ماهر اليماني ترنيمة على إيقاع مسدس

بقلم مروان عبد العال


بعد ان انتهى العرض المسرحي في ساحة المكتب وعلى صراخ المشاهدين وهرج الصبية خلف الجمهور وهدير موج البحر الجاثم وراء خشبة المسرح مباشرة، دخل عرّيف الحفل، يحمل بيده عُلبة، ويتقدم نحو مُكّبر الصوت ليُعلن أنّ الحفل سيختَتَم بمزاد علني، يعود ريعهُ لدعم العمل الفدائي.

وأفاد أن داخل العُلبة هدية ثمينة ترمز لرفيقٍ من الجبهة ومناضل من المخيم وبطل يقبع في الأسر بعد عملية بطولية. وبأسلوب مشَوّق، أخذ المعرّف يعرض طريقة الفوز بها وهي داخل الصندوق، والذي سيقوم بكشفه امام الجمهور هو الفائز نفسه. والرابح من يتمكن من الوصول الى الوقت المحدد، وسيعلن عن انتهاء المزاد، عند التوقف عن المنافسة، بحيث يرسو ‏‏المزاد على آخر منافس يبقى حتى اللحظة الأخيرة ليقوم بعدها بدفع المبلغ  باقتسام الحصيلة مع عدد من المزايدين محقّقين بذلك ‏‏أعلى نسبة تبرع  في منافسة حامية وشيقة.

انطلقت عملية المزايدة على الهدية المجهولة التي في الصندوق، وعشرات يتقدمون لدفع مبالغ مالية، بدأت بمبالغ رمزية صغيرة وانتهت بمبالغ كبيرة وظلت المنافسة بين اثنين احدهم شقيق والدي المرحوم العم أبو فؤاد –  لروحه السلام. يومها كان في اجازة صيفية من سفر طويل في الخارج ولطالما كان ممولاً داعماً للحركة ثم الجبهة، وقد فاز بالحصيلة وما في داخل الصندوق. وعند اخراج الهدية منه، كان التصفيق حاداً من الجمهور، وقد نهض الحشد واقفاً عندما أعلن العريف أن الذي داخل العلبة يكون المسدس الخاص بالفدائي ماهر اليماني.

كان في المخيم الكثير من الأسلحة، بأنواعها معلقة على اكتاف الشباب، لكن صرنا نرجو العم ان نتلمس مسدس ماهر، كان مزهواً به ومعتزاً كأنه حاز على وسام شرف، وكنا نسأل باستغراب: هل صحيح ان هذا المسدس هو الذي اطلق النار على الطائرة ؟ فيجيب: لا صاحب المسدس هو من ألقى قنبلة ولكن المسدس كان هنا في بيته. لذلك قيمة المسدس من مكانة حامله، فهو ليس للزّينة أو للتّمظهُر، قيمتهُ بأن حامله يعرف متى يستخدمه، وكيف والى من يوّجه رصاصهُ، وان يظل على أهبة الاستعداد ودائماً في  الاتجاه الصحيح.

ويوم تحرر صاحب المسدس، قامت الجبهة بدعوة أهل المخيمين البارد والبداوي الى الاستعداد ليوم الاستقبال. نشطت ثُلة من الصبيّة للزينة، توزعت الثلّة الى فرقتين، واحدة لإحضار الزهر من القرية المجاورة للمخيم، امّا الاخرى فذهبت الى ضفاف النهر لجلب اغصان وازهار الدفلى البيضاء والزهرية واقتلاع شجيرات من النعناع البري برفقة بعض النساء الخبيرات في جلب أعواد الحطب وانتقاء ورد الاسيجة من بين اشواكها البلانية.

الناس عند المدخل الجنوبي للمخيم، يحتشدون في ملاقاة العائد ولرفعه فوق الأكتاف، لاحظ سكان المخيم ان الشوارع تضيق بالموكب، والأزقة الضّيقة تفيض بالفرح، وتستعد بلهفةٍ ليوم الغد، وكل البيوت مشرعة النوافذ والأبواب، كأنها تفتح ذراعيها لعودته.

طل كالسبع صاحب المسدس، وهو يتعانق مع رفيقه محمود، فقد نفذّا العملية معاً على طائرة  الرحلة رقم 253 لشركة العال الصهيونية، والتي على اثرها هاجمت فرقة من الكومندوس “الاسرائيلي” مطار بيروت الدولي، ودمّرت ثلاث عشرة طائرة مدنية، ردّاً على العملية التي نفذتها الجبهة، بتبرير أقبح من ذنب، ان ماهر ومحمود من ابناء مخيمات لبنان.
لأول مرة ترى أعيننا ماهر، الفتى الوسيم والنحيف الجسم وبشعره الكثيف سواداً، وبالوجه البشوش يبتسم من عينيه قبل ثغره، ويلوّح بيديه ويوزع قبلات في الهواء، يرد السلامات بصوت كأنه يلهث، كثير الحركة كتلميذ ٍ مدرسةً في حالة شغب، رغم انه حضر وأنتهت مراسيم الاستقبال، ولكنهم ظلوا في حالة البحث عن صاحب المسدس. وفي حالة استقبال  للشخص الذي تخيلوه.

آه.. ألم يأت بعد؟ هذا لسان حال صبية المخيم. ينتظرون الفدائي وعلى موعد مع الشخص الاستثنائي، والفدائي الذي يعني “سوبرمان” يطير بين البلدان ويطارد طائرة في السماء، ربما يختطفها او يتعلق بها ويسقطها. الفدائي هو البطل الذي لا ينام ولا يخاف ولا يموت، المتسامق زهواً وقوة وكرامة وشموخ، كان الفدائي في خيالنا مارداً لا يضاهي جبروته أحد، يقفز من اعلى مكان يسقط ولا ينكسر، تكون فدائياً لو استطعت ان تفعل كذا وكذا.

بقوا في حالة بحث عن الفدائي.. وجدوه في الفتى المضيء من لمعة المسدس، المكلل بالزهور على باب المخيم، تطلقه النساء كزغرودة في ضمة حبق ورائحة النعناع، ظل صداه يتردد في هتافات الأولاد واهزوجة شعبية ينشدها على شُبابته الشاعر الشعبي ابو حسين علي شحادة: (أهلا وسهلا بمحمود وبماهر اليماني.. اهلا وسهلا بالفرساني.. اللي غزو بلاد اليوناني). كما صورته محفورة في المخيّلة كالطابع البريدي الذي ألصقفناه على دفاترنا المدرسية، يوم بادر قسم الإعلام بالجبهة واصدر مجموعة  طوابع بريدية ضمت اربعة وعشرين طابعاً  سنة 1974 تخليدا لمناضليها وكان بينهم ماهر اليماني.

يوم إلتقاه عمي ثانيةً بعد سنوات أعاد المسدس الى من يستحقه، الى قبضة يد صاحبه. كان على يقين ان هذا الفتى سيظل طول حياته في حالة قتال مستمر، قال يومها: أعدت له الأمانة، فربما المسدس سينفعه أكثر مما ينفعني. كان يرى فيه فتى يصعد كوطن لا يطال، كالمسدس المهيأ لحالة الإطلاق، الشخص المُلقم بالرّصاص كما الذكريات، والماهر في دقة الإصابة، وثقافة الرمي الغريزي في حقل الموت.

عندما يحتدم النقاش مع ماهر، وبنبرة العارف ببواطن الأمور ومعرفته بمطبخ القرارات وكيف تؤخذ، يقول واثقاً مبتسماً: ما تنسى انا “ابن الداية”؟ فأجيبه: وغيرك ليس “ابن البطة السوداء”. فيعلق بضحكة ساخرة وينفخ سيجارته. بحركة أفسرها انها تحوي خزين من الخفايا والاسرار والأحداث،  لكنه لا يدّعي احتكارها، وإن كان لم يبح بها قط، تماماً كما احسن وصف نفسه “ابن الداية”، يعني ابن الجبهة الذي يعتبر الحرص والكتمان وإلتزم الصمت الإيجابي كواجب وطني.

يقصد في اصل الحكاية انه مثل الذي يدخل مع والدته التي تـقوم بعملية التوليد للمرأة الحامل، أو يدخل وهي تـقوم بعملها وهو ما لا يتاح لغيره من الأولاد، فأصبح المثل ينسحب عليه ويعتز به. حالات مشابهة بتجاوز ما هو متفق عليه أو موجود كتقاليد متبعة ومعروفة.

لقد أتى أخيراً، مثل ترنيمة على ايقاع مسدس، يعزف الصداقة دون ادعاء والحياة الصاخبة مثل مقطوعة موسيقية جامحة، لا يهادن في الحب والسياسة. إنسان بفوضى مرتبة كلوحة سيريالية، وبوسائل متناقضة ومتنوعة، وترك لنا صداها في كل الامكنة والازمنة، ولمحة هنا وهناك و تصادفه في المخيمات والمدن والعواصم وفي المواقع والمكاتب، كأنه يخط خارطة النضال ويرسم جغرافيا العطاء، في سبيل أن يخلق زمنه الخاص، الأكبر من منصب خاص والأعلى من رتبة خاصة، بل ان يجعل من تفاصيل حياته تندمج في حياة الاخرين، ليحقق زمنه الجماعي وتاريخه النضالي، دون فواصل ورتوش وخصوصيات، يحث الخطى نحو عشقٍ أسطوري، يتعرى في قلبه الخطر حتى الذوبان، مدركاً بعمق يقينه النهائي.

أتى من بعيد يقاتل الواقع، بسلاح الحلم، المحشو بالألقاب والأسماء الهامة،  يتفيأ بظل أكبر حالمين في تاريخ الثورة الفلسطينية، الحكيم والوديع، وقد تربى وشَبّ وكبر في كنف الاشقاء القائد أبو ماهر اليماني والشهيد محمد اليماني وبرهان وأم مازن وابو اياد وظل رفيقاً في حياته للعديد من الشهداء الذين تشارك معهم ذات يوم، المعركة او الطلقة او اللقمة او جلسة صفاء ونكتة ومقلب مضحك وساعة حب و لحظة فرح ومنهم الشهيد والمقاتل والفدائي.

ثم عاد ثانية… الرصاصة لم تستطع  النيل منه لكثرة ما راوغها، إلاّ أن ّ الموت استقوى أخيراً، وبقدر ما كان قوياً مكافحاً في وجه الألم، كان الفراق لئيماً وخبيثاً؛ يقيناً أنه لم يسكت على ضيم رغم أنياب الوجع، فقام  برَدِ الصاع صاعين، عندما  انساب من بيننا وتسلل جسداً الى التراب، ثم ارتفعت روحه لتحلق عائدةً الى حبيبته، التي ظلت تنتظره وراء الغيم، وعلى بعد طلقة وغربة ونكبة، تماماً مثلما انهى “ماركيز” حكاية : “أجمل رجل غريق في العالم ” ويقول مشيرًا إلي الجبلِ الذي ينشر زهورَه الورديةَ نحو الأفق وفي كلّ لغاتِ العالم: “أنظروا إلى هناك حيث هدوء الريحِ وحيث ضوء الشمس. هناك هي قرية إستبان…”
وماهر يرقد هناك حيث ضوء الشمس وحيث “سحماتا” الباقية في الحلم والوطن.

تقديم كتاب :الشعبوية التحولات الجذرية لديمقراطياتنا. للكاتبان : ايلفو ديامانتي و مارك لازار

بقلم فوزي صويد عضو المكتب السياسي لحزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد

اخترنا تقديم هذا الكتاب الصادر في الأصل باللغة الايطالية سنة 2018 نظرا لأهمية الموضوع المتناول و لأهمية الظاهرة الشعبوية التي اكتسحت العالم و اكتست صيغا و أشكالا متنوعة دفعت بالعديد من هذه التنظيمات الى سدة الحكم سواء  في الديمقراطيات الليبرالية او حتى في البلدان النامية مثل دول امريكا الجنوبية و نخص منها بالذكر كما ورد بالكتاب بلدانا مثل البرازيل التي شهدت  صعود اليمين الشعبوي المتطرف و ذات النزعة الفاشتية المتطرفة المعادية للديمقراطية و التنوع العرقي و خصوصا الاشتراكية و احزابها و ممثليها بقيادة بولسونارو المدعوم من الإمبريالية الأمريكية. كما لم يغفل الكاتبان في سياق تحليلهما للظاهرة الشعبوية من التعريج على ما سموه بالظاهرة الشعبوية اليسارية – والتي تختلف جذريا عن الاخرى التي سيقع التوسع في تفصيلها في الكتاب – و ذلك عبر التركيز على فنزويلا و قائدها الراحل هوغو شافيز  الذي مارس الحكم لفترة طويلة و كان مسنودا بقوة من طرف الشعب او من خلال تحربة بوليفيا مع ايفو موراليس. هذه الشعبوية اليسارية ذات التوجهات الاجتماعية و التحررية من سلطة الاستعمار و راس المال سيقع تبنيها و التنظير Ernesto Lacloلها و الدفاع عنها من خلال تنظيرات الكاتب الارجنتيني المتخصص

ارنستو لاكلو و الكاتبة البلجيكية. ( زوجته ) شانتال موف.   

 و لكن هذا موضوعا اخر سنتتطرق إليه لاحقا من خلال تقديم بعض أعمال هذين المفكرين.

كتابنا اذن يدرس الظاهرة الشعبوية و صعودها في اوروبا خصوصا مع التركيز على انتشارها في فرنسا و ايطاليا بلدي المنشأ للكاتبان وهو يحتوي بالأساس على قسم نظري يحللان من خلاله مفاهيم الشعبوية و جذورها التاريخية و السياسية و العوامل التي دفعت بها و بمتبنيها من السياسيين الى الصعود و احتلال مراكز القرار السياسي الاولى في العديد من البلدان الصناعية الكبرى ذلت التقاليد الديمقراطية الليبرالية العريقة و تشكيكها في المؤسسات التمثيلية المنبثقة عنها كالبرلمان و نظم الإقتراع و الاحزاب و كل الأشكال السياسية التقليدية لممارسة السلطة.

يتساءل الكاتبان عن مفهوم الشعبوية عامة  و مفهوم الشعبوية الجديدة و الاشكال المتعددة للشعبويات و  الشعبويين و خصوصا أسباب الانتشار السريع للظاهرة كما يخصصان فصلان كاملان لدراسة ظاهرة الشعبوية و انغراسها و تاثيراتها الكبيرة على الحياة السياسية في كل من فرنسا و ايطاليا. .

.

يستهل الكاتبان مقدمة الكتاب بعرض موجز لبعض المقولات الشائعة لما يعتبرانهما ممثلين بارزين للتيار الشعبوي باوروبا الغربية و الذين يؤكدون اعتزازهم و افتخارهم بالانتماء للتيار الشعبوي الذي يستمدون منه مصداقيتهم و نضالالهم و تبنيهم لمطالب الشعب و  لمصالحه. فهذا جون لوك ميلونشون  زعيم مل يعرف بالتيار اليساري الراديكالي الفرنسي ”  فرنسا المتمردة ” يصرح لمجلة الاكسبريس سنة 2010 « لا اريد البتة الدفاع عن نفسي من تهمة الشعبوية. أنا أكره النخبة. نعم  انا شعبوي و أفتخر. فليذهبوا كلهم للجحيم “

الزعيم الإيطالي لتنظيم ال5 نجوم ذي المنحى الشعبوي اليميني المتطرف يصرح عاليا وبكل ثقة ” إن ال5 نجوم لا ينتمي لليسار ولا لليمين إنما هو إلى جانب المواطنين شعبوي الإنتماء و بكل فخر ” و قد اكتسح هذان التنظيمان الساحة السياسية الإيطالية مستغلين الأزمة الإقتصادية و تفشي البطالة و استفحال مشكلة الهجرة السرية يدغدغون بخطاباتهم مشاعر الهوية لدى الإيطاليين في سعي واضح و مكشوف للهيمنة على المشهد السياسي العام.


و في نفس السياق يضيف منظر التنظيم اليميني 5 نجوم جيانروبرتو كاساليجيو 13   ديسمبر 2013 بمدينة جنوة خلال تظاهرة كبرى ” اريد ان أقول لكم شيئان : اولا انني شعبوي و انا فخور جدا بذلك و فخور بأنني اتحد مع عشرات الألاف من الشعبويين ،اما الشيء الثاني فهو ضرورة عودة السلطة للشعب.” كما يلاحظ الكاتبان انه الى جانب وجود و انتشار الظاهرة الشعبوية اليمينية و التي باتت  تشكل خطرا كبيرا على الديمقراطية فانه يوجد كذلك الشعبوية اليسارية ذات التوجهات الإجتماعية الديمقراطبة التي نظرت لها و مدحتها المفكرة البلجيكية شانتال موفي صديقة تنظييم بوداموس الاسباني Podemos و سيريزا اليوناني. Syriza و فرنسا المنمردة La France insoumise

وفي هذا السياق، وفي مقال هام حول الموضوع للاقتصادي الفرنسي المعروف توماس بيكاتي يصرح هذا الاخير بأن « الشعبوية ليست سوى إحالة غامضة و لكنها مشروعة لما يفهم آنه تهميش للطبقات الشعبية و تعميق للفوارق الطبقية في البلدان المتطورة. لذلك يجب الاعتماد على عناصر الطرح الشعبوي ذات البعد العالمي لتقديم إجابات واضحة لمجمل التحديات المطروحة، لانه و في غياب مثل هذا الطرح الاجتماعي و الإنساني سيتعمق الارتداد المبني على الهويات و تتصاعد المظاهر العنصرية. و لا يمكن تحقيق هذه العناصر الا بالاعتماد على تنظيمات يسارية مثل بوداموس و سيريزا و غلى شخصيات مثل ميلونشون. Mélenchon و و صاندرس الأميركي Sanders »

نلاحظ إذن أن الشعبوية شعبويات متنوعة و مختلفة و كما هناك من يتبنى المنحى الشعبوي اليميني فان هناك أيضأ من يعتبر ان بعض التنظيمات اليسارية المذكورة سابقا هي شعبوية و لكن اطروحاتها مقبولة و يجب دعمها و تطويرها.

الشعبوية و علاقتها بما يسمى «سلطة الشعب”

Populisme et Peuplecratie

يسهب الكاتبان في تعريفهما للشعبوية و يقدمان تعريفات متنوعة تتفق جلها في ان هذه الظاهرة عبارة عن خليط من المثل الرومانسية و القومية والريفية والهووية و الاشتراكية. كما يحاولان وضع الظاهرة في اطارها التاريخي، فهي ليست حديثة بل تعود جذورها الى أواسط القرن التاسع عشر في روسيا حيث كان هناك تيارا سياسيا و فكريا شعبويا قويا كان يعتبر ان الفلاحين الروس (اغلبية الشعب انذاك ) هم روح الامة الروسية و طليعة الثورة ضد الأتوقراطية القيصرية و يقع على عاتقهم النضال من اجل تجقيق الحريةو العدالة. و قد انقسم هذا التيار و افرز جناحا عنيفا أعتمد على العنف و الاغتيالات. كما تحدث عن هؤلاء و باسهاب الروائي الروسي الكبير دوستويفسكي في روايته « المجانين » « Les Possédés» ،اما لينين فقد تصدى لهذا التيار سياسيا و ايديولوجيا مبرزا عدم فهم هؤلاء الشعبويون العميق للتناقضات الحقيقية التي تشق المجتمع الروسي و قوى الثورة الحاملة للتغيير الجذري للمجتمع.

فالشعبوية اذن حسب لازار و ديامانتي تظهر دائما في فترات الخوف و انسداد الأفق و الازمات بصفة عامة خصوصا الإقتصادية والتي تخلف ضرورة ازمات سياسية و اجتماعية يستغلها الشعبويون لتقديم أنفسهم كحل لهذه الازمات.

و من هنا يستغلون هذه الفرصة او هذا الوضع المتازم لتقديم تصوراتهم حول ضرورة انهاء الأشكال التمثيلية القديمة

( برلمانات و احزاب ) و تعويضها بأشكال أخرى أكثر شعبية. فهم يستغلون كل ما هو متاح باسم الشعب و من اجل مصلحته – حسب زعمهم – ليحررونه من سلطة الاشكال البيروقراطية البالية و يعطونه الفرصة ليحكم نفسه بنفسه. فهذا الشعب – حسب تنظيراتهم- هو عبارة عن لحمة واحدة متجانسة يفعل ما يريد و يعرف ماذا يريد و يتصدى لكل النخب التي تريد استعباده و السيطرة عليه باسم الديمقراطية التمثيلية.

ان مثل هذه التصورات لا يمكن ان تقود -حسب الكاتبين – الا الى الاستبداد و العنصرية و اثارة النعرات القومية المعادية للأجانب و لكل أشكال الإختلاف و هو ما نراه في بعض بلدان اوروبا الشرقية مثل بولونيا و المجر و التشيك و حتى في روسيا و الولايات المتحدة الأمريكية مع ترامب. هذه البلدان و نخبها الشعبوية التي اصبحت تنظر لما يعرف باللاليبرالية أي بعبارة أخرى اعتماد الليبرالية الإقتصادية بدون الديمقراطية والحريات. و هو ما ذهبت إليه بالفعل في ضرب كل أشكال حرية التعبير و التنظيم و خنق كل أشكال المعارضة.

.

الانتخابات التشريعية أكتوبر 2019 : مقولة”ضد المنظومة” بين الخطاب الدعائي والنتائج الاحصائية

بقلم ثريا كريشان عضو المكتب السياسي لحزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد

أسدل الستار على مشهد انتخابات 2019 بجينريك تكررت نهايته على مسامعنا وحفظه المتلقي حتى تحول إلى معطى واقعي ارتقى في ذاكرة الرأي العام التونسي إلى مرتبة الحقيقة هذه الجملة السحرية المفتاح التي تكررت في الخطاب الدعائي الانتخابي لجزء هام من المترشحين كما تكررت بين أمواج الأثير وتسابقت وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي وشركات سبر الآراء من اجل تمريرها وترسيخها وتكثيفها في فكرة “ضدّية المنظومة“.

 وفي مقالنا هذا سيقتصر اهتمامنا على وقع وحقيقة هاتين الكلمتين المفتاحين في ما أفرزته الانتخابات التشريعية 2019 من نتائج دون التطرق للرئاسية في دورتيها.

لقد بنى جزء هام من المترشحين للتشريعية حملاتهم الانتخابية على “ضدية المنظومة” مست كل الطيف السياسي معارضة وحكما في الفترة النيابية الممتدة بين 2014 و2019 تحت قصف إعلامي مكثف روج لهذه الضدية وصاحب الانتخابات وتحليل نتائجها. وفي هذا السياق برز خطاب معاد خاصة للتنظم الحزبي كأحد أطر الفعل السياسي.

ولكن المتأمل في نتائج الانتخابات سرعان ما يتفطن إلى زيف هذه الضدية مقارنة بخيارات الناخبين فلا نجد أثرا لها بين عدد الأصوات والمقاعد المصرح بها. عند استقرائنا للوقائع من خلال البيانات الإحصائية لنتائج الانتخابات التشريعية يتبين لنا أنّ القائمات الحزبية الفائزة تحصلت على 83.41% من عدد المقاعد تليها الائتلافية 10.13%   فالمستقلة 6.45% لذلك اتجهت الأصوات لصالح القائمات الحزبية مما يفند فكرة:” أنّ الناخبين فقدوا ثقتهم في الأحزاب السياسية”.فقائمات عيش تونسي المستقلة التي بنت دعايتها السياسية الانتخابية على التخويف من الأحزاب واعتبرتها سببا في الفشل السياسي والاقتصادي الذي وصلت إليه البلاد وسببا في علة المنظومة ككل رافعة الشعار الدعائي “ما تخافش مني مانيش حزب”  لم تتحصل إلا على مقعد واحد وبمجرد الشروع في تشكيل الكتل البرلمانية غادرت صفوف المستقلين في المجلس لتلتحق بكتلة الإصلاح الوطني التي تتكون من أغلبية حزبية تحصلت على12  مقعدا من مجموع 15 مقعدا لهذه الكتلة.

والمتصفح للبيانات الإحصائية يلاحظ أنّ الأحزاب الفائزة ليست بالوافدة الجديدة على البرلمان لقد احتلت كل من حركة النهضة وحزب قلب تونس والتيار الديمقراطي والحزب الدستوري الحر وحركة الشعب وحزب تحيا تونس المراتب الستة الأولى وهي أحزاب وجد أغلبها في الدورة البرلمانية المنقضية سواء بعناوينها السياسية الحالية أو ولدت من رحم أحزاب حاكمة كحزبي قلب تونس وتحيا تونس.

ومتأمل في المشهد الانتخابي الحزبي يلاحظ تشتت الترشحات والأصوات .فقد تعددت الترشحات من نفس العائلات السياسية. وصاحب هذا التشتت حملات إعلامية وانتخابية روجت لفكرة أنّ الناخب سئم تشتت الأحزاب ووجد نفسه حائرا أمام الكم الهائل من قائماتها فجاءت الدعوة إلى تشكيل قائمات ائتلافية وكانت النتيجة أنّ ائتلافين فقط فازا ب22 من المقاعد أسند 21 منها لائتلاف الكرامة. لذلك ولحدود هذه الانتخابات تشكل الأحزاب الإطار العملي الذي يدار من خلاله الفعل السياسي رغم تعدد الأحزاب وكثرة ترشحاتها.

لقد راجت مع صدور النتائج الأولى للانتخابات فكرة أنّ الناخبين عاقبوا أحزاب المنظومة وأساسا الأحزاب التي جربت الحكم ولكن النتائج تبين زيف هذا الادعاء فحركة النهضة رغم تراجع نتائجها مقارنة بانتخابات 2011 و2014 بقيت تحتل المرتبة الأولى من حيث عدد الأصوات والمقاعد المصرح بها لقد تحصلت على 52 مقعدا من جملة217 مقعدا أي 23.96% رغم مشاركتها في الحكم في كل الحكومات المتعاقبة منذ انتخابات المجلس التأسيسي. كما نلاحظ أنّه من جملة القائمات الحزبية الفائزة تحصلت الأحزاب التي جربت الحكم على 170 مقعدا من مجموع 217 أي 78.34% من نسبة المقاعد و93.92% من نسبة المقاعد بالنسبة لكل الأحزاب في المجلس. لقد حاولنا انطلاقا من المعطيات الإحصائية إيجاد علاقة سببية بين خسارة القائمات المترشحة ومعاداة الناخبين للمنظومة   غير أنّ الأرقام تنفي صحة هذه الفرضية التي يروج لها الخطاب الدعائي والتعاطي الإعلامي، إذ نجد أنفسنا أمام ضدية مزعومة، يفندها عدد المقاعد والأصوات المصرح بها.  

هوامش على دفتر النكسة من وحي انتخابات 2019 بتونس

          ***

                                                   أنعي لكم، يا أصدقائي.. اللغةَ القديمة

                                                              والكتبَ القديمه

                                                               أنعي لكم..

                                                  كلامَنا المثقوبَ، كالأحذيةِ القديمة..

                                                 ومفرداتِ العهرِ، والهجاءِ، والشتيمة

                                                       أنعي لكم.. أنعي لكم

                                                نهايةَ الفكرِ الذي قادَ إلى الهزيمة

بقلم الدكتورعبد السلام البغوري

استهل الشاعر السوري نزار قباني قصيدته ” هوامش على دفتر النكسة” بهذه الابيات الموجعة والتي تقطر حزنا وغضبا على هزيمة الجيوش المصرية والسورية في حرب 1967 بعد ان فاقت الاوهام كل حدود متغنية بالنصر و” كنس العدو” في ظل دولة  الوحدة العربية السعيدة …الا ان واقع الحال في ذاك الزمن قد افرز عكس ذلك بعد ان كان ينبئ بذلك مرارا ومرارا…

ولئن تبدو المقارنة بين الحدثين اي هزيمة 1967 وهزيمة قوى اليسار التونسي في انتخابات 2019 مجانبة للصواب كما ان مقدمة القصيدة تبالغ في السوداوية والتشاؤم فان بعض المؤشرات توحي بوجود خيط رابط بين الهزيمتين واهم هذه المؤشرات هي الوقع المدوي للهزيمة  وردود الفعل المتباينة من ناحية  والسعي للبحث عن مخارج او بدائل تنير السبيل في ظل تكلس المنظومات القديمة للتفكير والتسيير.

I– 2014: الانتصار الجزئي والفرص المهدورة

على إثر النتائج الهزيلة التي تحصل عليها اليسار في الانتخابات الرئاسية والتشريعية لسنة 2019 وتصدر احزاب وتكتلات يمينية للمشهد السياسي وحصولها على حصص هامة في المجلس النيابي رجعنا الى المربع الاول مربع انتخابات 2011 لما مني اليسار بهزيمة قاسية. فما الذي حدث….

 بعد النتائج المخيبة للآمال لقوى اليسار التونسي في انتخابات 2011 بفعل عدة اسباب لا يسع المجال هنا للاستفاضة في ذكرها وتحليلها …كان من بينها حالة التشتت والضعف التي طبعت سلوك مكونات التشكيلات اليسارية خاصة بعد الفشل السريع ” لجبهة 14 جانفي” …  عاد ” الابناء الضالون” الى رشدهم وسارع البعض منهم  الى  ترميم هياكله وتجديدها ثم الانطلاق الجاد في تكوين هيكل جديد يجمع طيفا هاما من اليسار الماركسي والقومي في ” الجبهة الشعبية”. كانت الانطلاقة واعدة فخف منسوب التشاؤم والتنابز بالألقاب والعداوات الوهمية غالبا وعم التفاؤل بمستقبل افضل لليسار المكافح ولبرامجه الطموحة من اجل غد افضل لعموم التونسيين. كان لهذا التسونامي  صدى  ايجابي كنا  نراه في عيون الرفاق والاصدقاء ونسمع بعضا منه في تعاليق المنافسين. وسرعان ما بدأت الجبهة ” تنتشر في الارض وتخط طريقها لتصبح حالة شعبية يقرا لها الف حساب من طرف الخصوم السياسيين والاعداء المعلنين لكل مشروع وطني ديمقراطي….

الا ان الاغتيال الجبان  للشهيدين  شكري بلعيد ومحمد البراهمي  قد خلط كل الاوراق بما ان قادة الجبهة الشعبية اضافة الى كونهم لم يستطيعوا استغلال هذين الحدثين لقلب موازين القوى لصالح قوى الثورة  قد وجدوا انفسهم منساقين للتحالف في جبهة الانقاذ مع حزب نداء تونس الذي يمثل احد اوجه المنظومة القديمة وذلك بهدف التخلص من حكم النهضة المتهمة برعايتها للقوى الارهابية والتحريض على الاعتداء على الشهيد شكري بلعيد…

ورغم انفراط عقد هذا التحالف الظرفي بفعل اختلاف التوجهات والنوايا والهدنة المعلنة بين شيخ النهضة وشيخ نداء تونس …فقد تواصل الشد والجذب والاستقطاب  بين قطبي النهضة وحلفاؤها من ناحية وحزب  “نداء تونس” وحلفائه من ناحية اخرى اضافة الى  الجبهة الشعبية التي اصبحت منارة يهتدي بها ويأمل في الخلاص بواسطتها  طيف واسع من التقدميين …..

وعموما  فقد كانت الرياح تهب في صالح مراكب  الجبهة الشعبية  في هذا السياق الداعم للتخلص من رجوع النهضة الى سدة الحكم وحيازتها للأغلبية فترك لليسار والجبهة الشعبية منفذ هام للتقدم خاصة وان الرصيد النضالي  والتعاطف الشعبي لم ينضبا بعد. كما ان بعض الشخصيات الفاعلة عبرت عن امنيتها ان تحوز الجبهة الشعبية على عدد لا يستهان به من المقاعد البرلمانية لتمثل حليفا لها لتكوين اغلبية برلمانية تحكم البلاد . ولكن ليس اكثر.

اضافة الى ذلك فان بعض الصحف التونسية واخص بالذكر – فيما اذكر-صحيفة يومية ذات انتشار واسع اعتادت  منذ اواسط الثمانينات من القرن الماضي ان ” تميل حيث تميل النعماء” وتكيل المديح لولي نعمتها الوزير الاول محمد مزالي اثناء صراعه المرير مع شق من الحزب الحاكم وقتئذ. كانت هذه الصحيفة تتكرم من حين لآخر بمقال وتحاليل غير عدائية تجاه الجبهة الشعبية.

الا ان الجبهة الشعبية  رغم هذا السياق الايجابي ورغم حفاضها على تماسكها النسبي لم تستغل الفرصة كما ينبغي وحصدت 15 نائبا وهو عدد  اقل ما كان منتظرا منها وذلك بفعل تنامي العقلية السكتارية والتشبث بالمحاصصة الحزبية التي حالت دون الانفتاح على شخصيات تقدمية مستقلة فاعلة واصرار البعض على فرض بعض الوجوه الحزبية العديمة الاشعاع والتأثير في محيطها المحلي والجهوي وحتى القطاعي.

وعوض تعزيز هذا الانتصار الجزئي  بإجراءات شجاعة تعزز البناء التنظيمي للجبهة وتفعل هياكله لتنتشر في الارض- كما كان مقررا لها – وتصنع حاضنة شعبية لمشروعها حتى تجدها سندا سواء خلال الانتخابات او عند اي هبة شعبية….عادت الحسابات الحزبية الضيقة الى السطح فقبر مشروع الحزب اليساري مباشرة بعد ندوة نظمت للغرض[1] وتعطلت “مؤسسات ” الجبهة و”هياكلها” عن العمل قبل ان ترى النور فعليا…وحين اصبح من العسير ثم من المستحيل عقد “ندوة وطنية” للجبهة والاتفاق على صيغ جديدة للتسيير واستحالة الاتفاق على مرشح للانتخابات الرئاسية…الخ…انفرط العقد  وتنازع الخصوم على اليافطة ثم تقدموا الى الانتخابات التشريعية متفرقين….فحلت الكارثة ولم  تثمر الشجرة المهملة  الا تفاحة واحدة لا غير….

الا ان ذلك لا يمكن ان يحجب العمل الهام الذي قامت به كتلة الجبهة الشعبية بالبرلمان فقد حاولت بكل الوسائل المتاحة ادراج قوانين تنتصر للحريات وتدافع عن الخيارات الوطنية والشعبية كما لم تتوان لحظة في تعطيل او الحد من فرض قوانين مالية جائرة تخدم مصالح المتنفذين واصحاب رؤوس الاموال المتهربين….

فاين يكمن الداء…هل في شكل الهيكلة….في الذوات القائدة….في الاطروحات ام ماذا…. اسالة حارقة على الجميع ان ينكب علي الاجابة عنها دون تعالي او سلك سياسة النعامة .

في الحقيقة فان ازمة الجبهة الشعبية تكمن ايضا وربما خاصة في ازمة الاحزاب المكونة لها. فإضافة الى ان  العديد من ” المستقلين'” قد هجروا  صفوف الجبهة فان اهم الاحزاب المكونة لها كانت ومازالت تشكو من عدة هنات على المستوى التنظيمي والفكري  وانهكتها الصراعات الداخلية هذا دون اعتبار ان بقية الاحزاب المكونة للجبهة لا اثر في الحقيقة على وجود لها على ارض الواقع….

اضافة الى ذلك فان تعنت بعض ” القيادات” ومكابرتهم واصرارهم على وضع الجبهة تحت مضلة عباءتهم الحزبية بشتى الوسائل المعلنة والخفية ضاربين بعرض الحائط اسس العمل الجبهوي القائم على التشاور الدائم عند اتخاذ القرارات والتداول على ادارة المؤسسات. وبالمقابل فان تردد البعض الاخر في حسم المسائل التنظيمية  وعدم وضوح رؤياه قد اثر بدوره على سلوك الجبهة وعلى المسار الذي الت اليه .

افضى هذا التشتت والمكابرة والفشل  الى فسح المجال  لأطروحات اخرى كي ترى النور وتتصدر لا فقط ساحة النقاش بل ساحة الفعل بما ان انصارها قد وجدوا في المرشح للرئاسية قيس سعيد ضالتهم ليصيغوا تحالفات وتكتيكات اتت اكلها بفعل عدة ظروف ومستجدات .

IIالبناء من فوق او من تحت

نفضت الانتخابات الرئاسية لسنة 2019 بتونس  الغبار عن نقاش قديم داخل اوساط اليسار بين دعاة المركزية التي تصر على تشكيل النسيج الاجتماعي والسياسي والحزبي من اعلى السلطة الى اسفله مرورا بحلقات وسيطة وبين دعاة تشكيل هذا النسيج من الاسفل الى اعلى الهرم…من المحلي الى المركزي.

وقد ظهر ذاك الخلاف على السطح خاصة بعد انتفاضة  11-10-2010/ 14-01-2011 التى افضت الى الهروب المفاجئ لبن علي وتصدع البناء التنظيمي والفوقي لجهاز الحكم فتفتحت القرائح وتعددت المبادرات السياسية. وعلى سبيل المثال لا الحصر فلئن بادر الشهيد شكري بلعيد – على عجل- بتأسيس ” حركة الوطنيين الديمقراطيين” التي ضمت كوادر ومناضلين ممن ينتسبون الى تجارب وحلقات تنتمي الى التيار الوطني الديمقراطي واعتمدت على هيكلة مركزية مرنة نسبيا بما انها اعطت هامشا من الصلوحيات  والمبادرة للرابطات الجهوية. (انظر النظام الداخلي لكل من “حركة الوطنيين الديمقراطيين ” و ” حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد”) …..فان “حزب العمال ” الشيوعي وقتئذ والذي يعود تأسيسه الى اواسط الثمانينات من القرن الماضي كان ومازال يعتمد على مركزية مفرطة راس حربتها ” هيئة الاركان” كما يطلق عليها قادتهم والتي  لا تترك الا هامشا ضئيلا من  للجان الجهوية والمحلية.

في هذا الخضم من الحراك والمبادرات طلع علينا رضا المكي الملقب ب” لينين” منذ ان كان احد ابرز قادة الحركة الطلابية اواخر السبعينات وبداية الثمانينات من القرن الماضي…طلع علينا بعد غياب وصمت دام اكثر من عشريتين  بمشروع مغاير باسم مجموعة اطلق عليها اسم ” قوى تونس الحرة” تطرح عموما تغيير نمط الحكم وهيكلته من ” الاسفل” الى “الاعلى” والانتخاب على الافراد لا على القوائم …وهي من اهم النقاط التي تقاطع معها المرشح للانتخابات الرئاسية والرئيس الحالي قيس سعيد وذلك في اطار مشروع فكري وسياسي ينهل من  الاطروحات المجالسية ويتقاطع مع  مفهوم ” الكتلة التاريخية” الذي ابتدعه المفكر والمناضل  الايطالي الماركسي انطونيو غرامشي ( انظر نص: هل تمثل فكرة – الكتلة التاريخية – مخرجا لتعطل الثورة التونسية؟ لرضا شهاب المكي بموقع الحوار المتمدن).

والحقيقة فان هذه الاطروحات التي تحاول ان تقدم  ”  مشروعا وطنيا جامعا” [2] يمساهم  في     إيجاد ” مخرج لتعطل الثورة التونسية” المعطلة حقا..وان كان يقع توصيف ارضيته الاجتماعية و ” الطبقية بعبارات عامة وفضفاضة احيانا فانه لا يختلف كثيرا عن مشروع الجمهورية الديمقراطية الاجتماعية كما حدد معالمه الشهيد شكري بلعيد في نض يعود تاريخه الى 2001 ووقع تفصيله في وثائق حركة الوطد وحزب الوطد الموحد كما تم تضمين اهم محاوره في الارضية السياسية للجبهة الشعبية.

 الا ان هذا المشروع – مشروع الكتلة التاريخية”-  ورغم  اغراءاته ” التشاركية”  و”المجالسية  ” الرامية الى  دك اسفين في صرح  هيكلة ” المركزية الديمقراطية”  التي سرعان ما  تتحول  – وللأسف- الى مركزية بيروقراطية قاتلة ومدمرة  يطرح عدة اشكالات ومطبات في نسخته التونسية اهمها:

– القطع مع الخلافات والصراعات الأيدولوجية بين اليمين واليسار بعنوان التغيرات الحاصلة على مستوى دولي.[3]

– توصيف التمايزات الاجتماعية والصراعات الطبقية بمفاهيم هلامية على شاكلة ” الكلي- الجزئي- الاكثر ضعفا والاقل…الخ…( راجع النص المشار اليه سابقا)…وعموما فهي تؤسس لمرحلة جديدة لا وجود فيها لليسار بمفهومه التقليدي الذي ولى زمنه وانتهى حسب زعم صاحب النص.

– تحميل المسؤولية للجميع وبنفس القدر يثير عدة تساؤلات عن الخلفية السياسية لهذا المشروع…اذ كيف يساوي بين من انصار المنظومة القديمة  ودعاة التكفير والسحل والمشاريع القروسطية التي ارغمت عن التنازل قسرا عن عزمها كتابة دستور على قياسها مع من كافحوا بكل جهدهم وتنظمهم وعفويتهم وصعفهم ضد هذه المجاميع  فدفعوا شهداء اغتيلوا غدرا في واضحة النهار[4]  ولم يكلف السيد رضا نفسه مجرد الاشارة الى ذلك حرصا على ان يجد مشروعه الكتلوي التاريخي رضى الجميع.

III– في موت اليسار او ضرورة تجديده

ان يتمنى طيف من السياسيين سواء من المنافسين او من الاعداء ” موت اليسار” واندثاره

فذاك امر عادي بل انه جزء لا يتجزأ من مخطط الشيطنة للقوى الحقيقية للثورة لتسهل علىهم اقتسام الكعكة والمضي قدما في نهب خيرات البلاد وتفقيرها بمباركة من القوى الاقليمية والدولية الحليفة . ولكن ان يصل الحد ببعض ” الاخباريين” chroniqueurs إلى ان يلتحقوا بهذه الجوقة الحاقدة والبغيضة في تبخيس اليسار والتشهير به ضاربين عرض الحائط بالحد الادنى من اخلاقيات المهنة الصحفية فذاك ما يدعو الى التساؤل حول مدى احقية الشك في نظرية المؤامرة.

وفي ذات السياق شمر بعض ادعياء ” الطهورية” و ” النقاوة” على سواعدهم وامسكوا بسياطهم لجلد ” اليسار” والعمل على التعجيل بدفنه والحال ان اغلبهم لم يكلفوا انفسهم عناء البحث والعمل اما على الانخراط في المشاريع القائمة والعمل على تطويرها او ابتداع طرق واساليب جديدة للعمل والتنظيم علهم يساهمون في انارة السبيل.

فما الذي يريد هؤلاء ؟ان يعدل اليسار اوتاره على المنظومة النيوليبرالية ويتخلى بالتالي عن شرط وجوده السياسي والاجتماعي ؟ ام ان يغير عناوينه ويشطب ” المعجم الطبقي” الذي ينير سبيله ليتبنى معجم ” نهاية  الإيديولوجيا” الذي تنكر له اخيرا  فكوياما ؟.

فهل نسي هؤلاء ان الصراع الطبقي هو معطى موضوعي لم يكتشفه اليسار ولا حتى ماركس.

بعيدا عن النكسة:  الممكن والافاق

حين تقرا الكتب” القديمة” ذات المضامين التقدمية والثورية في غير سياقها التاريخي ( السياسي –الاجتماعي-الثقافي والأنثروبولوجي عموما) وعدم تنزيلها في سياقنا التاريخي المعقد بفعل التخلف و”التسلط الشرقي” تتكلس هذه المضامين وتفقد بريقها وتصبح غير ذات جدوى.

حين نتشبث بأشكال تنظيمية  فرضتها سياقات تاريخية وحضارية مختلفة واثبتت بما لا يدع مجالا للشك حدود افاقها ومساهمتها – بالتفاعل مع عوامل اخرى طبعا- في اعادة انتاج انظمة اجتماعية بالية ومدمرة  سيتواصل الدوران في حلقة مفرغة ولن تتراءى اي نقطة ضوء في اخر الافق.

 حين تسطو ” قيادات” الاحزاب الثورية و” دستة الاذكياء” على الذكاء الجماعي وتهمشه ثم تقصيه بعنوان ” المصلحة العامة” والحفاظ على التراتبية الحزبية تحول  ” القائد” الى سيد بيده الملك يفعل ما يشاء هو صاحب الحل والعقد في كل التفاصيل المملة وهو على كل شيء قدير.

حينها تذبل زهرات الحديقة ويغرد فيها البوم.

ولكن حين تصبح الاحزاب او الجبهات القائمة او المنتظرة -لا يهم- فضاءات للإبداع والحرية تزهر فيها الافكار والمبدرات الخلاقة. فضاءات يكون فيها البناء الافقي فاعلا ومحددا للتوجهات والمسارات في حين يكون البناء المركزي – الجماعي- collégial منسقا ومتفاعلا  interactif حين يصبح الفعل السياسي  l’acte politique الاستراتيجي والتكتيكي    حلقة من حلقات سلسلة   يتساوى فيها الفعل الاجتماعي والنقابي والثقافي لبناء حاضنة اجتماعية عميقة تفتح مجالا اوسع للهيمنة الثقافية والفكرية التي تعوزنا الى ابعد الحدود.

حينها فقط يمكن ان نفكر في الانتصارات .

وحينها ايضا يمكن ان يكون لعنوان قصيدة نزار قباني ” هوامش على دفتر النكسة” – الذي استعرته لعنونة هذا المقال – معنى مجازي.


[1] الندوة كان عنوانها: “وحدة اليسار مهمة للإنجاز” نظمها حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد بمناسبة احياء الذكرى الثالثة لاغتيال الشهيد شكري بلعيد وكان لي شرف المساهمة في الاعداد لها وتقديم مداخلة.

[2] يحتاج المشروع المجتمعي والسياسي الجامع لأوسع طيف وطني الى تشخيص دقيق للمصالح المتنافرة والمتكاملة داخل الفئات الاجتماعية الأكثر تضررا وداخل الفئات الأقل تضررا من المنظومة السياسية والاجتماعية القديمة حتى يقدر على تسكينها في مشروع وطني شامل وجامع             

[3] . لم يعد، تبعا لذلك، مشروع الانتقال الثوري (بالمعنى التاريخي) الى مجتمع ودولة جديدتين في حاجة الى جدل الهوية، والى جدل اليمين واليسار، والى جدل الحزب الطليعي والحزب الانتخابي، والى جدل الحكم والمعارضة؛ اذ لم يعد يعكس كل جدل من هذه الجدالات الا مصالح ذاتية متقوقعة لا تقدر على الدفع الى مجتمع جديد ودولة جديدة بعدما بدأ يتأكد تآكل المجتمع القديم ودولته القديمة واتجاههما الى الانهيار وبعد ما بدآ يفقدان شروط استمرارهما التاريخي.

[4] تأسست مختلف التكتلات طوال السنوات الأربع الماضية على شعارات لم ترتق ولا يمكن لها ان ترتقي الى مصاف الانتقالات النوعية المجتمعية منها والسياسية والثقافية؛ فهي تشترك في “التخاصم” حول “الهوية” في المجتمع و”الهوية” في الدولة وهي شعارات لا نجد لها صدى في التشكل الاجتماعي الحقيقي لدى الطبقة الاجتماعية السائدة او لدى الطبقات التي تدور في فلكها والتي تتمصلح معها وترتقي اجتماعيا بفضلها

قراءة في ديوان شكري بلعيد :أشعار نقشتها الريح على أبواب تونس السبعة

بقلم حياة حمدي عضو اللجنة المركزية لحزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد

أن نحيي ذكرى اغتيال شهيد الوطن والحرية والكرامة شكري بلعيد فليس ذلك من باب الحنين – وإن كان الحنين إلى حضوره لم ينفكّ يوما- إنما نريد من خلال هذه الذكرى أن نقاوم إيتيقيا وسياسيا وجماليا أيضا كل استراتيجيات النسيان التي ينتهجها بعض ممّن لا يزال اسم شكري بلعيد يرعبهم مثلما أرعبهم وهو حيّ. إن “واجب التذكر” على حد عبارة الفيلسوف بول ريكور هو إذن طريقتنا في مقاومة هذه الاستراتيجيات التي تدعونا إلى أن “نطوي الصفحة” وهو أيضا طريقتنا في كشف الوجه الموحش للشر الأخلاقي وللعنف السياسي ولكل ما يجعل وجودنا الاجتماعي مغلفا بطبقات من الظلام الساحق لكل ممكنات الإنساني فينا. وهو في النهاية طريقتنا في إثبات أن القيم التي دافع عنها شكري بلعيد فكرا وممارسة هي قيم الثورة الحالمة بالحرية وبالكرامة الإنسانية. إننا ونحن نقرأ اليوم ما كتبه قراءة مقاومة إنما هو استئناف لهذا الحلم ضد كل استراتيجيات النسيان العفوي منه والمقصود.

  لكن ربما يتساءل البعض كيف لنا أن نقاوم استراتيجيات النسيان بالعودة إلى أشعار ربما لم يكن شكري بلعيد السياسي ينوي نشرها وإطلاع عموم الناس عليها؟ وربما يخفي هذا السؤال ما يراه هؤلاء من تباعد بين الشعري والسياسي، تباعد يتخذ مطية أو تعلة كي ينكر علينا كل ذكر لأشعاره خوفا على اهتزاز صورة السياسي التي عرف بها..

حسبنا أن نجيب دون تردد أن الشعر هو المكان الملائم لولادة السياسة وأنّ درب السياسي هو من عين درب الشاعر وأن المرور من المتخيل إلى الفعل هو مرور يبرّره اغترافهما من نفس المنبع أي منبع ما يمكن أن نسميه “شعرية الوجود”. في هذه الانشائية إذن يلتقي الشعري بالسياسي مثلما يلتقي الفكر والفعل فيما يوحّهما معا أي جمالية الخلق والإنشاء والإبداع أو ما يسميه ريكور “ارتقاء الخيال إلى مرتبة ملكة الممكن العملي” حيث يجتمع في قائل الشعر دفق الخيال وجدوة الفعل.

فمن أين نأتي إلى السياسة إذن إن لم يكن ذلك من باب الشعر؟ هل نأتيها من باب اللاهوت أو من باب آلات العدّ والحساب؟ أم من باب ميكيافلية متخفية لا ترى في الفعل السياسي غير تصريف المناصب وإغداق الوعود الزائفة؟ ألا إنه ليس من باب ندخل منه الى السياسة إذا ما رمنا تشريفها غير باب الشعر إذ أن ما يراهن عليه الشاعر والسياسي هو تدبير وجودنا المدني أفضل تدبير وأقربه الى أفق ما هو إنساني فينا.

أن تولد السياسة من رحم الشعر ’ فتلك فضيلة لا يفقه أبعادها إلاّ من غادر وجها من الأفلاطونية المعادية لهذا الالتقاء. لمن لو اقتصر الأمر على هذا الوجه الميتافيزيقي-اللاهوتي الموغل في معاداة الشعراء لهان الأمرإذ تكفل الكثير من الفلاسفة والمفكرين المعاصرين بقلبه. غير أن هذا الموقف نراه اليوم لدى بعض “المحدثين” الذين يردون السياسة الى نمط حسابي ليس له من أفق غير معاداة الفكر.

وربما لا نجد أبلغ من هذا اللقاء السعيد بين الشعري والسياسي لدى شكري بلعيد ما عبر عنه شكري المبخوت في مقدمة تحقيقه لديوان شكري بلعيد ” أشعار نقشتها الريح على أبواب تونس السبعة” حينما كتب يقول في الصفحة السابعة من التقديم ” كنت متأكدا من أنّني سأبرز للناس من أوراق الديوان المخطوط وجها آخر ‘للشهيد السعيد’ (بعبارة رفيق دربه الفقيد سنان العزابي) ’ وجه الشاعر ذي الغريزة الشعرية. فشكري بلعيد كان، من أوّل ما عرفته وهو تلميذ سنة 1981 ’ شاعرا يبني شخصيته الثقافية والفكرية بمطالعة الأدب شعرا ومسرحا ورواية بقدر ما يبنيها بمطالعة الكتابات ذات الطابع الفلسفي والإيديولوجي والسياسي. ورأيي –يواصل المبخوت شهادته-أن وجه المثقف’ واسع الثقافة’ علاوة على ذكاء وقّاد وحس نقدي رفيع وكفاءة عالية في الحجاج والجدل ’ هو الذي يسّر لوجه السياسي منه على ما عرفه الناس من فصاحة في التعبير وسلاسة وحضور بديهة”.

غير أن ما نروم تبيانه في هذه الورقة’ ليس القصد منه ” أن يكرمه أحباء الشعر” وإنما قصدنا هو ألا يتنكر “أصدقاء الأرض” لوجه شكري بلعيد الشاعر وهم الذين لم يعرفوا عنه إلا وجه السياسي. إن غايتنا من وراء ذلك هي إثبات أن وجهه الثاني كامن بالقوة وبالفعل في وجهه الأول.

وإننا إن كنا سنكتفي هنا بقراءة عنوان الديوان وبقصيدة منه هي قصيدة “صحراء” ’ فإن ذلك لا يعني أن باقي أشعاره لا تقدم إثباتا حيّا لتعالق الشعري والسياسي لديه’ وسوف يكتشف كل قارئ لديوانه أن أحدهما كامن في الآخر’ ثاو فيح حينا وصريحا حينا آخر.

وسبيلنا إلى هذه القراءة لن تكون من جهة الألفاظ وإما هو سبيل يقتفي أثر المقاصد لذلك كان ما نطلبه هنا هو ضرب من “القراءة المقاومة” التي تتجاوز تواتر الألفاظ طلبا للذهاب إلى أبعد مما يظهر منها وهذا هو حال “الأبواب “في عنوان الديوان ة هذه الأبواب التي إذا ما انفتحت تراءى لنا ما تخفيه وما لا تظهره لغير الواقفين على أسرارها.

     عنوان الديوان كما هو معلوم “أشعار نقشتها الريح على أبواب تونس السبعة”. وهو عنوان يجمع في باطنه بين ما سميناه بوجهي التدبير ونقصد بذلك التدبير الروحي والتدبير المدني السياسي. إنه عنوان تتوحد فيه ممكنات تحرّر الذات من خلال ممكنات تحرر المدينة بطريقة تجعل من أبواب تونس” مفتوحة على الغنى والتعدد والاختلاف وإن كانت في كل ذلك تغار على وحدتها وتماسكها وقدتها على مقاومة “الرياح المنذرات” ’ فاتحة أبوابها السبعة لاستقبال “الرياح المبشرات “المؤنسات المبتهجات بما نقشته الريح على ألواحها.

سنحاول إذن-من خلال استقراء العنوان-تأويل صور التقاء “الشعري” بما هو عنصر من عناصر “تأويلية الذات” بالسياسي من جهة كونه “تأويلية للفعل” يتولد عنهما” الأثر” بالمعنى الذي قصدته الفيلسوفة الألمانية المعاصرة حناّ آرندت.

تكمن جمالية هذا العنوان ’ -وهو عنوان يخبرنا محقق الديوان أن شكري بلعيد قد صرح في حوار صحفي منشور عن استعداده لنشر مجموعته الشعرية التي اختار لها هذا العنوان وأنهما معا أي الشاعر والمحقق كانا يحلمان بنشر مجموعة مشتركة باسميهما-في تأكيده على التقاء تأويلية الذات بتأويلية الفعل كما سبق أن أشرنا إلى ذلك أي أنه التقاء المقصد منه هو الكشف عن التداخل الجدلي بين تدبير الذات وتدبير المدينة وهذا ما تكشف عنه استعارة الريح التي تكتب أو تنقش أشعار اعلى أبواب المدينة

 إن العنوان إذن هو طريقة في تقصي أثر الريح (الذات أو النفس) وهي تقف على أبواب التاريخ تسأله فعله في الذات وفي المدينة معا. إن ما ذهبنا اليه هنا تؤكده أولا طريقة تصريف أو تدبيرمن جهة وطريقة تدبير المدينة بأبوابها السبعة من جهة أخرى

1_ تصريف(تدبير) الريح

 تحمل الريح -إذا ما استقصينا عنها في المعاجم اللغوية العربية -على معان عدة نلخصها في ثلاث هي

  • الريح بمعنى الهواء المتحرك
  • الريح بمعنى الروح وجمعها أرواح (وقد جاء في معجم اللغة العربية المعاصرة الشرح التالي “ريح جمع أرواح، ارياح ورياح وأراويح وأراييح”) 
  • – الريح بمعنى القوة والسطوة كأن نقول “اقتلعت ريحه مواطن الظلم” والقوم ركدت ريحهم بمعنى ضعفوا وذهبت قوتهم وزالت دولتهم أو مدينتهم)

ويقسم العرب الريح إلى قسمين كبيرين هما “المبشرات” و”المنذرات”. فالأولى تبشر بإثارة السّحاب ونزول المطر وجريان الملك واليسر والثانية تنذر بالعذاب. ومما جاء في كشاف الزمخشري قوله “وتصريف الرياح في مهابّها’ قبولا وإدبارا’ جنوبا وشمالا” (كما جاء في البيت الشهير لأبي الطيب المتنبي “على قلق كأنّ الريح تحتي-أوجهها يمينا أو شمالا”). كما جاء في قاموس المعاني” تصريف الرياح بمعنى تقليبها في مهابّها وأحوالها أي إدارتها وتوجيهها ” و “الصريف ” هو «صوت الأبواب وصوت القلم”.

فلكأن شاعرنا هنا يستحضر “ريح” المتنبي ولكأنهما يحملان القلق ذاته ولكأنهما معا يصرفان نظرهما الى المدينة ينظران في مهابها حين تقبل وحين تدبر.

فكيف يصّرف شاعرنا ريحه أو روحه (أو ما عبرنا عنه بتأويلية الذات” الشاعرة؟

إنه يصرّفها(يدبّرها) من خلال فعل أو أثر النقش (على الأبواب). إن فعل النقش هذا هو فعل الروح أو الذات وما يبقى لها من “أثر” على تلك الأبواب -أبواب مدينته تونس-وهو المعنى الذي نفهمه من خلال استعارة “نقشتها اريح” كما من خلال استعارة “مخرج الروح” في قصيدته التي عنوانها “إله” حينما يقول الشاعر

   واقف في مخرج الروح

لم يعتلني القديم

يا رياح البنفسج لا تنسيني

بلّغي مهرة الروح كلّ الجنون

فيكون مجرى الـتأويل في هذه العبارة أنّ هذه الأشعار نقشتها “الرّوح” أي روح أو ذات الشاعر على “أبواب تونس السبعة” وهذا ما قصدناه من عبارة “تدبير الذات” أو “تأويلية الذات” في ديوان شكري بلعيد.

2_ تدبير المدينة

وهو تدبير يقرأ أوّلا من خلال عبارة” أبواب تونس- بما يشير الى المدينة وهي بعدد سبعة”(باب الفلّة-  باب الجزيرة- – باب المنارة- باب الجديد- باب البنات- باب العلوج- باب الخضراء) لكنه يتسع ليشمل المدينة بمعناها السياسي الذي ورثناه عن الإغريق الأول ( بوليس)   Polis  

 أي بمعنى الجسم أو الكيان السياسي الهادف الى تحقيق النظام والسعادة والعدالة. يفهم من هنا أنّ الشاعر ينقش في هذه المدينة من روحه أشعارا هي بمثابة الوجه الذي اختاره لتدبيرها. فما عسى أن يكون هذا الوجه؟

إذا نحن سألنا الآن على أيّ وجه تدبّر الشاعر المدينة أجابتنا القصائد – ونخص بالذكر منها هنا قصيدة “صحراء” بأنّ تدبيرها جاء على وجهين هما وجه “الصحراء” من جهة ووجه “الواحة” أو “الحديقة” من جهة أخرى.

يقول صاحب لسان العرب “وقد وعى العرب هذه الحقيقة فربطوا بين نزول المطر واختلاف جهات الريح فقالوا’ لا تلقّح السحاب إلاّ من رياح مختلفة ’ ريح منذرة وريح مبشّرة’«. فأمّا الأولى فهي التي تعبّر عنها هاهنا صورة أو مجاز الصحراء. وأما الثانية فمجاز “الواحة”. سنستأنس في قراءة هذين الوجهين بمدخلين اثنين أحدهما للشاعر نفسه وثانيها نصّ اختتمت به حنّا آرندت كتابها “في السياسة”

  نقرأ في قصيدة صحراء قول الشاعر

عند بابك خطّ المحبّون أسماءهم

وبنوا في محطّاتك الموحشة

حلمهم

حمل الشعراء الصعاليك

في لحظة الوجد

أقدامهم نحوك

وقالوا نمرّ

كما أمنا المتعبة

نملأ الرمل وحباته شبقا وحنين

لا الضابط المختفي تحت بسمته القاتلة

ولا العسس الأوبئة

أزاحوا من دمنا وهجك العربيّ

فكل المنافي لنا واحة

نستظل بها

ثم نطوي الطريق

إلى مدن القتلة

لسنا نخشى على دمنا من أحد

صحراء وضابط يختفي تحت بسمته القاتلة وواحة يستظل بها ..تلك هي المدينة كما يراها شكري بلعيد..سنحاول من خلال هذه الصورة أن نسلك طريق حنا آرندت نحو الإجابة عن سؤالين هما هل من معنى للفعل السياسي بينما القسم الأكبر من عالمنا يشبه” الصحراء “القاحلة ؟ هل تكون “الواحة” كما صورها الشاعر وكما تدبّرتها الفيلسوفة مجالا ممكنا للفعل في العالم وفي التاريخ؟

لكي نجيب عن هذين السؤالين لا بدّ أن نعود الى المجازين المعبّرين عنهما وهما مجاز”الصحراء” ومجاز “الواحة”

لقد جاء مجاز الصحراء في قصيدة شكري بلعيد محمّلا بمعان بعضها ألفه العرب في أشعارهم وترحالهم وما زخرت به أيّامهم ومعلقاتهم وبعضها مستحدث من قبيل “المحطات الموحشة” و”العري السرمدي” بعد أن بات ساكنيها من جنس “الضابط المتخفي تحت بسمته القاتلة” و”العسس” و”الأوبئة” وبعد أن كست شوارعها “قرابين الدم الوطني”.. لم تعد الصحراء – ونحن في مطلع سنة 1987رمزا للقحط والجدب والجوع والعطش بل أصبحت الى جانب ذلك ممرا لمدن القتلة ومحطة موحشة تعرّى فيها الروح ويقدّ فيها الجسد “وهجا للمعارك ” الدّامية. فأي معنى عندها للفعل وهو الذي يقتضي الحرية والحياة والنور؟

لعلنا لا نجاوب الصواب إن قلنا إن في تصوير هذا الوجه من المدينة-الصحراء تصوير لنظام سياسي لم يجد من حل لضمان بقائه غير نفي من رأى فيهم صورة حديثة “للصعاليك” في ظلام الصحراء رغم أبوابه المدينة” السبعة”.

لكنّ الشاعر لا ييأس بل إنه يستنهض في روحه بأس الفتى العربي الأصيل فيصنع من هذه الصحراء (إشارة إلى رجيم معتوق) واحة يستظل بها راسما خيوط أمل لا حدود لها. إن “الواحة” كما يخبرنا لسان العرب ومعاجم اللغة ليست كلمة عربية وإنما هي –كالفلسفة- “دخيلة على العرب” كما جاء على لسان أحد فلاسفتها. وأن تكون “الواحة” غريبة عن لغة العرب فليس ذلك مما لا يوقع في النفس حيرة وخوفا. لقد تأملنا في كل المعجم علّنا نعثر على العبارة فلم نجد لها أثرا في المعاجم القديمة كلسان العرب والمحيط والصحاح وتاج العروس ولا حتى” المعجم الوسيط” وهو المعجم الحديث نسبيا. ولم نعثر على ما يدل عليها إلا ما جاء في معجم اللغة العربية المعاصرة حيث نقرأ ما يلي “الواحة مصطلح نطلقه على أرض منبسطة خصبة في الصحراء الرملية «. لم تذكر “الواحة” إذن إلا في معجم واحد هو “المنجد في اللغة والأعلام” وهو من وضع الراهب اليسوعي لويس معلوف وقد وضعه سنة 1908 وقال في مجرى حديثه عنها إن لفظة الواحة “منقولة عن المصرية القديمة أي القبطية”. أما إذا طلبنا مرادفا للعبارة فإننا نجد أن للعرب ألفاظ أخرى ربما تنوب مناب الواحة وأبرزها الحديقة وهي ترمز في قصيدة “صحراء” لشكري بلعيد” إلى الحياة لكنه يسميها في مواضع أخرى” حديقة تونس” ذات الألف لون ولون أو تونس المتعددة المختلفة ذات “الأبواب السبعة”.

يتوضح لنا جليا ما يوحي به لفظ “الواحة ” واستعارة “واحة الفيافي” في قصيدة “صحراء” من ديوان “أشعار نقشتها الريح على أبواب تونس السبعة لشكري بلعيد. إنها توحي بعالم جديد كما تبشر بولادة “سياسي جديد” يقاوم جدب الصحراء مستظلا بالواحة متعددة الألوان بما يوحي برسم فكر سياسي جديد مدافع عن التعدد والاختلاف ضمن فضاء مفتوح مقاوم للانغلاق وللتصحر الفكري. بذلك تصير الاستعارة الشعرية مفتاحا لقراءة الواقع في مستوييه أي كتأويلية للذات وكتأويلية للمدينة مما يجعل منها “وسيلة لحصول الفهم” على حد عبارة إمبرتو إيكو خاصة إذا كانت “استهارة حيّة” بلغة ريكور تقاوم ثقافة الموت والعنف والاغتيال وما استعارة “تونس _حديقة بألف وردة ووردة ” التي جاءت على لسان الشاعر ليلة اغتياله إلا من قبيل تلك الاستعارات التي “نحيا بها” ونقتفي دربها. 

!مشروع الأليكا…مشروع مهلكة

بقلم د.عبد المجيد بنقياس عضو اللجنة المركزية لحزبدالوطنيين الديمقراطيين الموحد

أثار مشروع اتفاقية التبادل الحرّ الشّامل والمعمّق(الأليكاALECA-) المقترح من قبل الاتحاد الأوروبي على الدولة التونسية ضجّة في الوسط السياسي والمهني.وسبب الإثارة هذه يكمن في إطار الاتفاقية والدوافع والمجالات و الآليات من ناحية أولى، وفي ماهية المنتفعين والمتضررين من ناحية ثانية.

من الأسباب الكامنة وراء الضجّة هو تعدّد المجالات المستهدفة بمشروع الأليكا،وهو ما أضفى عليه صفة”الشامل”.لئن أسهب البعض في ذكر القطاع الفلاحي والتداعيات الممكنة(سلبية وإيجابية)فقد أغفل العديد،وعن قصد،ذكر القطاعات الاخرى المستهدفة توجّسا من اتساع رقعة المناهضة،ممّا أوحى للعديد بأنّ الامر يهمّ المجال الفلاحي دون سواه.فالمشروع يشمل عدّة مجالات أخرى،منها الخدمات بأصنافها(تعليم،بحث علمي،هندسة،الصحّة،الإعلامية،الشحن البري والبحري والجوي)،والصفقات العمومية، والثقافة.وللأليكا شروط مؤسساتية وتشريعية ومالية وسياسية واجتماعية وبيئية وأمنية أضفى عليها صفة”المعمّق”.وتزداد المخاطر عند التدقيق في مشروع”إصلاح المؤسسات والمنشآت العمومية”وما ورد بمجلّة المجالس المحلية.لهذا،وجب تعرية إطار الأليكا للكشف عن الجذور المغذية للمشروع،وهي ذات الجذور المغذية لمشروع”الإصلاحات الكبرى”،مشروع إصلاح المؤسسات والمنشآت العمومية، الذي وردت به عدة ترتيبات وإجراءات تحضيرية و/أو مكمّلة للأليكا.

لهذا فمن الضروري التذكير بما أكّد عليه جلّ الخبراء من أنّ أزمات رأس المال،التي بلغ عددها 124 خلال الفترة 1970-2007 حسب ج.إ.ستيغليتز في كتابه”السّقوط الحرّ”،وهي أزمة تراكم بالأساس.ويعود أصل هذه الأزمات إلى التناقضات القائمة صلب نمط الانتاج الرأسمالي،هذا الذي يقوده مبدأ “الإنتاج الكبير للاستهلاك الكثير” قصد مراكمة الأرباح فالدابة السوداء لرأس المال هي كساد السوق.وللكساد هذا عدّة أسباب،منها بالخصوص ضيق مجال التسويق بحكم المنافسة،التي يمجّدها أدعياء هذا النمط الانتاجي،وانحدار القدرة الشرائيةللعائلات والمؤسسات(قطاع إنتاج المواد الاستهلاكية وقطاع إنتاج وسائل الانتاج).ويقدّر منظّرو هذا النمط من الانتاج أنّالوصفة الوقائية والعلاجية تكمن في (i)الاستحواذ على وسائل الانتاج(موارد طبيعية وقوى الانتاج)بأبخس الأثمان؛(ii)احتكار الجزء المادي من قوى الانتاج(أدوات الانتاج وتقنيات)للرفع في الانتاجية،وبالتالي الرفع في كمّية السلع المنتجة،و(iii)استغلال الجزء غير المادي منه(مؤهلات/قوّة العمل،تنظيم/توزيع العمل)بالضغط على الأجور ومنه كلفة الانتاج.وقد توخى هذا النمط الانتاجي،تاريخيا،وسيلتين للاستحواذ والاحتكار:الحروب(مباشرة أو بالوكالة)و/أو الاتفاقيات والبروتوكولات.ويقوم نمط الانتاج هذا على مبدأ قدسية اقتصاد السوق،القائم على المنافسة،والذي يسعى إلى تسليع كلّ حيّ وكلّ شئ،مبدأ يعتبره رهبان هذا التصوّر أنّه”صالح لكلّ زمان ومكان”.كما يدفع المعتقديون في جدوى المنافسة في اتجاه تقليم دور الدولة الاقتصادي؛إذ يعتبر هؤلاء أنّ تدخل الدولة يؤدي إلى غياب المنافسة وبالتالي إلى انحطاط الجودة ومنها إلى انعدام الجدوى الاقتصادية.

إذن فالمحرّك الرئيسي لصائغي مشروع الأليكا يكمن في الأزمة القائمة التي يعيشها رأس المال،والمتنفّس يكمن في”الانفتاح المالي الذي يجبر الدول على التنافس السلبي”،أي التنافس في تخفيض الانفاق الحكومي(تقشّف)وتغييب العدالة الاجتماعية(تملّص)وتخفيض الضرائب(امتيازات)الذي يؤدي إلى انخفاض منسوبها وبالتالي إلى نضوب مصدر من مصادر تمويل الدولة مما يدفع بها الى البحث عن التّمويل الخارجي(تداين واستثمار خارجي مباشر)،وبالتالي إلى”خضوع الدولة لإرادة المستثمرين..ومحاباة الفئة المالكة للثروات المالية..والتنافس للحصول على أسخى المساعدات(أراضي،بنية تحتية،شبكة الكهرباء والماء).”(المصدر:فخّ العولمة_الاعتداء على الديمقراطية والرفاهية- هانس بيترمارتن و هارالد شومان).

انطلاقا من هذا المعتقد جدّ الاتحاد الأوروبي في التبشير بمدى فاعلية السوق لخلق الثروة والنمو في الدعاية لصياغة قواعد جديدة للتعامل متحرّرة من”أغلال”السيادة والتشريعات المحلية،تتماشى مع الأسس المنظمة للعلاقات الاقتصادية والتجارية الدولية التي وضعتها منظمة العالمية للتجارة،تنسف كلّ”عقبة”معيقة للتجارة،مهما كانت صفتها،من رسوم جمركية وإجراءات إدارية ومعايير الاعتماد والمصادقة ولوائح اجتماعية وبيئية وصحية،وحذف الحوافز المرصودة للمؤسسات الصغرى والمتوسطة وللجهات المهمّشة والقطاعات الاستراتيجية…الخ.للجدل القائم إذن رُكن إيديولوجي،حتّى وإن أصرّ الليبراليون على إنكاره لفظيا،يحمل في صلبه ذرّات من التناقض الذي يحكم سيرورة نمط الانتاج الرأسمالي،من ذلك الحرص على تضييق مجال الحريات،حرية التبادل السلعي بابتداع الحواجز الصحية والنوعية والرفع من سقفها،اقتصاديا،والاستناد إلى الحريات السياسية الشكلية،كما يؤكد ذلك العنوان المكثّف للكتاب المذكور أعلاه “فخّ العولمة الاعتداء على الديمقراطية والرفاهية”.

وتعتبر اتفاقية مراكش 1994 الإطار المرجعي للاتفاقيات التي تعقد بين الدول الممضية عليها.تعتمد هذه الاتفاقية على ثلاثة مبادئ أساسية:(i)تسهيل الولوج إلى السوق المحلية؛(ii)تنقيص تدريجي للدعم الموجه للزراعة؛(iii)تخفيض الدعم الموجّه لتصدير المنتجات الفلاحية.وأردفت هذه الاتفاقية بأخرى تخصّ الحواجز غير التعريفية لتسويق المنتجات الفلاحية،شملت حزمة من الترتيبات تهمّ الصحة والسلامة النباتية وحقوق الملكية الفكرية وشروط تقنية.في هذا الإطار تمّت اتفاقية الشراكة المبرمة مع الاتحاد الأوروبي(1995)التي نصّت على الحذف التدريجي للحواجز الجمركية على المنتوجات الصناعية وإحداث منطقة التبادل الحرّ وبعض”الامتيازات”لتسويق المنتوجات الفلاحية(الحصص).وقد نصّت على إعطاء الدولة التونسية مدّة إمهال 12 سنة قصد تأهيل القطاع الفلاحي والخدماتي،حتى تسمح بتكافئ قوى الانتاج وبملاءمة التشريعات في كل من طرفي الاتفاقية.إذن فالأليكا هي مكمّلة لـ”اتفاقية الشراكة”.

لكن الحراك الاجتماعي والسياسي الذي شهدته تونس منذ أواخر سنة 2010 دفع بالاتحاد الاوروبي والحكومات التونسية المتعاقبة إلى تأجيل المفاوضات الخاصة بالأليكا في مرحلة أولى،ثمّ التكتّم عليها في بداية المفاوضات خلال حكومة الترويكا(سنة 2012)في مرحلة ثانية،مما إلى تصنيف تونس بالشريك المميّز(نوفمبر 2012)،وهو المدخل الذي وقع اعتماده لدفع المشاورات الخاصة بالأليكا،دون اعتبار للفارق الحاصل بين تونس،ذات المستوى التكنولوجي الضعيف والقدرات المتواضعة نسبة للاتحاد الاوروبي.لساءل أن يتساءل،هل يجوز الحديث،حتى وفق المنطق الليبرالي،عن تبادل”حرّ”ومزاحمة متكافئة بين تونس ذي الـ 5 مليون هك من المساحة الزراعية والإتحاد الأوروبي الذي تبلغ مساحته الزراعية أكثر من 35 مرّة مساحة مثيلتها بتونس والمتواجد في مدار جيو-مناخي مناسب والحائز على أحدث التقنيات والبنى التحتية.

وباعتبار أنّ الأليكا مكمّلة لاتفاقية الشراكة فمن المنطقي أن يقع تقييم تأثيرات هذه الأخيرة.لكن التداعيات السلبية المكشوفة والمقدّرة جعلت الدوائر المسؤولة تمتنع عن التقييم وتجتهد بالتسريع لإمضاء المشاريع المعروضة(أليكا والاصلاحات الكبرى).لكن ضغط جزء من المجتمع المدني،من خلال بعض المبادرات(إعلان المجتمع المدني)والندوات(الجبهة الشعبية،جمعيات)ومقالات المختصين،أجبرت الحكومة والخبراء الليبراليين على رفع التّكتّم والإفصاح بقبولهم المبدئي لمشروع الأليكا مصحوبة ببعض التحفّظات لتمرير المشروع.لكن اللاّفت للنظر،ولا غرابة في ذلك،هو امتناع الأحزاب الحاكمة(النهضة والنداء)عن الإفصاح عن مواقفها من هذا المشروع ذي الأبعاد الاستراتيجية والتداعيات الخطيرة على أكثر من صعيد.

بالطبع،لمراكمة الأرباح لا بدّ من الاستثمار في مجالات توفّر الحدّ الأقصى من الضمانات والشروط،أولها توفير المناخ المناسب للمنافسة الحرّة وما يعنيه ذلك من الحقّ في النفاذ إلى المعلومة بالكشف عن التراتيب والصفقات،والتساوي أمام القانون والإجراءات دون تمييز في الحوافز،إلى جانب توفر الضمانات الأمنية وضمان حقّ الملكية الفكرية لحماية الشركات المستثمرة في الإبداع التكنولوجي والعلمي والفكري والفني،وحقّ التقاضي أمام الجهات التي يرى فيها المستثمر أكثر انحياز له.ومن المنطقي،وفق وجهة النظر هذه أن يقع تقزيم حجم تدخّل الدولة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية.ومن البديهي،انطلاقا من المبدأ القائل”لا فائدة من إنتاج مادة لا تباع”،أن يميح المستثمر إلى الأنشطة الأكثر ربحية،وحيث تتوفر الموارد بأصنافها،الطبيعية والبشرية والتقنية.وباعتبار أنّ”تونس متخصصة بدرجة عالية في تجارة الخدمات في منطقة الاتحاد الأوروبي”وباعتبار حاجة الاتحاد الأوروبي لأسواق خارجية لترويج المواد الغذائية المصنّعة والحاجة إلى فضاء جغرافي لإنتاج الطاقة”البديلة”يؤكد مشروع الأليكا على الأنشطة الخدماتية والفلاحة.والاختصاصات المعنية في القطاع الخدماتي،كما عدّدها دليل منظمة التجارة العالمية،هي:خدمات قانونية(محاسبة واستشارة جبائية)؛هندسة معمارية؛صحية(طبّ،طب الأسنان،الطب البيطري)؛خدمات شبه طبية(ممرضات،أخصائيي العلاج الطبيعي)؛إعلامية والخدمات ذات الصلة؛البحث والتنمية؛خدمات في النشاط العقاري والإيجار؛الدعاية والإعلان.

والتناقض الذي لا يخلو منه نمط الانتاج القائم يكمن في حرية الاستثمار والتسويق وتكديس الربح مقابل تضييق هذا المجال على المنافسين،سواء كانت شخصية أو معنوية.لهذا عمدت الدول الصناعية إلى الضغط عبر معيار الصحّة والسلامة النباتية من خلال التأكيد على ضرورة تغيير المعايير غير الجمركية الخاصة بالمواد الصناعية،بما فيها المواد الغذائية المصنعة والمنتجات السمكية،والمواد الفلاحية الأخرى لتتلاءم مع نظيرتها بالاتحاد الأوروبي.

وممّا يوحي ببداية تنفيذ الاليكا، في غفلة من ضحاياها المفترضين، هناك نصوص تشريعية وإجراءات تنفيذية وترتيبية تمّ اتخاذها للغرض.من هذه التشريعات يمكن ذكر ما يلي:

 (i) القانون عدد 49 لسنة 2015 المؤرخ 27 نوفمبر 2015 الخاص بالشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص الذي يجيز ضمنيا وفق ما ورد في الفصل 24″رهن البناءات والمنشآت والتجهيزات الثابتة موضوع عقد الشراكة لضمان القروض التي يبرمها الشريك الخاص…”.للقارئ أن يدرك حجم التداعيات الاقتصادية والقانونية والسياسية لهذا الإجراء لمّا يعلم بما ورد في مشروع الأليكا في محور”الاستثمار”الداعي إلى حماية المستثمر الأجنبي،وما ورد في الكتاب الأبيض الخاص بإعادة هيكلة المؤسسات والمنشآت العمومية”في المحور الخاص بـ”الصفقات العمومية”(حقّ المشاركة في المناقصات)ومحور”الحوكمة والشفافية”(حقّ النفاذ إلى المعلومات).وقد يدرك القارئ كذلك حجم المخاطر المحيطة بالمؤسسات الصغرى والمتوسطة(أغلبية)الناشطة في المجالات التي يشملها القانون،هذه التي لا تملك الموارد المالية ولا المؤهلات التكنولوجية ولا الفنية التي تحوزها الشركات الأوروبية العملاقة.  

ii)) القانون عدد 71 لسنة 2016 الخاص بالاستثمار الذي”يخول…لكل شخص طبيعي أو معنوي سواء كان تونسيا أو أجنبيا،مقيما أو غير مقيم أو في نطاق الشراكة،من الاستثمار بحرية في قطاع الفلاحة والصيد البحري.ويضبط القانون شروط لحماية المستثمر (الفصل 7  من العنوان الثالث من المجلة_ضمانات المستثمر وواجباته).

(iii) الأمر الرئاسي عدد 67 بتاريخ 2 ماي 2017 الذي يجيز اعتماد البراءات الأوروبية دون موافقة مسبقة من الجهات التونسية المختصة لتصبح هذه البراءات قابلة للاستغلال على قدم المساواة مع البراءات التونسية تجسيدا لمبدأ“المعاملة الوطنية”للمؤسسات الأوروبية وتأمين حقوق الملكية الفكرية.

(iv) مشروع إصلاح المؤسسات والمنشآت العمومية_مارس 2018.هو مشروع يستهدف النسيج المؤسساتي للدولة للتقليص من وظائفها وتمكين رأس المال الخاص مما تبقى من منشآت عمومية وتمكينه من التموقع صلب خلايا القرار السيادي.فقد ورد حرفيا في محور”منظومة الحوكمة الشاملة للمؤسسات العمومية”ما يلي:”إعادة النظر بصفة كلية لدور الدولة،خاصة دور الدولة المساهمة ومراجعة دور الوزارات الفنية وعلاقتها مع المؤسسات العمومية في القطاعات التابعة لها..”.كما يهدف المشروع إلى إعادة النظر في منظومة الحوكمة الداخلية للمؤسسات العمومية بهدف استقلالية القرار التنفيذي،وهو ما سيؤدي حتما إلى تجسيد المقاربات المنظوماتية والقطاعية ممّا سيصبغها بطابع اللاّتجانس واللاّتكامل مع التغافل عن التداعيات السلبية،الاقتصادية والاجتماعية والبيئية.كما نصّ المشروع على”فتح الاكتتاب في رأس مال الشركات العمومية لتحفيز الموظفين والآخرين من أصحاب المصلحة”وهو ما قد يتيح لأصحاب رأس المال بتوجيه الاستثمار نحو المجالات والانشطة التي يريدون والتحكم في منسوب الاستثمار وفق حاجيات السوق.أمّا في المحور الثالث فهناك دعوة إلى”تحفيز الحوار الاجتماعي،والمسؤولية المجتمعية والتصرف في الموارد البشرية”من خلال إنشاء هيئة حوار اجتماعي على المستوى الوطني لـ”إضفاء الطابع المؤسساتي على الحوار الاجتماعي داخل كل شركة ومؤسسة(توضيح دور ومسؤوليات النقابات في إدارة المؤسسة)”.ويأتي تأسيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي،الذي تمّ إعلانه في ديسمبر 2018.في هذا الإطار،يمكن استهداف العمل النقابي.

(v) مجلة الجماعات المحلية_جوان 2018 التي متّعت المجالس المحلية والجهوية والإقليمية للتنمية بعدة صلوحيات عمادها مبدأ الشراكة بين القطاع العام والخاص وأحقية عقد الصفقات مع الذوات الشخصية والمعنوية سواء محلية أو خارجية.

بعد الكشف عن طبيعة الوقود الإيديولوجي والسياسي لمشروع الأليكا،وبعد بسط المحركات والإطار العام والخصوصي لهذا المشروع، وبعد تعداد أهمّ القوانين والأوامر التحضيرية لتسهيل تنفيذ الأليكا يمكن التأكيد على جدية المساعي لتحجيم دور الدولة الاقتصادي والاجتماعي(خوصصة المؤسسات والمنشآت)وحصر وظيفة الدولة في تأمين ظروف الاستثمار وتحرير المؤسسات النقدية والمالية(استقلالية البنك المركزي)لفتح المجال لفاعلين آخرين(الشركات الاحتكارية متعدّدة الجنسيات والعابرة لسيادة الدول)، وأمام التعبئة الإعلامية بقيادة الخبراء المخبرين المخرّبين لسائل أن يتساءل:ما العمل؟ كما تبيّن فالمجالات المعنية بمشروع الآليكا عديدة ومتشابكة،تشمل مجالات الانتاج المادي(الفلاحة والصناعات الغذائية)والإنتاج غير المادي(تعليم،طبّ،هندسة،إعلامية)والمجالات الضرورية والمساهمة في عملية الانتاج(خدمات متنوعة).ويصنّف المشروع المجالات إلى إثنى عشرة مجالا.لذا فالأمر لا يهمّ الاقتصاديين والسياسيين فحسب،بل يهمّ المستهدفين مباشرة بالأليكا،من صغار ومتوسطي الصناعيين والفلاحين والتجار،ورجال التعليم والأطباء والمهندسين وخبراء المحاسبة وفنانين،ويهمّ كذلك الوطنيين من علماء الاجتماع وفلاسفة وإعلاميين وعلماء البيئة والطبيعة..الخ.لهذا فقد حان الوقت لعديد المختصين والمهنيين وكلّ من يعارض الاتفاقية من مكونات المجتمع الوطنية،من أحزاب(الجبهة الشعبية)ومنظمات(اتحاد الشغل،اتحاد الفلاحين)وهيئات مهنية(المحامين والمهندسين والبياطرة والأطباء)بأن تتلاقى حول أجندة للتحرك المشترك للحيلولة دون إمضاء مشروع الأليكا(المشروع المهلكة)ودون التنفيذ الفعلي لمشروع”إصلاح المؤسسات والمنشآت العمومية”وهو ما يستدعي بالضرورة التطارح من أجل صياغة بديل سياسي-تنموي.

الكورونا التي فضحتكم…

في تدوينه نشرها ايمن العلوي عضو المكتب السياسي لحزب الوطنيين الموحد على صفحته الحاصة فايسبوك

كتب. “…اعلام السيستام ينصح التونسيين بعدم الدخول في هيستيريا او في المبالغة في الخوف . اي بعبارة اخرى يريدون من التونسيين ان لا يكونو منطقيين ، علميين ، ان يدفعو دفعا الى مقاربات الشعوذة و الخرافة .
الكلكم تابعتو ماذا قال العلم و الاطباء عن كيفية انتقال العدوى . اذن ؟ كيفاش تحبو التوانسة ما يخافوش !!! و هوما يشوفو في حالة كيرانهم و ترينواتهم و ميترواتهم و لواجاتهم و تاكسياتهم الجماعية ، حالة اكتضاضها و قذارتها و غياب ادنى شروط السلامة في هكذا ظروف خطيرة ، كيفاش ما يخافوش و هوما يعرفو حال سبيطاراتهم و تجهيزاتها و امكانياتها ، يعرفو حال مدارس اولادهم و معاهدهم و جامعاتهم اللي ما تنجمش تتعامل مع جرح صغير ما بالك بهكذا ظواهر ، و هوما يعرفو حال فضائاتهم العامة : مقاهي ، مطاعم ، محلات ، فضائات تجارية ، مساجد ، حانات …و غياب اي رقابة صحية فيها و اي نوع من انواع الاستنفار او الاجراءات الاستثنائية ، والاهم انهم يعرفون جيدا من يحكمونهم ، و انهم لا يأبهون مطلقا ان عاشو او ماتو فهم يوفرون لهم الف سبب و سبب للموت في البحر و في الطريق و في المدرسة و في الحقل و ربما الموت مباشرة بعد الولادة .
انتم تمنعون خوفا منطقيا و عقلانيا عن شعبنا لانه يكشف عورتكم و يفضح دجلكم.
“لتحيا #الكورونا التي فضحتكم .