المجد للشهداء والعزة لتونس

بمناسبة عيد الشهداء أصدر البريد التونسي طابعين بريديين تخليدا لذكرى شهيدي الوطن شكري بلعيد ومحمد البراهمي

اغتالته يد الارهاب امام منزله يوم 6فيفري 2013

اغتالته يد الارهاب امام منزله يوم 25 جويلية 2013

الافتتاحية

بقلم زياد الاخضر الامين العام لحزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد

 تعود الدرب للصدور بعد طول غياب  في مرحلة يتصاعد فيها الهجوم ضد الثورة و قيم التقدم والديمقراطية من مواقع سياسية متعددة مدعومة بقدرات تضليلية هائلة لأجهزة دعائية رجعية تعمل على طمس الحدود السياسية بين قوى الثورة وقوى الثورة المضادة وبث الأوهام والدفع نحو الاستقطابات المغشوشة أو تجميل النظام القديم واستبداده  كل ذلك على خلفية القبول بالأمر الواقع المفروض من قوى الهيمنة في العالم ،أسلحتها في ذلك لغة عمياء ومصطلحات فاقدة للمعنى تخرب وعي الناس وترذَل السياسة  بعدما عجزت عن تحقيق كل ما وعدت به الشعب . 

إن ما عشناه من هزائم وما نعيشه من تحديات تفرض علينا مهمة التقييم العميق والنقد الجريء لأوضاعنا ونحن مصممون على جعل نشرية الدرب منبرا فكريا وسياسيا مفتوحا لكل الطاقات المنتصرة لإرادة التغيير وفضاء للتفاعل الخلاق من أجل المساهمة في إنتاج معرفة دقيقة بواقعنا تسمح بالإجابة على تحديات المسار الثوري واستحقاقاته بعيدا عن الإسقاطات اللاتاريخية العقيمة. فالثورة بما هي تغيير جذري للواقع تتطلب وعيا ثوريا يحمله القائمون بها صانعي التاريخ الذين يحولونه الى قوة مادية قادرة على خوض المعارك مع الذين يغتالون طموحات الكادحين ويسحقون الحياة ويفقدونها نكهتها وتحقيق الانتصار. فالى العمل أيها الرفاق حتى نضمن اصدار نشرية الدرب والتعريف بها وإثارة النقاش حول مضامينها.

حزبي الشيوعي الحبيب

بقلم حسين مروة

كلمة ألقاها حسين مروة في2 كانون الثاني 1972 بمناسبة المؤتمر الثالث للحزب الشيوعي اللبناني

منذ عشرين عامًا اخترت أن أكون شيوعيًا في صفوفك… 
عمري عشرون عامًا… ولكن ولدت في الزمن عام 1910، ويقول البعض أنني ولدت قبل هذا التاريخ…
الفرق كبير بين عمري أنا، وعمر الزمن الذي إحتواني حتى الآن! الفرق أكثر من أربعين عامًأ.
نرى، هل أصدق ذلك الهاجس “الغريب” الذي يقول لي الآن: 
– أكثر من أربعين عامًا هدرتها من حياتك هدرًا، يا رجل!…
لا، لن أصدقه، هذا الهاجس “الغريب”… وهو غريب فعلاً عن قيامنا الشيوعية… 
لن أصدقه… لأنني شيوعي، أي لأن عمري الذي حييته شيوعيًا قد إمتد طولاً وعرضًا وعمقًا… إمتد في الماضي والحاضر معًا، وأمتد إلى المستقبل: المستقبل كله، القريب القريب والبعيد البعيد إلى غير النهاية… إمتد إلى أربعين عامًا التي سافرت مني في جدب الصحراء، فإذا بها قد عادت لي دون “اغتراب”… فلم تبقى في الجدب الوحش كما كانت قبل أن أكون شيوعيًا… فلم يهدر من حياتي، إذًا، ولا قطرة واحدة…
وصار عمري واحدًا لا يتجزأ، منذ ولدت في زمن عام 1910 حتى هذا الصباح المهيب، صباح مؤتمرك الثالث، يا حزبي الشيوعي الحبيب… كل لحظة من الزمن عبرت بي نهر الحياة حتى هذه اللحظات السعيدة من صباح المؤتمر الثالث – كلها قد أمطرتها حياتي الشيوعية سحابًا أخضر، سخيًّا، بهيًّا كقوس قزح، فإذا بها كلها لحظة واحدة تأبي الانقسام، لحظة واحدة متنوعة الألوان والوجوه والسمات… 
***
حزبيّ العزيز
قلت: منذ عشرين عامًا اخترت أن أكون شيوعيًا… ولكن، قبلها كان “آخرون” قد “اختاروا” لي، تطوعًا منهم، هذا الاسم العظيم… 
شكرًا لأولئك “الآخرين” على كل حال… شكرًا لهم مرتين: 
– مرة، لأنهم أحسنوا لي “الاختيار”… ولأنهم “حدسوا” لي حدسًا نبويًا أنني سأختار أنا لنفسي، باقتناع العقلي، وجداني، وطبقي… 
سأختار أنا لنفسي، بعيدًا تحرصاتهم الحمقاء… يا لحدسهم العبقريّ! 
أفهل كانوا يشهدون الغيب، فيرون أنني لن أختار، ذات حين، أنبل ولا أشرف من إسم “شيوعي”؟…
– ومرّةً ثانية، أشكرهم لأهم وصلوا – من حيث لا يقصدون – بين براءتي النقية قبل أن أكون شيوعيًا، وبين شيوعيتي الأكثر نقاء حين صرت شيوعيًا… وصلوا بينهما هذه المرة لا بالحدث الغيب، بل الحس الطبقي الذي لا يخدع – في الغالب – أهله… لقد أدركوا – بهذا الحس النفّاذ – أنني حين كنت أرفض طريقة تفكيرهم ومنهج سلوكهم ونظام علاقاتهم وتقاليد هذا النظام وهذه العلاقات، كنت أرفض لا عن فوضوية ولا عن نزعة فردية ذاتية، ولا عن رغبة في الرفض للرفض ذاته وحسب… أدركوا هذا، فلم يروا غير منهج الشيوعية منهجًا نيّرًا يهتدي به مثل هذا الرفض النقيّ الثوريّ الذي عرفوه بي حين ذلك، “فاختاروا لي، مشكورين، أسمي “الشيوعي” قبل أن يكون لي شرف الانتساب إلى هذا الاسم العظيم… 
***
حزبي الشيوعي الحبيب.
نحن، هذه اللحظة، في صباح مؤتمرك الثالث… قلوبنا ليست في صدورنا… إنها هنا وهناك تحوم في كل مكان يكون فيه المؤتمر حركة وظلال وأضواء وأنفاس حارة وأقلام تكتب وعقول تفكر وسواعد تدير وتنظم، وصفوف تطلع من قريب ومن بعيد… صفوف تسال وكأنها تجيب، تنتظر وكأنها تحتضن كل الذي تنتظره… هذه الصفوف تعرفك فتعرف أن مؤتمرًا نعقده في هذه الأيام بعد مؤتمرك الثاني التاريخي، وبعد دورة زمنية شهدت فيها وجودك ملء حياة الوطن وملء حياة الشعب، لا بد أن يكون هذه المرة مؤتمرًا من طراز جديد بكر في وطننا اللبناني، مؤتمرًا لا يقدم الوعود بوصفها وعدًا، بل يقدمها منهج عمل وطريق نضال لتحقيق هذه الوعود، ويقدم من كل وعد منها فكرًا يحلل، ورؤية علمية تنفذ إلى جوهر الأشياء عبر الظاهرات، وتاريخًا ينضح بعبق العرق والدم والاستشهاد في ميادين الكفاح الصامد الصابر، طوال نحو نصف قرن من الزمن.
قلوبنا الآن، يا حزبي العزيز، مهرجانات تتوزع فرحًا على كل شبرٍ من أرض الوطن عاش مع ترابه رفيق من رفاقنا المناضلين الأوفياء، أو عانق ترابه شهيد من شهداءنا الأبطال… 
***
حزبي العزيز.
كم أشتهي ان أهديك، في يوم مؤتمرك الثالث، شيئًا عزيزًا يكون أعز شيء في دنياي…
نحن الناس نقول ان الحياة وحدها هي هذا الشيء الأعز… وهنا صحيح، ولكن كيف أهديك هذا “الشيء” الأعز وأكون وليس ملكًا لي…
منذ اخترت أن أكون شيوعيًا، اخترت – بملء إرادتي واقتناعي فكريا ووجدانيًا وطبقيًا – أن تكون أنت الذي تملك حياتي… منذ اللحظة الأولى لهذا الاختيار وهذا الاقتناع نزلت عن حقيّ الفردي بملكية هذه الحياة، حياتي، نهائيًا… ولو أني لم أفعل ذلك، لما بقيّ يستحق أن يكون الأعز، بل لأصبح أتفه الأشياء وأحقر الأشياء…
لو لم أفعل ذلك لكنت احيي الآن لأعيش، لارتزق، وكفى!… لو لم أفعل ذلك لكانت حياتي الآن خشبة منخورة نخرها سوس الخوف والجبن والقلق واليأس والتمزق الروحي والاغتراب…
أهديتك حياتي منذ ذاك… ومن يومها صارت – بالفعل – هي “الشيء” الأعز، الأكرم، والاشرف… فهل، يمكن أن أهديها مرتين؟
دعني – يا حزبي العزيز – أجيب أنا عن هذا السؤال… يهمني جدًا أن أجيب: 
أقول: نعم،يمكن أن أهديك حياتي ذاتها لا مرتين وحسب، بل ألف مرة، بل كل يوم مرة وأكثر…
– كيف يمكن ذلك؟ 
المسالة واضحة عندي وبسيطة بقدر وضوح هذه الكلمات وبساطتها… المسألة هي حياتي لأني وهبتك إياها، طواعية واختيارا واقتناعا، قد عادت لي حياة جديدة لها معنى جديد… لقد وضعتها بيدك، فوجدتها قد تحولت في يدك حياة زاخرة بشرف معناك وروعته ونبالته وشهامته… معناك في مقولات الفكر والعلم ومفهومات العالم والحياة والمجتمع… معناك في القضية الإيديولوجية الطبقية وامتدادها الإنساني وإبعادها الوطنية الأممية مجتمعة متكاملة… معنى الكفاحية الثورية فيك، ومعنى الحرية في مفهومك الثوري… 
من هنا أقول لك، يا حزبي العزيز، ببساطة ووضح أيضًا: بقدر ما أشعر أن حياتي هي فعلا ملك لك، أشعر أن لي منها بالقدر نفسه حياة أغنى من كل غنى، وأشرف كل شرف، وأنبل من كل نبالة… ومن هنا أراني كلما شعرت أنك أكثر امتلاكًا لها شعرا أنني أنا أكثر امتلاكا لها واعتزازا بها…
وهكذا… كلما كانت حياتي لك، كانت لي كذلك بالمستوى ذاته… وهكذا إذن، أستطيع أن أهديك حياتي لا مرتين وحسب، بل ألف مرة، بل كل يوم مرة وأكثر… وهي اليوم، يوم مؤتمرك الثالث، أجدر بأن تكون هدية متواضعة لك من جديد على اسم المؤتمر العظيم… هي اليوم جديرة بهذا الشرف لان أيام المؤتمر كلها قد أغنتها بالحيوية والعافية، بالحب والفرح، بالأمل والتفاؤل، بالرؤية الاجتماعية والسياسة والفكرية الأكثر وضوحًا والأعمق ثورية والازخر طاقةً للكفاح في كل ميدان ينادينا نحن الشيوعيين للكفاح…
حزبي العزيز.
هذه هديتي على اسم مؤتمرنا، وأنك لتقبلها، لأنها منك واليك… وسلمت، والى النصر بعد النصر دائمًا تحت رايتنا ال الظافرة: راية الماركسية- اللينينية، راية الأممية البروليتارية.

ماهر اليماني ترنيمة على إيقاع مسدس

بقلم مروان عبد العال


بعد ان انتهى العرض المسرحي في ساحة المكتب وعلى صراخ المشاهدين وهرج الصبية خلف الجمهور وهدير موج البحر الجاثم وراء خشبة المسرح مباشرة، دخل عرّيف الحفل، يحمل بيده عُلبة، ويتقدم نحو مُكّبر الصوت ليُعلن أنّ الحفل سيختَتَم بمزاد علني، يعود ريعهُ لدعم العمل الفدائي.

وأفاد أن داخل العُلبة هدية ثمينة ترمز لرفيقٍ من الجبهة ومناضل من المخيم وبطل يقبع في الأسر بعد عملية بطولية. وبأسلوب مشَوّق، أخذ المعرّف يعرض طريقة الفوز بها وهي داخل الصندوق، والذي سيقوم بكشفه امام الجمهور هو الفائز نفسه. والرابح من يتمكن من الوصول الى الوقت المحدد، وسيعلن عن انتهاء المزاد، عند التوقف عن المنافسة، بحيث يرسو ‏‏المزاد على آخر منافس يبقى حتى اللحظة الأخيرة ليقوم بعدها بدفع المبلغ  باقتسام الحصيلة مع عدد من المزايدين محقّقين بذلك ‏‏أعلى نسبة تبرع  في منافسة حامية وشيقة.

انطلقت عملية المزايدة على الهدية المجهولة التي في الصندوق، وعشرات يتقدمون لدفع مبالغ مالية، بدأت بمبالغ رمزية صغيرة وانتهت بمبالغ كبيرة وظلت المنافسة بين اثنين احدهم شقيق والدي المرحوم العم أبو فؤاد –  لروحه السلام. يومها كان في اجازة صيفية من سفر طويل في الخارج ولطالما كان ممولاً داعماً للحركة ثم الجبهة، وقد فاز بالحصيلة وما في داخل الصندوق. وعند اخراج الهدية منه، كان التصفيق حاداً من الجمهور، وقد نهض الحشد واقفاً عندما أعلن العريف أن الذي داخل العلبة يكون المسدس الخاص بالفدائي ماهر اليماني.

كان في المخيم الكثير من الأسلحة، بأنواعها معلقة على اكتاف الشباب، لكن صرنا نرجو العم ان نتلمس مسدس ماهر، كان مزهواً به ومعتزاً كأنه حاز على وسام شرف، وكنا نسأل باستغراب: هل صحيح ان هذا المسدس هو الذي اطلق النار على الطائرة ؟ فيجيب: لا صاحب المسدس هو من ألقى قنبلة ولكن المسدس كان هنا في بيته. لذلك قيمة المسدس من مكانة حامله، فهو ليس للزّينة أو للتّمظهُر، قيمتهُ بأن حامله يعرف متى يستخدمه، وكيف والى من يوّجه رصاصهُ، وان يظل على أهبة الاستعداد ودائماً في  الاتجاه الصحيح.

ويوم تحرر صاحب المسدس، قامت الجبهة بدعوة أهل المخيمين البارد والبداوي الى الاستعداد ليوم الاستقبال. نشطت ثُلة من الصبيّة للزينة، توزعت الثلّة الى فرقتين، واحدة لإحضار الزهر من القرية المجاورة للمخيم، امّا الاخرى فذهبت الى ضفاف النهر لجلب اغصان وازهار الدفلى البيضاء والزهرية واقتلاع شجيرات من النعناع البري برفقة بعض النساء الخبيرات في جلب أعواد الحطب وانتقاء ورد الاسيجة من بين اشواكها البلانية.

الناس عند المدخل الجنوبي للمخيم، يحتشدون في ملاقاة العائد ولرفعه فوق الأكتاف، لاحظ سكان المخيم ان الشوارع تضيق بالموكب، والأزقة الضّيقة تفيض بالفرح، وتستعد بلهفةٍ ليوم الغد، وكل البيوت مشرعة النوافذ والأبواب، كأنها تفتح ذراعيها لعودته.

طل كالسبع صاحب المسدس، وهو يتعانق مع رفيقه محمود، فقد نفذّا العملية معاً على طائرة  الرحلة رقم 253 لشركة العال الصهيونية، والتي على اثرها هاجمت فرقة من الكومندوس “الاسرائيلي” مطار بيروت الدولي، ودمّرت ثلاث عشرة طائرة مدنية، ردّاً على العملية التي نفذتها الجبهة، بتبرير أقبح من ذنب، ان ماهر ومحمود من ابناء مخيمات لبنان.
لأول مرة ترى أعيننا ماهر، الفتى الوسيم والنحيف الجسم وبشعره الكثيف سواداً، وبالوجه البشوش يبتسم من عينيه قبل ثغره، ويلوّح بيديه ويوزع قبلات في الهواء، يرد السلامات بصوت كأنه يلهث، كثير الحركة كتلميذ ٍ مدرسةً في حالة شغب، رغم انه حضر وأنتهت مراسيم الاستقبال، ولكنهم ظلوا في حالة البحث عن صاحب المسدس. وفي حالة استقبال  للشخص الذي تخيلوه.

آه.. ألم يأت بعد؟ هذا لسان حال صبية المخيم. ينتظرون الفدائي وعلى موعد مع الشخص الاستثنائي، والفدائي الذي يعني “سوبرمان” يطير بين البلدان ويطارد طائرة في السماء، ربما يختطفها او يتعلق بها ويسقطها. الفدائي هو البطل الذي لا ينام ولا يخاف ولا يموت، المتسامق زهواً وقوة وكرامة وشموخ، كان الفدائي في خيالنا مارداً لا يضاهي جبروته أحد، يقفز من اعلى مكان يسقط ولا ينكسر، تكون فدائياً لو استطعت ان تفعل كذا وكذا.

بقوا في حالة بحث عن الفدائي.. وجدوه في الفتى المضيء من لمعة المسدس، المكلل بالزهور على باب المخيم، تطلقه النساء كزغرودة في ضمة حبق ورائحة النعناع، ظل صداه يتردد في هتافات الأولاد واهزوجة شعبية ينشدها على شُبابته الشاعر الشعبي ابو حسين علي شحادة: (أهلا وسهلا بمحمود وبماهر اليماني.. اهلا وسهلا بالفرساني.. اللي غزو بلاد اليوناني). كما صورته محفورة في المخيّلة كالطابع البريدي الذي ألصقفناه على دفاترنا المدرسية، يوم بادر قسم الإعلام بالجبهة واصدر مجموعة  طوابع بريدية ضمت اربعة وعشرين طابعاً  سنة 1974 تخليدا لمناضليها وكان بينهم ماهر اليماني.

يوم إلتقاه عمي ثانيةً بعد سنوات أعاد المسدس الى من يستحقه، الى قبضة يد صاحبه. كان على يقين ان هذا الفتى سيظل طول حياته في حالة قتال مستمر، قال يومها: أعدت له الأمانة، فربما المسدس سينفعه أكثر مما ينفعني. كان يرى فيه فتى يصعد كوطن لا يطال، كالمسدس المهيأ لحالة الإطلاق، الشخص المُلقم بالرّصاص كما الذكريات، والماهر في دقة الإصابة، وثقافة الرمي الغريزي في حقل الموت.

عندما يحتدم النقاش مع ماهر، وبنبرة العارف ببواطن الأمور ومعرفته بمطبخ القرارات وكيف تؤخذ، يقول واثقاً مبتسماً: ما تنسى انا “ابن الداية”؟ فأجيبه: وغيرك ليس “ابن البطة السوداء”. فيعلق بضحكة ساخرة وينفخ سيجارته. بحركة أفسرها انها تحوي خزين من الخفايا والاسرار والأحداث،  لكنه لا يدّعي احتكارها، وإن كان لم يبح بها قط، تماماً كما احسن وصف نفسه “ابن الداية”، يعني ابن الجبهة الذي يعتبر الحرص والكتمان وإلتزم الصمت الإيجابي كواجب وطني.

يقصد في اصل الحكاية انه مثل الذي يدخل مع والدته التي تـقوم بعملية التوليد للمرأة الحامل، أو يدخل وهي تـقوم بعملها وهو ما لا يتاح لغيره من الأولاد، فأصبح المثل ينسحب عليه ويعتز به. حالات مشابهة بتجاوز ما هو متفق عليه أو موجود كتقاليد متبعة ومعروفة.

لقد أتى أخيراً، مثل ترنيمة على ايقاع مسدس، يعزف الصداقة دون ادعاء والحياة الصاخبة مثل مقطوعة موسيقية جامحة، لا يهادن في الحب والسياسة. إنسان بفوضى مرتبة كلوحة سيريالية، وبوسائل متناقضة ومتنوعة، وترك لنا صداها في كل الامكنة والازمنة، ولمحة هنا وهناك و تصادفه في المخيمات والمدن والعواصم وفي المواقع والمكاتب، كأنه يخط خارطة النضال ويرسم جغرافيا العطاء، في سبيل أن يخلق زمنه الخاص، الأكبر من منصب خاص والأعلى من رتبة خاصة، بل ان يجعل من تفاصيل حياته تندمج في حياة الاخرين، ليحقق زمنه الجماعي وتاريخه النضالي، دون فواصل ورتوش وخصوصيات، يحث الخطى نحو عشقٍ أسطوري، يتعرى في قلبه الخطر حتى الذوبان، مدركاً بعمق يقينه النهائي.

أتى من بعيد يقاتل الواقع، بسلاح الحلم، المحشو بالألقاب والأسماء الهامة،  يتفيأ بظل أكبر حالمين في تاريخ الثورة الفلسطينية، الحكيم والوديع، وقد تربى وشَبّ وكبر في كنف الاشقاء القائد أبو ماهر اليماني والشهيد محمد اليماني وبرهان وأم مازن وابو اياد وظل رفيقاً في حياته للعديد من الشهداء الذين تشارك معهم ذات يوم، المعركة او الطلقة او اللقمة او جلسة صفاء ونكتة ومقلب مضحك وساعة حب و لحظة فرح ومنهم الشهيد والمقاتل والفدائي.

ثم عاد ثانية… الرصاصة لم تستطع  النيل منه لكثرة ما راوغها، إلاّ أن ّ الموت استقوى أخيراً، وبقدر ما كان قوياً مكافحاً في وجه الألم، كان الفراق لئيماً وخبيثاً؛ يقيناً أنه لم يسكت على ضيم رغم أنياب الوجع، فقام  برَدِ الصاع صاعين، عندما  انساب من بيننا وتسلل جسداً الى التراب، ثم ارتفعت روحه لتحلق عائدةً الى حبيبته، التي ظلت تنتظره وراء الغيم، وعلى بعد طلقة وغربة ونكبة، تماماً مثلما انهى “ماركيز” حكاية : “أجمل رجل غريق في العالم ” ويقول مشيرًا إلي الجبلِ الذي ينشر زهورَه الورديةَ نحو الأفق وفي كلّ لغاتِ العالم: “أنظروا إلى هناك حيث هدوء الريحِ وحيث ضوء الشمس. هناك هي قرية إستبان…”
وماهر يرقد هناك حيث ضوء الشمس وحيث “سحماتا” الباقية في الحلم والوطن.

تقديم كتاب :الشعبوية التحولات الجذرية لديمقراطياتنا. للكاتبان : ايلفو ديامانتي و مارك لازار

بقلم فوزي صويد عضو المكتب السياسي لحزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد

اخترنا تقديم هذا الكتاب الصادر في الأصل باللغة الايطالية سنة 2018 نظرا لأهمية الموضوع المتناول و لأهمية الظاهرة الشعبوية التي اكتسحت العالم و اكتست صيغا و أشكالا متنوعة دفعت بالعديد من هذه التنظيمات الى سدة الحكم سواء  في الديمقراطيات الليبرالية او حتى في البلدان النامية مثل دول امريكا الجنوبية و نخص منها بالذكر كما ورد بالكتاب بلدانا مثل البرازيل التي شهدت  صعود اليمين الشعبوي المتطرف و ذات النزعة الفاشتية المتطرفة المعادية للديمقراطية و التنوع العرقي و خصوصا الاشتراكية و احزابها و ممثليها بقيادة بولسونارو المدعوم من الإمبريالية الأمريكية. كما لم يغفل الكاتبان في سياق تحليلهما للظاهرة الشعبوية من التعريج على ما سموه بالظاهرة الشعبوية اليسارية – والتي تختلف جذريا عن الاخرى التي سيقع التوسع في تفصيلها في الكتاب – و ذلك عبر التركيز على فنزويلا و قائدها الراحل هوغو شافيز  الذي مارس الحكم لفترة طويلة و كان مسنودا بقوة من طرف الشعب او من خلال تحربة بوليفيا مع ايفو موراليس. هذه الشعبوية اليسارية ذات التوجهات الاجتماعية و التحررية من سلطة الاستعمار و راس المال سيقع تبنيها و التنظير Ernesto Lacloلها و الدفاع عنها من خلال تنظيرات الكاتب الارجنتيني المتخصص

ارنستو لاكلو و الكاتبة البلجيكية. ( زوجته ) شانتال موف.   

 و لكن هذا موضوعا اخر سنتتطرق إليه لاحقا من خلال تقديم بعض أعمال هذين المفكرين.

كتابنا اذن يدرس الظاهرة الشعبوية و صعودها في اوروبا خصوصا مع التركيز على انتشارها في فرنسا و ايطاليا بلدي المنشأ للكاتبان وهو يحتوي بالأساس على قسم نظري يحللان من خلاله مفاهيم الشعبوية و جذورها التاريخية و السياسية و العوامل التي دفعت بها و بمتبنيها من السياسيين الى الصعود و احتلال مراكز القرار السياسي الاولى في العديد من البلدان الصناعية الكبرى ذلت التقاليد الديمقراطية الليبرالية العريقة و تشكيكها في المؤسسات التمثيلية المنبثقة عنها كالبرلمان و نظم الإقتراع و الاحزاب و كل الأشكال السياسية التقليدية لممارسة السلطة.

يتساءل الكاتبان عن مفهوم الشعبوية عامة  و مفهوم الشعبوية الجديدة و الاشكال المتعددة للشعبويات و  الشعبويين و خصوصا أسباب الانتشار السريع للظاهرة كما يخصصان فصلان كاملان لدراسة ظاهرة الشعبوية و انغراسها و تاثيراتها الكبيرة على الحياة السياسية في كل من فرنسا و ايطاليا. .

.

يستهل الكاتبان مقدمة الكتاب بعرض موجز لبعض المقولات الشائعة لما يعتبرانهما ممثلين بارزين للتيار الشعبوي باوروبا الغربية و الذين يؤكدون اعتزازهم و افتخارهم بالانتماء للتيار الشعبوي الذي يستمدون منه مصداقيتهم و نضالالهم و تبنيهم لمطالب الشعب و  لمصالحه. فهذا جون لوك ميلونشون  زعيم مل يعرف بالتيار اليساري الراديكالي الفرنسي ”  فرنسا المتمردة ” يصرح لمجلة الاكسبريس سنة 2010 « لا اريد البتة الدفاع عن نفسي من تهمة الشعبوية. أنا أكره النخبة. نعم  انا شعبوي و أفتخر. فليذهبوا كلهم للجحيم “

الزعيم الإيطالي لتنظيم ال5 نجوم ذي المنحى الشعبوي اليميني المتطرف يصرح عاليا وبكل ثقة ” إن ال5 نجوم لا ينتمي لليسار ولا لليمين إنما هو إلى جانب المواطنين شعبوي الإنتماء و بكل فخر ” و قد اكتسح هذان التنظيمان الساحة السياسية الإيطالية مستغلين الأزمة الإقتصادية و تفشي البطالة و استفحال مشكلة الهجرة السرية يدغدغون بخطاباتهم مشاعر الهوية لدى الإيطاليين في سعي واضح و مكشوف للهيمنة على المشهد السياسي العام.


و في نفس السياق يضيف منظر التنظيم اليميني 5 نجوم جيانروبرتو كاساليجيو 13   ديسمبر 2013 بمدينة جنوة خلال تظاهرة كبرى ” اريد ان أقول لكم شيئان : اولا انني شعبوي و انا فخور جدا بذلك و فخور بأنني اتحد مع عشرات الألاف من الشعبويين ،اما الشيء الثاني فهو ضرورة عودة السلطة للشعب.” كما يلاحظ الكاتبان انه الى جانب وجود و انتشار الظاهرة الشعبوية اليمينية و التي باتت  تشكل خطرا كبيرا على الديمقراطية فانه يوجد كذلك الشعبوية اليسارية ذات التوجهات الإجتماعية الديمقراطبة التي نظرت لها و مدحتها المفكرة البلجيكية شانتال موفي صديقة تنظييم بوداموس الاسباني Podemos و سيريزا اليوناني. Syriza و فرنسا المنمردة La France insoumise

وفي هذا السياق، وفي مقال هام حول الموضوع للاقتصادي الفرنسي المعروف توماس بيكاتي يصرح هذا الاخير بأن « الشعبوية ليست سوى إحالة غامضة و لكنها مشروعة لما يفهم آنه تهميش للطبقات الشعبية و تعميق للفوارق الطبقية في البلدان المتطورة. لذلك يجب الاعتماد على عناصر الطرح الشعبوي ذات البعد العالمي لتقديم إجابات واضحة لمجمل التحديات المطروحة، لانه و في غياب مثل هذا الطرح الاجتماعي و الإنساني سيتعمق الارتداد المبني على الهويات و تتصاعد المظاهر العنصرية. و لا يمكن تحقيق هذه العناصر الا بالاعتماد على تنظيمات يسارية مثل بوداموس و سيريزا و غلى شخصيات مثل ميلونشون. Mélenchon و و صاندرس الأميركي Sanders »

نلاحظ إذن أن الشعبوية شعبويات متنوعة و مختلفة و كما هناك من يتبنى المنحى الشعبوي اليميني فان هناك أيضأ من يعتبر ان بعض التنظيمات اليسارية المذكورة سابقا هي شعبوية و لكن اطروحاتها مقبولة و يجب دعمها و تطويرها.

الشعبوية و علاقتها بما يسمى «سلطة الشعب”

Populisme et Peuplecratie

يسهب الكاتبان في تعريفهما للشعبوية و يقدمان تعريفات متنوعة تتفق جلها في ان هذه الظاهرة عبارة عن خليط من المثل الرومانسية و القومية والريفية والهووية و الاشتراكية. كما يحاولان وضع الظاهرة في اطارها التاريخي، فهي ليست حديثة بل تعود جذورها الى أواسط القرن التاسع عشر في روسيا حيث كان هناك تيارا سياسيا و فكريا شعبويا قويا كان يعتبر ان الفلاحين الروس (اغلبية الشعب انذاك ) هم روح الامة الروسية و طليعة الثورة ضد الأتوقراطية القيصرية و يقع على عاتقهم النضال من اجل تجقيق الحريةو العدالة. و قد انقسم هذا التيار و افرز جناحا عنيفا أعتمد على العنف و الاغتيالات. كما تحدث عن هؤلاء و باسهاب الروائي الروسي الكبير دوستويفسكي في روايته « المجانين » « Les Possédés» ،اما لينين فقد تصدى لهذا التيار سياسيا و ايديولوجيا مبرزا عدم فهم هؤلاء الشعبويون العميق للتناقضات الحقيقية التي تشق المجتمع الروسي و قوى الثورة الحاملة للتغيير الجذري للمجتمع.

فالشعبوية اذن حسب لازار و ديامانتي تظهر دائما في فترات الخوف و انسداد الأفق و الازمات بصفة عامة خصوصا الإقتصادية والتي تخلف ضرورة ازمات سياسية و اجتماعية يستغلها الشعبويون لتقديم أنفسهم كحل لهذه الازمات.

و من هنا يستغلون هذه الفرصة او هذا الوضع المتازم لتقديم تصوراتهم حول ضرورة انهاء الأشكال التمثيلية القديمة

( برلمانات و احزاب ) و تعويضها بأشكال أخرى أكثر شعبية. فهم يستغلون كل ما هو متاح باسم الشعب و من اجل مصلحته – حسب زعمهم – ليحررونه من سلطة الاشكال البيروقراطية البالية و يعطونه الفرصة ليحكم نفسه بنفسه. فهذا الشعب – حسب تنظيراتهم- هو عبارة عن لحمة واحدة متجانسة يفعل ما يريد و يعرف ماذا يريد و يتصدى لكل النخب التي تريد استعباده و السيطرة عليه باسم الديمقراطية التمثيلية.

ان مثل هذه التصورات لا يمكن ان تقود -حسب الكاتبين – الا الى الاستبداد و العنصرية و اثارة النعرات القومية المعادية للأجانب و لكل أشكال الإختلاف و هو ما نراه في بعض بلدان اوروبا الشرقية مثل بولونيا و المجر و التشيك و حتى في روسيا و الولايات المتحدة الأمريكية مع ترامب. هذه البلدان و نخبها الشعبوية التي اصبحت تنظر لما يعرف باللاليبرالية أي بعبارة أخرى اعتماد الليبرالية الإقتصادية بدون الديمقراطية والحريات. و هو ما ذهبت إليه بالفعل في ضرب كل أشكال حرية التعبير و التنظيم و خنق كل أشكال المعارضة.

.

الانتخابات التشريعية أكتوبر 2019 : مقولة”ضد المنظومة” بين الخطاب الدعائي والنتائج الاحصائية

بقلم ثريا كريشان عضو المكتب السياسي لحزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد

أسدل الستار على مشهد انتخابات 2019 بجينريك تكررت نهايته على مسامعنا وحفظه المتلقي حتى تحول إلى معطى واقعي ارتقى في ذاكرة الرأي العام التونسي إلى مرتبة الحقيقة هذه الجملة السحرية المفتاح التي تكررت في الخطاب الدعائي الانتخابي لجزء هام من المترشحين كما تكررت بين أمواج الأثير وتسابقت وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي وشركات سبر الآراء من اجل تمريرها وترسيخها وتكثيفها في فكرة “ضدّية المنظومة“.

 وفي مقالنا هذا سيقتصر اهتمامنا على وقع وحقيقة هاتين الكلمتين المفتاحين في ما أفرزته الانتخابات التشريعية 2019 من نتائج دون التطرق للرئاسية في دورتيها.

لقد بنى جزء هام من المترشحين للتشريعية حملاتهم الانتخابية على “ضدية المنظومة” مست كل الطيف السياسي معارضة وحكما في الفترة النيابية الممتدة بين 2014 و2019 تحت قصف إعلامي مكثف روج لهذه الضدية وصاحب الانتخابات وتحليل نتائجها. وفي هذا السياق برز خطاب معاد خاصة للتنظم الحزبي كأحد أطر الفعل السياسي.

ولكن المتأمل في نتائج الانتخابات سرعان ما يتفطن إلى زيف هذه الضدية مقارنة بخيارات الناخبين فلا نجد أثرا لها بين عدد الأصوات والمقاعد المصرح بها. عند استقرائنا للوقائع من خلال البيانات الإحصائية لنتائج الانتخابات التشريعية يتبين لنا أنّ القائمات الحزبية الفائزة تحصلت على 83.41% من عدد المقاعد تليها الائتلافية 10.13%   فالمستقلة 6.45% لذلك اتجهت الأصوات لصالح القائمات الحزبية مما يفند فكرة:” أنّ الناخبين فقدوا ثقتهم في الأحزاب السياسية”.فقائمات عيش تونسي المستقلة التي بنت دعايتها السياسية الانتخابية على التخويف من الأحزاب واعتبرتها سببا في الفشل السياسي والاقتصادي الذي وصلت إليه البلاد وسببا في علة المنظومة ككل رافعة الشعار الدعائي “ما تخافش مني مانيش حزب”  لم تتحصل إلا على مقعد واحد وبمجرد الشروع في تشكيل الكتل البرلمانية غادرت صفوف المستقلين في المجلس لتلتحق بكتلة الإصلاح الوطني التي تتكون من أغلبية حزبية تحصلت على12  مقعدا من مجموع 15 مقعدا لهذه الكتلة.

والمتصفح للبيانات الإحصائية يلاحظ أنّ الأحزاب الفائزة ليست بالوافدة الجديدة على البرلمان لقد احتلت كل من حركة النهضة وحزب قلب تونس والتيار الديمقراطي والحزب الدستوري الحر وحركة الشعب وحزب تحيا تونس المراتب الستة الأولى وهي أحزاب وجد أغلبها في الدورة البرلمانية المنقضية سواء بعناوينها السياسية الحالية أو ولدت من رحم أحزاب حاكمة كحزبي قلب تونس وتحيا تونس.

ومتأمل في المشهد الانتخابي الحزبي يلاحظ تشتت الترشحات والأصوات .فقد تعددت الترشحات من نفس العائلات السياسية. وصاحب هذا التشتت حملات إعلامية وانتخابية روجت لفكرة أنّ الناخب سئم تشتت الأحزاب ووجد نفسه حائرا أمام الكم الهائل من قائماتها فجاءت الدعوة إلى تشكيل قائمات ائتلافية وكانت النتيجة أنّ ائتلافين فقط فازا ب22 من المقاعد أسند 21 منها لائتلاف الكرامة. لذلك ولحدود هذه الانتخابات تشكل الأحزاب الإطار العملي الذي يدار من خلاله الفعل السياسي رغم تعدد الأحزاب وكثرة ترشحاتها.

لقد راجت مع صدور النتائج الأولى للانتخابات فكرة أنّ الناخبين عاقبوا أحزاب المنظومة وأساسا الأحزاب التي جربت الحكم ولكن النتائج تبين زيف هذا الادعاء فحركة النهضة رغم تراجع نتائجها مقارنة بانتخابات 2011 و2014 بقيت تحتل المرتبة الأولى من حيث عدد الأصوات والمقاعد المصرح بها لقد تحصلت على 52 مقعدا من جملة217 مقعدا أي 23.96% رغم مشاركتها في الحكم في كل الحكومات المتعاقبة منذ انتخابات المجلس التأسيسي. كما نلاحظ أنّه من جملة القائمات الحزبية الفائزة تحصلت الأحزاب التي جربت الحكم على 170 مقعدا من مجموع 217 أي 78.34% من نسبة المقاعد و93.92% من نسبة المقاعد بالنسبة لكل الأحزاب في المجلس. لقد حاولنا انطلاقا من المعطيات الإحصائية إيجاد علاقة سببية بين خسارة القائمات المترشحة ومعاداة الناخبين للمنظومة   غير أنّ الأرقام تنفي صحة هذه الفرضية التي يروج لها الخطاب الدعائي والتعاطي الإعلامي، إذ نجد أنفسنا أمام ضدية مزعومة، يفندها عدد المقاعد والأصوات المصرح بها.  

هوامش على دفتر النكسة من وحي انتخابات 2019 بتونس

          ***

                                                   أنعي لكم، يا أصدقائي.. اللغةَ القديمة

                                                              والكتبَ القديمه

                                                               أنعي لكم..

                                                  كلامَنا المثقوبَ، كالأحذيةِ القديمة..

                                                 ومفرداتِ العهرِ، والهجاءِ، والشتيمة

                                                       أنعي لكم.. أنعي لكم

                                                نهايةَ الفكرِ الذي قادَ إلى الهزيمة

بقلم الدكتورعبد السلام البغوري

استهل الشاعر السوري نزار قباني قصيدته ” هوامش على دفتر النكسة” بهذه الابيات الموجعة والتي تقطر حزنا وغضبا على هزيمة الجيوش المصرية والسورية في حرب 1967 بعد ان فاقت الاوهام كل حدود متغنية بالنصر و” كنس العدو” في ظل دولة  الوحدة العربية السعيدة …الا ان واقع الحال في ذاك الزمن قد افرز عكس ذلك بعد ان كان ينبئ بذلك مرارا ومرارا…

ولئن تبدو المقارنة بين الحدثين اي هزيمة 1967 وهزيمة قوى اليسار التونسي في انتخابات 2019 مجانبة للصواب كما ان مقدمة القصيدة تبالغ في السوداوية والتشاؤم فان بعض المؤشرات توحي بوجود خيط رابط بين الهزيمتين واهم هذه المؤشرات هي الوقع المدوي للهزيمة  وردود الفعل المتباينة من ناحية  والسعي للبحث عن مخارج او بدائل تنير السبيل في ظل تكلس المنظومات القديمة للتفكير والتسيير.

I– 2014: الانتصار الجزئي والفرص المهدورة

على إثر النتائج الهزيلة التي تحصل عليها اليسار في الانتخابات الرئاسية والتشريعية لسنة 2019 وتصدر احزاب وتكتلات يمينية للمشهد السياسي وحصولها على حصص هامة في المجلس النيابي رجعنا الى المربع الاول مربع انتخابات 2011 لما مني اليسار بهزيمة قاسية. فما الذي حدث….

 بعد النتائج المخيبة للآمال لقوى اليسار التونسي في انتخابات 2011 بفعل عدة اسباب لا يسع المجال هنا للاستفاضة في ذكرها وتحليلها …كان من بينها حالة التشتت والضعف التي طبعت سلوك مكونات التشكيلات اليسارية خاصة بعد الفشل السريع ” لجبهة 14 جانفي” …  عاد ” الابناء الضالون” الى رشدهم وسارع البعض منهم  الى  ترميم هياكله وتجديدها ثم الانطلاق الجاد في تكوين هيكل جديد يجمع طيفا هاما من اليسار الماركسي والقومي في ” الجبهة الشعبية”. كانت الانطلاقة واعدة فخف منسوب التشاؤم والتنابز بالألقاب والعداوات الوهمية غالبا وعم التفاؤل بمستقبل افضل لليسار المكافح ولبرامجه الطموحة من اجل غد افضل لعموم التونسيين. كان لهذا التسونامي  صدى  ايجابي كنا  نراه في عيون الرفاق والاصدقاء ونسمع بعضا منه في تعاليق المنافسين. وسرعان ما بدأت الجبهة ” تنتشر في الارض وتخط طريقها لتصبح حالة شعبية يقرا لها الف حساب من طرف الخصوم السياسيين والاعداء المعلنين لكل مشروع وطني ديمقراطي….

الا ان الاغتيال الجبان  للشهيدين  شكري بلعيد ومحمد البراهمي  قد خلط كل الاوراق بما ان قادة الجبهة الشعبية اضافة الى كونهم لم يستطيعوا استغلال هذين الحدثين لقلب موازين القوى لصالح قوى الثورة  قد وجدوا انفسهم منساقين للتحالف في جبهة الانقاذ مع حزب نداء تونس الذي يمثل احد اوجه المنظومة القديمة وذلك بهدف التخلص من حكم النهضة المتهمة برعايتها للقوى الارهابية والتحريض على الاعتداء على الشهيد شكري بلعيد…

ورغم انفراط عقد هذا التحالف الظرفي بفعل اختلاف التوجهات والنوايا والهدنة المعلنة بين شيخ النهضة وشيخ نداء تونس …فقد تواصل الشد والجذب والاستقطاب  بين قطبي النهضة وحلفاؤها من ناحية وحزب  “نداء تونس” وحلفائه من ناحية اخرى اضافة الى  الجبهة الشعبية التي اصبحت منارة يهتدي بها ويأمل في الخلاص بواسطتها  طيف واسع من التقدميين …..

وعموما  فقد كانت الرياح تهب في صالح مراكب  الجبهة الشعبية  في هذا السياق الداعم للتخلص من رجوع النهضة الى سدة الحكم وحيازتها للأغلبية فترك لليسار والجبهة الشعبية منفذ هام للتقدم خاصة وان الرصيد النضالي  والتعاطف الشعبي لم ينضبا بعد. كما ان بعض الشخصيات الفاعلة عبرت عن امنيتها ان تحوز الجبهة الشعبية على عدد لا يستهان به من المقاعد البرلمانية لتمثل حليفا لها لتكوين اغلبية برلمانية تحكم البلاد . ولكن ليس اكثر.

اضافة الى ذلك فان بعض الصحف التونسية واخص بالذكر – فيما اذكر-صحيفة يومية ذات انتشار واسع اعتادت  منذ اواسط الثمانينات من القرن الماضي ان ” تميل حيث تميل النعماء” وتكيل المديح لولي نعمتها الوزير الاول محمد مزالي اثناء صراعه المرير مع شق من الحزب الحاكم وقتئذ. كانت هذه الصحيفة تتكرم من حين لآخر بمقال وتحاليل غير عدائية تجاه الجبهة الشعبية.

الا ان الجبهة الشعبية  رغم هذا السياق الايجابي ورغم حفاضها على تماسكها النسبي لم تستغل الفرصة كما ينبغي وحصدت 15 نائبا وهو عدد  اقل ما كان منتظرا منها وذلك بفعل تنامي العقلية السكتارية والتشبث بالمحاصصة الحزبية التي حالت دون الانفتاح على شخصيات تقدمية مستقلة فاعلة واصرار البعض على فرض بعض الوجوه الحزبية العديمة الاشعاع والتأثير في محيطها المحلي والجهوي وحتى القطاعي.

وعوض تعزيز هذا الانتصار الجزئي  بإجراءات شجاعة تعزز البناء التنظيمي للجبهة وتفعل هياكله لتنتشر في الارض- كما كان مقررا لها – وتصنع حاضنة شعبية لمشروعها حتى تجدها سندا سواء خلال الانتخابات او عند اي هبة شعبية….عادت الحسابات الحزبية الضيقة الى السطح فقبر مشروع الحزب اليساري مباشرة بعد ندوة نظمت للغرض[1] وتعطلت “مؤسسات ” الجبهة و”هياكلها” عن العمل قبل ان ترى النور فعليا…وحين اصبح من العسير ثم من المستحيل عقد “ندوة وطنية” للجبهة والاتفاق على صيغ جديدة للتسيير واستحالة الاتفاق على مرشح للانتخابات الرئاسية…الخ…انفرط العقد  وتنازع الخصوم على اليافطة ثم تقدموا الى الانتخابات التشريعية متفرقين….فحلت الكارثة ولم  تثمر الشجرة المهملة  الا تفاحة واحدة لا غير….

الا ان ذلك لا يمكن ان يحجب العمل الهام الذي قامت به كتلة الجبهة الشعبية بالبرلمان فقد حاولت بكل الوسائل المتاحة ادراج قوانين تنتصر للحريات وتدافع عن الخيارات الوطنية والشعبية كما لم تتوان لحظة في تعطيل او الحد من فرض قوانين مالية جائرة تخدم مصالح المتنفذين واصحاب رؤوس الاموال المتهربين….

فاين يكمن الداء…هل في شكل الهيكلة….في الذوات القائدة….في الاطروحات ام ماذا…. اسالة حارقة على الجميع ان ينكب علي الاجابة عنها دون تعالي او سلك سياسة النعامة .

في الحقيقة فان ازمة الجبهة الشعبية تكمن ايضا وربما خاصة في ازمة الاحزاب المكونة لها. فإضافة الى ان  العديد من ” المستقلين'” قد هجروا  صفوف الجبهة فان اهم الاحزاب المكونة لها كانت ومازالت تشكو من عدة هنات على المستوى التنظيمي والفكري  وانهكتها الصراعات الداخلية هذا دون اعتبار ان بقية الاحزاب المكونة للجبهة لا اثر في الحقيقة على وجود لها على ارض الواقع….

اضافة الى ذلك فان تعنت بعض ” القيادات” ومكابرتهم واصرارهم على وضع الجبهة تحت مضلة عباءتهم الحزبية بشتى الوسائل المعلنة والخفية ضاربين بعرض الحائط اسس العمل الجبهوي القائم على التشاور الدائم عند اتخاذ القرارات والتداول على ادارة المؤسسات. وبالمقابل فان تردد البعض الاخر في حسم المسائل التنظيمية  وعدم وضوح رؤياه قد اثر بدوره على سلوك الجبهة وعلى المسار الذي الت اليه .

افضى هذا التشتت والمكابرة والفشل  الى فسح المجال  لأطروحات اخرى كي ترى النور وتتصدر لا فقط ساحة النقاش بل ساحة الفعل بما ان انصارها قد وجدوا في المرشح للرئاسية قيس سعيد ضالتهم ليصيغوا تحالفات وتكتيكات اتت اكلها بفعل عدة ظروف ومستجدات .

IIالبناء من فوق او من تحت

نفضت الانتخابات الرئاسية لسنة 2019 بتونس  الغبار عن نقاش قديم داخل اوساط اليسار بين دعاة المركزية التي تصر على تشكيل النسيج الاجتماعي والسياسي والحزبي من اعلى السلطة الى اسفله مرورا بحلقات وسيطة وبين دعاة تشكيل هذا النسيج من الاسفل الى اعلى الهرم…من المحلي الى المركزي.

وقد ظهر ذاك الخلاف على السطح خاصة بعد انتفاضة  11-10-2010/ 14-01-2011 التى افضت الى الهروب المفاجئ لبن علي وتصدع البناء التنظيمي والفوقي لجهاز الحكم فتفتحت القرائح وتعددت المبادرات السياسية. وعلى سبيل المثال لا الحصر فلئن بادر الشهيد شكري بلعيد – على عجل- بتأسيس ” حركة الوطنيين الديمقراطيين” التي ضمت كوادر ومناضلين ممن ينتسبون الى تجارب وحلقات تنتمي الى التيار الوطني الديمقراطي واعتمدت على هيكلة مركزية مرنة نسبيا بما انها اعطت هامشا من الصلوحيات  والمبادرة للرابطات الجهوية. (انظر النظام الداخلي لكل من “حركة الوطنيين الديمقراطيين ” و ” حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد”) …..فان “حزب العمال ” الشيوعي وقتئذ والذي يعود تأسيسه الى اواسط الثمانينات من القرن الماضي كان ومازال يعتمد على مركزية مفرطة راس حربتها ” هيئة الاركان” كما يطلق عليها قادتهم والتي  لا تترك الا هامشا ضئيلا من  للجان الجهوية والمحلية.

في هذا الخضم من الحراك والمبادرات طلع علينا رضا المكي الملقب ب” لينين” منذ ان كان احد ابرز قادة الحركة الطلابية اواخر السبعينات وبداية الثمانينات من القرن الماضي…طلع علينا بعد غياب وصمت دام اكثر من عشريتين  بمشروع مغاير باسم مجموعة اطلق عليها اسم ” قوى تونس الحرة” تطرح عموما تغيير نمط الحكم وهيكلته من ” الاسفل” الى “الاعلى” والانتخاب على الافراد لا على القوائم …وهي من اهم النقاط التي تقاطع معها المرشح للانتخابات الرئاسية والرئيس الحالي قيس سعيد وذلك في اطار مشروع فكري وسياسي ينهل من  الاطروحات المجالسية ويتقاطع مع  مفهوم ” الكتلة التاريخية” الذي ابتدعه المفكر والمناضل  الايطالي الماركسي انطونيو غرامشي ( انظر نص: هل تمثل فكرة – الكتلة التاريخية – مخرجا لتعطل الثورة التونسية؟ لرضا شهاب المكي بموقع الحوار المتمدن).

والحقيقة فان هذه الاطروحات التي تحاول ان تقدم  ”  مشروعا وطنيا جامعا” [2] يمساهم  في     إيجاد ” مخرج لتعطل الثورة التونسية” المعطلة حقا..وان كان يقع توصيف ارضيته الاجتماعية و ” الطبقية بعبارات عامة وفضفاضة احيانا فانه لا يختلف كثيرا عن مشروع الجمهورية الديمقراطية الاجتماعية كما حدد معالمه الشهيد شكري بلعيد في نض يعود تاريخه الى 2001 ووقع تفصيله في وثائق حركة الوطد وحزب الوطد الموحد كما تم تضمين اهم محاوره في الارضية السياسية للجبهة الشعبية.

 الا ان هذا المشروع – مشروع الكتلة التاريخية”-  ورغم  اغراءاته ” التشاركية”  و”المجالسية  ” الرامية الى  دك اسفين في صرح  هيكلة ” المركزية الديمقراطية”  التي سرعان ما  تتحول  – وللأسف- الى مركزية بيروقراطية قاتلة ومدمرة  يطرح عدة اشكالات ومطبات في نسخته التونسية اهمها:

– القطع مع الخلافات والصراعات الأيدولوجية بين اليمين واليسار بعنوان التغيرات الحاصلة على مستوى دولي.[3]

– توصيف التمايزات الاجتماعية والصراعات الطبقية بمفاهيم هلامية على شاكلة ” الكلي- الجزئي- الاكثر ضعفا والاقل…الخ…( راجع النص المشار اليه سابقا)…وعموما فهي تؤسس لمرحلة جديدة لا وجود فيها لليسار بمفهومه التقليدي الذي ولى زمنه وانتهى حسب زعم صاحب النص.

– تحميل المسؤولية للجميع وبنفس القدر يثير عدة تساؤلات عن الخلفية السياسية لهذا المشروع…اذ كيف يساوي بين من انصار المنظومة القديمة  ودعاة التكفير والسحل والمشاريع القروسطية التي ارغمت عن التنازل قسرا عن عزمها كتابة دستور على قياسها مع من كافحوا بكل جهدهم وتنظمهم وعفويتهم وصعفهم ضد هذه المجاميع  فدفعوا شهداء اغتيلوا غدرا في واضحة النهار[4]  ولم يكلف السيد رضا نفسه مجرد الاشارة الى ذلك حرصا على ان يجد مشروعه الكتلوي التاريخي رضى الجميع.

III– في موت اليسار او ضرورة تجديده

ان يتمنى طيف من السياسيين سواء من المنافسين او من الاعداء ” موت اليسار” واندثاره

فذاك امر عادي بل انه جزء لا يتجزأ من مخطط الشيطنة للقوى الحقيقية للثورة لتسهل علىهم اقتسام الكعكة والمضي قدما في نهب خيرات البلاد وتفقيرها بمباركة من القوى الاقليمية والدولية الحليفة . ولكن ان يصل الحد ببعض ” الاخباريين” chroniqueurs إلى ان يلتحقوا بهذه الجوقة الحاقدة والبغيضة في تبخيس اليسار والتشهير به ضاربين عرض الحائط بالحد الادنى من اخلاقيات المهنة الصحفية فذاك ما يدعو الى التساؤل حول مدى احقية الشك في نظرية المؤامرة.

وفي ذات السياق شمر بعض ادعياء ” الطهورية” و ” النقاوة” على سواعدهم وامسكوا بسياطهم لجلد ” اليسار” والعمل على التعجيل بدفنه والحال ان اغلبهم لم يكلفوا انفسهم عناء البحث والعمل اما على الانخراط في المشاريع القائمة والعمل على تطويرها او ابتداع طرق واساليب جديدة للعمل والتنظيم علهم يساهمون في انارة السبيل.

فما الذي يريد هؤلاء ؟ان يعدل اليسار اوتاره على المنظومة النيوليبرالية ويتخلى بالتالي عن شرط وجوده السياسي والاجتماعي ؟ ام ان يغير عناوينه ويشطب ” المعجم الطبقي” الذي ينير سبيله ليتبنى معجم ” نهاية  الإيديولوجيا” الذي تنكر له اخيرا  فكوياما ؟.

فهل نسي هؤلاء ان الصراع الطبقي هو معطى موضوعي لم يكتشفه اليسار ولا حتى ماركس.

بعيدا عن النكسة:  الممكن والافاق

حين تقرا الكتب” القديمة” ذات المضامين التقدمية والثورية في غير سياقها التاريخي ( السياسي –الاجتماعي-الثقافي والأنثروبولوجي عموما) وعدم تنزيلها في سياقنا التاريخي المعقد بفعل التخلف و”التسلط الشرقي” تتكلس هذه المضامين وتفقد بريقها وتصبح غير ذات جدوى.

حين نتشبث بأشكال تنظيمية  فرضتها سياقات تاريخية وحضارية مختلفة واثبتت بما لا يدع مجالا للشك حدود افاقها ومساهمتها – بالتفاعل مع عوامل اخرى طبعا- في اعادة انتاج انظمة اجتماعية بالية ومدمرة  سيتواصل الدوران في حلقة مفرغة ولن تتراءى اي نقطة ضوء في اخر الافق.

 حين تسطو ” قيادات” الاحزاب الثورية و” دستة الاذكياء” على الذكاء الجماعي وتهمشه ثم تقصيه بعنوان ” المصلحة العامة” والحفاظ على التراتبية الحزبية تحول  ” القائد” الى سيد بيده الملك يفعل ما يشاء هو صاحب الحل والعقد في كل التفاصيل المملة وهو على كل شيء قدير.

حينها تذبل زهرات الحديقة ويغرد فيها البوم.

ولكن حين تصبح الاحزاب او الجبهات القائمة او المنتظرة -لا يهم- فضاءات للإبداع والحرية تزهر فيها الافكار والمبدرات الخلاقة. فضاءات يكون فيها البناء الافقي فاعلا ومحددا للتوجهات والمسارات في حين يكون البناء المركزي – الجماعي- collégial منسقا ومتفاعلا  interactif حين يصبح الفعل السياسي  l’acte politique الاستراتيجي والتكتيكي    حلقة من حلقات سلسلة   يتساوى فيها الفعل الاجتماعي والنقابي والثقافي لبناء حاضنة اجتماعية عميقة تفتح مجالا اوسع للهيمنة الثقافية والفكرية التي تعوزنا الى ابعد الحدود.

حينها فقط يمكن ان نفكر في الانتصارات .

وحينها ايضا يمكن ان يكون لعنوان قصيدة نزار قباني ” هوامش على دفتر النكسة” – الذي استعرته لعنونة هذا المقال – معنى مجازي.


[1] الندوة كان عنوانها: “وحدة اليسار مهمة للإنجاز” نظمها حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد بمناسبة احياء الذكرى الثالثة لاغتيال الشهيد شكري بلعيد وكان لي شرف المساهمة في الاعداد لها وتقديم مداخلة.

[2] يحتاج المشروع المجتمعي والسياسي الجامع لأوسع طيف وطني الى تشخيص دقيق للمصالح المتنافرة والمتكاملة داخل الفئات الاجتماعية الأكثر تضررا وداخل الفئات الأقل تضررا من المنظومة السياسية والاجتماعية القديمة حتى يقدر على تسكينها في مشروع وطني شامل وجامع             

[3] . لم يعد، تبعا لذلك، مشروع الانتقال الثوري (بالمعنى التاريخي) الى مجتمع ودولة جديدتين في حاجة الى جدل الهوية، والى جدل اليمين واليسار، والى جدل الحزب الطليعي والحزب الانتخابي، والى جدل الحكم والمعارضة؛ اذ لم يعد يعكس كل جدل من هذه الجدالات الا مصالح ذاتية متقوقعة لا تقدر على الدفع الى مجتمع جديد ودولة جديدة بعدما بدأ يتأكد تآكل المجتمع القديم ودولته القديمة واتجاههما الى الانهيار وبعد ما بدآ يفقدان شروط استمرارهما التاريخي.

[4] تأسست مختلف التكتلات طوال السنوات الأربع الماضية على شعارات لم ترتق ولا يمكن لها ان ترتقي الى مصاف الانتقالات النوعية المجتمعية منها والسياسية والثقافية؛ فهي تشترك في “التخاصم” حول “الهوية” في المجتمع و”الهوية” في الدولة وهي شعارات لا نجد لها صدى في التشكل الاجتماعي الحقيقي لدى الطبقة الاجتماعية السائدة او لدى الطبقات التي تدور في فلكها والتي تتمصلح معها وترتقي اجتماعيا بفضلها