أي سلام بعد غزة؟.. نوبل و الإبادة الصهيونية..

راي/ الدرب 10-10-2026 

أيّ سلام وغزة تحت الركام..؟

أيّ عدالة والشعب الفلسطيني يُقتل ويُهجّر ويُجوّع، فيما القوى المحتكرة للحديث باسم “المجتمع الدولي” تواصل حماية الجلاد وتوفير الغطاء السياسي والعسكري له؟

ربما لهذا السبب تحمل جائزة نوبل للسلام هذا العام مفارقة للتوقف.

في العام الماضي، ذهبت الجائزة إلى ماريا كورينا ماتشادو، التي اختارت أن تجعل من ميداليتها رمزاً سياسياً في خدمة دونالد ترامب، قبل أن تسلّمها إليه. وفي هذا العام تذهب الجائزة إلى نفي بيلاي، القاضية الجنوب إفريقية التي ارتبط اسمها بالدفاع عن القانون الدولي وملاحقة مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية، والتي ترأست لجنة التحقيق الأممية بشأن الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وهنا لا تكمن المفارقة في الميدالية، بل في ما تمثله الصورتان.

ماتشادو سلّمت رمز السلام إلى رجل القوة.

أما بيلاي فتصل إلى نوبل وهي تحمل معها ملف غزة، وتقريراً أممياً خلص إلى أن الكيان الصهيوني ارتكب أفعالاً تدخل في تعريف الإبادة الجماعية، وأن سلطات  الكيان وقواته تصرفت بقصد تدمير الفلسطينيين في غزة.

إنها مفارقة تختصر جانباً من الصراع الذي يمزق العالم اليوم: بين من يريد أن يجعل القوة مصدراً للقانون، ومن يتمسك، ولو داخل المؤسسات القائمة، بفكرة أن القوة يجب أن تخضع للقانون.

لكن علينا ألا نخطئ في قراءة المشهد.

نحن لا نحتاج إلى نوبل كي نعرف أن فلسطين قضية عادلة، ولا نحتاج إلى لجنة أممية كي نكتشف حقيقة الاحتلال والاستيطان والتهجير والقتل الجماعي. الفلسطينيون يعرفون ذلك منذ أكثر من سبعة عقود، والشعوب التي وقفت إلى جانب فلسطين تعرفه، وكل من تابع ما جرى في غزة يعرف أن الكلمات الدبلوماسية لم تعد قادرة على إخفاء الجريمة.

ما كشفته غزة ليس فقط وحشية الاحتلال الصهيوني، بل وحشية النظام الدولي الذي يحميه.

لقد رأينا كيف يتحول “القانون الدولي” إلى سلاح ضد الخصوم، وإلى ورقة مهملة عندما يتعلق الأمر بالكيان الصهيوني. رأينا كيف تصبح المحكمة والقانون وحقوق الإنسان مقدسة عندما تكون الضحية مرغوبة سياسياً، وتصبح موضع تشكيك عندما تكون الضحية فلسطينية والجلاد حليفاً استراتيجياً للولايات المتحدة.

لقد رأينا أيضاً كيف تُستخدم كلمة “السلام” لإعادة إنتاج الحرب نفسها. فالسلام بالنسبة إلى الإمبريالية ليس بالضرورة عدالة. قد يكون وقفاً مؤقتاً لإطلاق النار، أو صفقة، أو إعادة ترتيب للمنطقة، أو اتفاقاً يعيد إنتاج ميزان القوى ذاته ويترك جذور الصراع قائمة.

أما السلام الذي تناضل من أجله الشعوب فهو شيء آخر.

السلام يعني أن يتحرر الفلسطيني من الاحتلال.

أن تنتهي منظومة الاستيطان والتمييز والقمع.

أن يحصل الشعب الفلسطيني على حقه في تقرير مصيره.

أن يعود اللاجئون إلى أرضهم.

وأن يتحمل مرتكبو جرائم الحرب والإبادة مسؤوليتهم أمام العدالة.

أي سلام آخر ليس سوى إدارة للصراع وتأجيل للانفجار القادم.

وهنا تصبح غزة اختباراً تاريخياً.

هل نكتفي بإدانة “العنف من الجانبين”؟

هل نضع المحتل والمحتلّ أرضه في كفة واحدة؟

هل نختبئ خلف لغة إنسانية مجردة تتحدث عن “معاناة المدنيين” دون تسمية الاحتلال والاستعمار والاستيطان؟

أم نقول بوضوح إن التضامن مع فلسطين ليس عملاً خيرياً ولا موقفاً أخلاقياً مجرداً، بل هو جزء من الصراع ضد الإمبريالية والصهيونية والاستعمار؟

ولا  يمكن أن تكون الإجابة ملتبسة.

فلسطين ليست قضية خارجية. إنها واحدة من أوضح ساحات الصراع بين الشعوب والإمبريالية.

وما جرى في غزة كشف أن الإمبريالية لا تحتاج دائماً إلى إرسال جيوشها بنفسها. يكفي أن تمنح الاحتلال السلاح والمال والحماية الدبلوماسية، وأن تستخدم نفوذها لمنع العقاب والمساءلة.

ولهذا فإن الولايات المتحدة ليست مراقباً محايداً في هذه الحرب، كما أن أوروبا ليست مجرد وسيط قلق، والغرب ليس كتلة أخلاقية تقف فوق الصراع.

هناك مصالح طبقية واستراتيجية وجيوسياسية. هناك تحالف إمبريالي مع المشروع الصهيوني. وهناك نظام إقليمي كامل أُعيد تشكيله حول حماية الكيان الصهيوني وإعادة دمجه في المنطقة، حتى لو كان الثمن مزيداً من إقصاء الفلسطينيين.

لقد جاءت غزة لتقول إن هذا المشروع لا يستطيع إلغاء الشعب الفلسطيني. وأن المقاومة، مهما حاولت القوى الكبرى تجريمها وتجريدها من سياقها التاريخي، لا يمكن فصلها عن واقع الاحتلال والاستعمار.

ومن هنا فإن جائزة بيلاي لا ينبغي أن تتحول إلى مناسبة لتلميع نوبل أو المؤسسات الدولية. فهذه المؤسسات نفسها جزء من عالم مختل في موازين القوة. لكن الجائزة تمنحنا فرصة لطرح السؤال الذي يجب أن يطرح في وجه كل دعاة “السلام”:

  • السلام لمن؟
  • اذا كان السلام يعني أن يبقى الاحتلال، فهو ليس سلاماً.
  • اذا كان يعني أن يبقى الفلسطيني محاصراً ومهجّراً ومنزوع الحقوق، فهو ليس سلاماً.
  • إذا كان يعني أن يُطلب من الضحية أن تنسى قتلاها كي يطمئن الجلاد، فهو ليس سلاماً.

إنه الاستسلام.

لهذا فإن المسألة ليست أن نختار بين ماتشادو وبيلاي، ولا أن نستبدل ميدالية بأخرى. المسألة أن نرفض تحويل السلام إلى سلعة سياسية في سوق القوى الكبرى..

ماتشادو قدمت ميداليتها إلى ترامب. أما بيلاي فقد جاءت إلى نوبل وهي تحمل معها تقريراً عن غزة.

بين الصورتين يقف سؤال العالم كله: هل يكون القانون في خدمة القوة، أم تكون القوة خاضعة للقانون؟

وهل تكون فلسطين استثناءً دائماً من حقوق الشعوب، أم أن لحظة الحقيقة ستأتي، مهما طال الزمن؟

لقد حاولوا إسكات غزة.. حاولوا تحويل الإبادة إلى أرقام.. حاولوا تحويل الأطفال القتلى إلى أضرار جانبية.. حاولوا تحويل الاحتلال إلى “نزاع”.. وحاولوا تحويل المقاومة إلى “إرهاب” منفصل عن تاريخ الاستعمار.

لكن غزة قلبت المعادلة.. لقد أعادت فلسطين إلى مركز الصراع العالمي، وأسقطت عن النظام الدولي قناع الحياد.

ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست من أجل نوبل. المعركة من أجل أن يصبح السلام نفسه، لا الجائزة، في صف الشعوب

سلام لا يُبنى على جثث الفلسطينيين.. عدالة لا تتوقف عند حدود مصالح الإمبريالية.. قانون لا يستثني الكيان الصهيوني.. وعالم لا تكون فيه حياة الفلسطيني أقل قيمة من حياة أي إنسان آخر.

ذلك هو السلام الذي نريده.

أما سلام الإمبريالية، فليحتفظوا به لأنفسهم.


اكتشاف المزيد من WWW.Eddarb.COM

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليقاً