
حين اغتيل حسين مروّة في بيروت سنة 1987، لم يكن الهدف إسكات شيخٍ جاوز السبعين، بل إعدام مشروعٍ فكريٍّ كامل أراد أن يُحرّر التراث من قبضة الظلامية، وأن يربط النهضة بالصراع الاجتماعي، والعقل بالتحرّر.
وحين اغتيل شكري بلعيد في تونس سنة 2013،كان المقصود، كسر حلقةٍ من حلقات اليسار الذي اختار أن يكون في صفّ الشعب، لا في ظلّ السلطة ولا في هوامشها.
الاغتيالان ليسا حدثين معزولين. إنهما لحظتان في حربٍ واحدة: حرب الرجعية على العقل، وحرب الاستبداد على السياسة حين تتحوّل إلى أداة تغيير.
لو تخيّلنا شكري بلعيد واقفًا ، يؤبّن حسين مروة،( شكري فعلا ابّن الشهيد حسين مروّة وسط حشد طلابي في كلية الاداب بتونس) لما اكتفى بالمراثي… لقال بوضوحه المعهود:” لم يقتلوك لأنك شيخ عجوز، بل لأنك خطير… خطير لأنك أثبتَّ أن العقل حين يتحالف مع الفقراء يصبح سلاحًا ..خطيرلانك أثبتَّ أن هذا التراث يمكن أن يُقرأ ضدّهم ولذلك قتلوك.. قتلوك لأنك نزعت القداسة عن سلطتهم، وكشفت أن الظلامية ليست دينًا… بل سياسة.”.
يواصل شكري متوجها الي الجمهور الواسع، لا إلى مروّة،:”الذين أطلقوا الرصاص هناك، هم أنفسهم من أطلقوه هنا.. قد تتغيّر الأسماء لكن البنية واحدة”.
في اغتيال حسين مروّة كان الخوف من تفكيك الأساس النظري للهيمنة الرجعية.
وفي اغتيال شكري بلعيد كان الخوف من تحوّل الفكرة إلى قوة شعبية منظَّمة.
الأول اشتغل على التراث ليُنتج عقلًا نقديًّا عربيًّا متحرّرًا.
والثاني اشتغل على الواقع ليُنتج جبهة مقاومة للاستبداد والارتهان.
كلاهما فهم أن معركة التحرّر ليست شعارًا، بل صراعًا طويلًا مع منظومة امبريالية تُعيد إنتاج التبعية، ورجعية دينية تُعيد إنتاج الخضوع، وكمبرادور يرى في كل مشروع وطني تهديدًا لمصالحه.
شهيدٌ يُؤبِّن شهيدًا… وكأن الزمن الثوري لا يموت، بل يتوارث الشهادة.
الذين ظنّوا أن الرصاص يُنهي الفكرة، لم يفهموا أن الفكرة حين تدفع ثمنها دمًا تتحوّل إلى ذاكرة جماعية.
من بيروت إلى تونس،من سرير مفكّرٍ ,شيخ في السبعين إلى باب منزل زعيم قائد ثوري في ريعان الشباب وفي قمة الحيوية, الرسالة واحدة.. والصراع لم يكن يومًا حول أشخاص، بل حول من يملك الحق في تفسير العالم… ومن يملك الحق في تغييره.
وهنا تحديدًا يلتقي حسين مروة بشكري بلعيد. لا في الموت، بل في المعنى. فإذا كان مروّة قد علّمنا أن تحرير التراث شرطٌ لتحرير الوعي، فإن بلعيد ذكّرنا بأن تحرير الوعي بلا تنظيمٍ سياسيٍّ صلب يبقى نصف معركة.
الشهيدان لا يحتاجان إلى دموعٍ بقدر ما يحتاجان إلى استكمال ما بدآه الى اعادة بناء يسارٍ جذريٍّ، واضح العدوّ، واضح البرنامج، لا يساوم على العقل، ولا يساوم على السيادة، ولا يساوم على حقّ الشعب في أن يحكم نفسه بنفسه.
شهيدٌ يُؤبِّن شهيدًا… والتاريخ يُسجّل: الرصاص واحد، والعدوّ واحد، والمعركة مستمرّة.
اكتشاف المزيد من WWW.Eddarb.COM
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
