
نجت لجنة نوبل هذه السنة من كارثة سياسية وأخلاقية كادت تعصف بما تبقى من مصداقيتها، حين تمّ الترويج لترشيح دونالد ترامب لنيل جائزة نوبل للسلام لعام 2025، في الوقت الذي يواصل فيه دعمه المطلق لحرب الإبادة الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني في غزة. غير أنّ امتناع اللجنة عن منحه الجائزة لا يعني بأي حال من الأحوال أنها استعادت استقلاليتها أو نزاهتها، بل بالعكس، فقد كشفت مجددًا عن طبيعتها المنحازة ضد قوى التحرر و ضد إرادة الشعوب التائقة للحرية والانعتاق.
منذ عقود، تحوّلت جائزة نوبل للسلام من تكريمٍ رمزي لنضالات الشعوب إلى أداة تلميع لأنظمةٍ وشخصياتٍ ارتبط اسمها بالهيمنة والعدوان. فكيف يمكن تفسير منح الجائزة لشخصيات شاركت في تدمير بلدانٍ بأكملها، أو لمنظماتٍ غربية تتستر على جرائم الحرب بحجة “السلام”؟ إنّ هذا الانحراف في وظيفة الجائزة لم يعد مجرّد خطأ في التقدير، بل أصبح انعكاسًا لمنظومة قيم غربية تعتبر الهيمنة شرطًا للسلام، وتتعامل مع مقاومة الشعوب على أنها تهديد للاستقرار الدولي.
لقد مثّل ترشيح ترامب للجائزة لحظة كاشفة لهذه الأزمة الأخلاقية، إذ لا يمكن بأي منطق منح رمزٍ للعنصرية والإمبريالية الحديثة جائزة تحمل اسم السلام، بينما هو من دعم الإبادة في غزة، وشرعن التوسع الصهيوني، وهدّد بإشعال حروب جديدة في العالم. لكن الأخطر من الترشيح نفسه هو صمت اللجنة وتواطؤها الضمني، إذ لم تُصدر أي موقف يدين هذا العبث السياسي، مما يجعلها شريكًا في مسار تطبيع الجرائم باسم السلام.
ولم يكن اختيار ماريا كورينا ماتشادو لجائزة نوبل للسلام لعام 2025 سوى تأكيد جديد على هذا الانحياز الممنهج. فهذه الشخصية التي تُقدَّم في الإعلام الغربي كرمز “للنضال الديمقراطي” في فنزويلا، ليست سوى الوجه الليبرالي للمعارضة المدعومة أمريكيًا ضد حكومة نيكولاس مادورو.
ماتشادو تمثل التيار الأكثر انفتاحًا على واشنطن، وقد لعبت دورًا محوريًا في محاولات زعزعة النظام البوليفاري الذي أسّسه تشافيز، من خلال الدعوة إلى العقوبات الاقتصادية والتدخل الخارجي بذريعة “إنقاذ الديمقراطية”.
منحها الجائزة ليس دعمًا للسلام كما يُزعم، بل تزكية سياسية واضحة لمشروع أمريكي هدفه إسقاط نموذج فنزويلا الاستقلالي الذي قاوم عقودًا من الهيمنة . لقد أرادت لجنة نوبل أن تُرسل رسالة إلى كل الحكومات التي تتحدى واشنطن: بأن المعارضة الليبرالية المدعومة من الخارج يمكن أن تُكلَّل بجائزة عالمية، حتى ولو كان ثمنها حصار الشعوب وتجويعها.
وهنا يتجلى جوهر المفارقة: تُكافأ المعارِضة التي تدعم العقوبات، بينما يُعاقَب النظام الذي يواجهها لأنه يتمسك بسيادته.
إنّ جائزة نوبل للسلام، في صورتها الراهنة، لم تعد تعبّر عن تطلعات الشعوب إلى العدالة والحرية، بل أصبحت جزءًا من النظام الرمزي للهيمنة الغربية، تُوزَّع وفق مقاييس الولاء السياسي لا وفق معايير النضال الإنساني. لقد فشلت اللجنة في إخفاء جوهرها الحقيقي: مؤسسة غربية تخضع لحسابات القوى الكبرى، أكثر مما تخضع لقيم السلام العالمي.
لهذا فإن معركة استعادة المعنى الأخلاقي للسلام تمرّ اليوم عبر نزع القداسة عن هذه الجوائز الشكلية، وإعادة الاعتبار للنضالات الحقيقية التي يدفع ثمنها المناضلون بالدم والسجون والحصار، لا بالتصفيق في القاعات الفخمة لأوسلو.
السلام لا تمنحه لجان منحازة، بل تصنعه الشعوب حين تُقاوم الظلم وتكسر القيود.
اكتشاف المزيد من WWW.Eddarb.COM
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
