الفخفاخ، جنرال بدون جنود

الاستاذ:محمد بوزيد

تمثل حركة النهضة الثابتة الوحيدة في الحكومات السياسية المتعاقبة في تونس في العشر سنوات الأخيرة، و من موقع متقدم. ولكنه ورغم ذلك نسجل تراجع نتائجها الانتخابية و تراجع عدد نوابها في مجلس النواب وباستمرار وفي كل المحطات الانتخابية المتعاقبة منذ أكتوبر 2011 الي ذرجة عدم القدرة إثر انتخابات أكتوبر 2019 الاخيرة على تشكيل حكومة. و رغم ذلك تبقى الحزب الأول في البرلمان,والحزب الاول من حيث القوة بين الاحزاب السياسية فهي الاقدر هلى الفعل السياسي رغم التراجع .

فالنهضة و ان كانت جزءا من حكومة الفخفاخ فانها اقتربت كثيرا من نبيل القروي و حزب قلب تونس و أصبحت، عدديا، تستطيع إسقاط الحكومة الجديدة في كل وقت. فبالاضافة الي كتلتها البرلمانية ( 54) نائب، و كتلة حزب قلب تونس (38) تستطيع في كل وقت الاعتماد على كتلة ائتلاف الكرامة (20) مما يعني عدديا أغلبية ب 112 نائب في مجلس قوامه 217. وهذه الاغلبية هي مجموعة غير متجانسة لا يجمعها رابط ايديلوجي او برنامجي واضح سوي الانتهازية و الرغبة في حماية المكاسب و الدفاع عن ملفات بعينها، وهي كثيرة لكل منهما، للافلات من القضاء و العقاب.

وحكومة الفخفاخ، التي تمثل حركة النهضة الحزب الأول فيها، هي حكومة ضعيفة و مهتزة و لا أمل لها في الحياة طويلا إذ ليس لرئيس الحكومة من سند او ظهير سياسي عدي رغبة النهضة.
حكومة الفخفاخ مليئة بالفخاخ، و قد بدأ بعدُ التراشق الكلامي و التلاسن بين مكوناتها و خاصة بين حركة النهضة و بين التيار الديمقراطي و حركة الشعب في حرب كلامية و تشويه متبادل ، و هما حزبان و ان كانا يؤسسان شرعيتهما على شعارات محاربة الفساد و تقليص الفقر و التهميش، الا ان قبولهما التحالف مع حزب ( النهضة) ونتيجة حكمه صفر طيلة العشر سنوات الأخيرة و مستعد في كل وقت الانقلاب على تعهداته و حلفائه اي يبيع القرد و يهزأ من الشاري وهي ميزة يعرفانها جيدا و لن تكون مفاجئة لهما، يجعل من امل حياة هذه الحكومة قصيرا جدا الا اذا انفتحت شهيتهما لتقاسم السلطة و النفوذ مقابل بعض الفتات، وهو امر غير مستبعد و لكن وقوعه سيكون مقدمة لاندثارهما.

ستشهد حركة النهضة قريبا مؤتمرا مصيريا تنتقل فيه رئاستها الي الصف الثاني من القيادات بعد أن استهلك الغنوشي كل رفاقه شركاء التاسيس من شمام و مورو و كركر و الجبالي و غيرهم و كل السؤال يتركز حول من سيخلفه، قيادة من “الغائلة” تسمح للغنوشي بمواصلة التحكم من خارج الموسسات في القرارات و في كنز النهضة المالي ام قيادة جديدة متحررة من سلطته. إن النزاع داخل النهضة يدور حول مدى المرونة الضرورية لممارستها السياسية و حول بعض التكتيكات و طرق التسيير الداخلي و ليست حول رؤى مختلفة جذريا.

هنا نسجل تذبذب، أو خوف، أو حذر شديد ، في التكتيكات السياسية لحركة النهضة يبرز من خلال ترشيح شخصية لا وزن لها مثل السيد حبيب الجملي لتشكيل الحكومة و مرده عدم الرغبة في لعب الأدوار الأولى و تقديم شخصية ضعيفة سياسيا تتلقي الضربات مكان النهضة و تمثل درعا لها. الغنوشي يفضل ان يتقدم في حقول لا ألغام فيها، حقول مضمونة لانه بقى مصدوما من التجربة الجزائرية إثر إلغاء نتائج انتخابات الدور الأول في تسعينات القرن الماضي وهو بعد كل المكاسب التي حققها ليس مستعدا الي العودة إلى المنفى او السجون.

ان تحقيق إنجازات سياسية ( محكمة دستورية، استقرار سياسي، استقلالية القضاء، دمقرطة الحياة السياسية و نزع هاجس العنف و الاحتقان منها) و إنقاذ البلاد من تردي الوضع الاقتصادي و الاجتماعي هي اخر اهتمامات النهضة و هواجسها لذلك اتوقع ان لا تستطيع هذه الحكومة تحقيق اي إنجاز و لن تبقي لكامل المدة النيابية بل وان يتواصل التلاعب و انعدام المسؤولية و ما مشاريع القوانين المقترحة اخيرا و التي تتقدم بسرعة ( قانون العتبة الانتخابية لاقصاء المعارضة و قانون منح جواز السفر الدبلوماسي لاعضاء مجلس النواب) الا دليل على نوعية أولوياتها.

ويبقى الصراع الاهم الذي ستخوضها النهضة قريبا سيكون مع رئاسة الجمهورية بهدف تدجينها او تطويعها خاصة و ان الرئيس لا يمكن التنبؤ بخطواته و ليست ورائه ماكينة سياسية و اعلامية و شعبية مثل تلك التي لدى النهضة و لأن لمؤسسة الرئاسة سلطات حقيقية تستطيع مضايقة النهضة مثل قيادة مجلس الأمن القومي و حرية المبادرة التشريعية و إمكانية تحريك القضاء العسكري و ختم القوانين.

ان كل ما تقدم ليس له أي علاقة بانتظارات الشعب و مشاكله. النقطة الايجابية الوحيدة هي أن الفرز السياسي بين الأحزاب و مصداقيتها يتعمق و الوعي بخطر الشعبوية و الخلط بين الدين و السياسة يزداد بفضل هاته التجربة المركزة في فترة زمنية قصيرة جدا.

.