الانتخابات التشريعية أكتوبر 2019 : مقولة”ضد المنظومة” بين الخطاب الدعائي والنتائج الاحصائية

بقلم ثريا كريشان عضو المكتب السياسي لحزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد

أسدل الستار على مشهد انتخابات 2019 بجينريك تكررت نهايته على مسامعنا وحفظه المتلقي حتى تحول إلى معطى واقعي ارتقى في ذاكرة الرأي العام التونسي إلى مرتبة الحقيقة هذه الجملة السحرية المفتاح التي تكررت في الخطاب الدعائي الانتخابي لجزء هام من المترشحين كما تكررت بين أمواج الأثير وتسابقت وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي وشركات سبر الآراء من اجل تمريرها وترسيخها وتكثيفها في فكرة “ضدّية المنظومة“.

 وفي مقالنا هذا سيقتصر اهتمامنا على وقع وحقيقة هاتين الكلمتين المفتاحين في ما أفرزته الانتخابات التشريعية 2019 من نتائج دون التطرق للرئاسية في دورتيها.

لقد بنى جزء هام من المترشحين للتشريعية حملاتهم الانتخابية على “ضدية المنظومة” مست كل الطيف السياسي معارضة وحكما في الفترة النيابية الممتدة بين 2014 و2019 تحت قصف إعلامي مكثف روج لهذه الضدية وصاحب الانتخابات وتحليل نتائجها. وفي هذا السياق برز خطاب معاد خاصة للتنظم الحزبي كأحد أطر الفعل السياسي.

ولكن المتأمل في نتائج الانتخابات سرعان ما يتفطن إلى زيف هذه الضدية مقارنة بخيارات الناخبين فلا نجد أثرا لها بين عدد الأصوات والمقاعد المصرح بها. عند استقرائنا للوقائع من خلال البيانات الإحصائية لنتائج الانتخابات التشريعية يتبين لنا أنّ القائمات الحزبية الفائزة تحصلت على 83.41% من عدد المقاعد تليها الائتلافية 10.13%   فالمستقلة 6.45% لذلك اتجهت الأصوات لصالح القائمات الحزبية مما يفند فكرة:” أنّ الناخبين فقدوا ثقتهم في الأحزاب السياسية”.فقائمات عيش تونسي المستقلة التي بنت دعايتها السياسية الانتخابية على التخويف من الأحزاب واعتبرتها سببا في الفشل السياسي والاقتصادي الذي وصلت إليه البلاد وسببا في علة المنظومة ككل رافعة الشعار الدعائي “ما تخافش مني مانيش حزب”  لم تتحصل إلا على مقعد واحد وبمجرد الشروع في تشكيل الكتل البرلمانية غادرت صفوف المستقلين في المجلس لتلتحق بكتلة الإصلاح الوطني التي تتكون من أغلبية حزبية تحصلت على12  مقعدا من مجموع 15 مقعدا لهذه الكتلة.

والمتصفح للبيانات الإحصائية يلاحظ أنّ الأحزاب الفائزة ليست بالوافدة الجديدة على البرلمان لقد احتلت كل من حركة النهضة وحزب قلب تونس والتيار الديمقراطي والحزب الدستوري الحر وحركة الشعب وحزب تحيا تونس المراتب الستة الأولى وهي أحزاب وجد أغلبها في الدورة البرلمانية المنقضية سواء بعناوينها السياسية الحالية أو ولدت من رحم أحزاب حاكمة كحزبي قلب تونس وتحيا تونس.

ومتأمل في المشهد الانتخابي الحزبي يلاحظ تشتت الترشحات والأصوات .فقد تعددت الترشحات من نفس العائلات السياسية. وصاحب هذا التشتت حملات إعلامية وانتخابية روجت لفكرة أنّ الناخب سئم تشتت الأحزاب ووجد نفسه حائرا أمام الكم الهائل من قائماتها فجاءت الدعوة إلى تشكيل قائمات ائتلافية وكانت النتيجة أنّ ائتلافين فقط فازا ب22 من المقاعد أسند 21 منها لائتلاف الكرامة. لذلك ولحدود هذه الانتخابات تشكل الأحزاب الإطار العملي الذي يدار من خلاله الفعل السياسي رغم تعدد الأحزاب وكثرة ترشحاتها.

لقد راجت مع صدور النتائج الأولى للانتخابات فكرة أنّ الناخبين عاقبوا أحزاب المنظومة وأساسا الأحزاب التي جربت الحكم ولكن النتائج تبين زيف هذا الادعاء فحركة النهضة رغم تراجع نتائجها مقارنة بانتخابات 2011 و2014 بقيت تحتل المرتبة الأولى من حيث عدد الأصوات والمقاعد المصرح بها لقد تحصلت على 52 مقعدا من جملة217 مقعدا أي 23.96% رغم مشاركتها في الحكم في كل الحكومات المتعاقبة منذ انتخابات المجلس التأسيسي. كما نلاحظ أنّه من جملة القائمات الحزبية الفائزة تحصلت الأحزاب التي جربت الحكم على 170 مقعدا من مجموع 217 أي 78.34% من نسبة المقاعد و93.92% من نسبة المقاعد بالنسبة لكل الأحزاب في المجلس. لقد حاولنا انطلاقا من المعطيات الإحصائية إيجاد علاقة سببية بين خسارة القائمات المترشحة ومعاداة الناخبين للمنظومة   غير أنّ الأرقام تنفي صحة هذه الفرضية التي يروج لها الخطاب الدعائي والتعاطي الإعلامي، إذ نجد أنفسنا أمام ضدية مزعومة، يفندها عدد المقاعد والأصوات المصرح بها.  

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s