية آلية لإدارة السلطة، لكنها في الوقت نفسه حولتها إلى وسيلة دائمة لإضعاف الإرادة الوطنية وتكريس التبعية.

إن الطائفية ليست مجرد انقسام مذهبي، ولا مجرد خلل دستوري يمكن إصلاحه بتعديل بعض النصوص. إنها، قبل كل شيء، صيغة سياسية لهيمنة طبقية.

ففي ظل النظام الطائفي، لا تتشكل البرجوازية الحاكمة بوصفها طبقة ” وطنية ” تقود مشروعًا للتنمية والتحرر، بل بوصفها تحالفًا من زعامات مالية وسياسية وطائفية، تعيد إنتاج امتيازاتها عبر توزيع الغنائم، واستدعاء الحمايات الخارجية ، وربط الاقتصاد اللبناني بمراكز الرأسمال العالمي.

ولهذا لم تكن الطائفية نقيضًا للتبعية، بل كانت أحد شروطها.

ولم تكن الإمبريالية عدوة للنظام الطائفي، بل كانت من أكبر المستفيدين منه، لأنه يحول الشعب إلى جماعات متنافسة، ويمنع تشكل كتلة وطنية شعبية قادرة على فرض مشروع سيادي ديمقراطي.

ومن هنا أيضًا نفهم لماذا تلتقي مصالح الإمبريالية والصهيونية والرجعية العربية و”البورجوازية الطائفية “اللبنانية عند نقطة واحدة: منع قيام دولة وطنية ديمقراطية مقاومة.

لكن لبنان ليس هذه الطبقة الحاكمة.

لبنان الحقيقي هو ذاك الذي قاوم الاحتلال، واحتضن الحركة الوطنية، وقدم آلاف الشهداء دفاعًا عن الأرض وعن فلسطين وعن استقلال القرار الوطني.

إن تاريخ لبنان لا يُختزل في مؤتمرات السفراء، ولا في بيانات السفارات، ولا في اتفاقات تُوقَّع تحت الضغط.

إنه يُكتب أيضًا في الجنوب الذي كسر أسطورة الجيش الذي لا يُقهر، وفي بيروت التي قاومت الحصار، وفي الجامعات والنقابات والأحياء الشعبية التي أنجبت أجيالًا من المناضلين الوطنيين والتقدميين.

غير أن الوفاء لهذا التاريخ لا يكون بالاكتفاء برفض الاتفاق.

فالتحرر الوطني لا يمكن أن يكتمل داخل دولة طائفية، كما أن إسقاط الطائفية لن يكون مشروعًا تقدميًا إذا انفصل عن مقاومة المشروع الإمبريالي والصهيوني.

لقد أثبتت التجربة العربية أن بعض القوى رفعت شعار مقاومة الإمبريالية لتبرير الاستبداد، بينما رفعت قوى أخرى شعار الديمقراطية لتبرير الارتهان للإمبريالية.

وكلا الخيارين قاد إلى الهزيمة.

إن المشروع التقدمي الحقيقي هو الذي يوحد بين هذه المهام جميعًا: تحرير الأرض، وتحرير الدولة، وتحرير المجتمع.

تحرير الأرض من الاحتلال.

وتحرير الدولة من الطائفية والتبعية.

وتحرير المجتمع من الاستغلال الطبقي ومن كل أشكال الانقسام التي تعيد إنتاج السيطرة الإمبريالية.

إن الاتفاق الأخير قد يكون انتصارًا تكتيكيًا للقوى التي فرضته، لكنه لا يحسم الصراع.

فالتاريخ يعلمنا أن الشعوب لا تُقهر بتوقيع الحكومات، وأن الإمبراطوريات كثيرًا ما تربح المفاوضات في اللحظة التي تكون فيها قد بدأت تخسر المستقبل.

واليوم، أكثر من أي وقت مضى، تبدو مهمة القوى التقدمية في لبنان والوطن العربي واضحة: بناء كتلة تاريخية تربط بين التحرر الوطني والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، لأن أي مشروع يفصل بين هذه المهام الثلاث، لن ينتج إلا شكلًا جديدًا من الهزيمة


اكتشاف المزيد من WWW.Eddarb.COM

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد