لهذا هناك وطد و وطد…

راي/بيرم بن العيفة 27 سبتمبر2024

“القرآن لا ينطق بل ينطق به الرجال “ علي بن أبي طالب

اقتضى الأمر كثيرا من الزمن والثورات المعرفية حتى تمثلنا بدقة معنى هذا القول الذي يحيلنا إلى أن الفكر/النص/الخطاب …الخ ليست له هوية محددة في ذاته وعليه فإنه لا يتخذ لنفسه موقعا في التاريخ بل يتخذ موقعه من طبيعة من يحمله. فنفس القرآن الذي حرر العبيد زمن المواجهة مع ملأ قريش عاد ليستعمل كمبرر لاتخاذ الجواري والعبيد زمن الأمويين والعباسيين …الخ
وهذا ينسحب على جميع النصوص بما فيها الماركسية التي تعد فلسفة التحرير الأقصى للبشر فالماركسية التي جاءت لتحرير العمال في القرن التاسع عشر تحولت في النصف الثاني من القرن العشرين إلى فلسفة تبرر الاستغلال الأقصى للعمال في الاتحاد السوفياتي ؟!!!كذلك قبلها فلسفة الانوار والحداثة فبقدر ما كانت تقدمية زمن صراع البورجوازية مع الإقطاع الأوروبي بقدر ما أصبحت رجعية زمن تحول البورجوازية إلى طبقة تقتضي مصالحها استعمار باقي شعوب الأرض واستغلالهم فكانت فكرة الحرية العمود الفقري لتبرير الاستعمار كما أن فكرة حقوق الإنسان الآن تشكل المبرر الرئيسي لتدخل الإمبريالية الأمريكية في مختلف مناطق العالم ؟!!
هذا القانون ينطبق على الطرح الوطني الديمقراطي …فهو ليس ثوريا في ذاته بل هو ثوري حين يكون ملتصقا بالحركة الثورية التي تسعى للتغيير وهو نقيض ذلك حين تلبسه السلطة الرجعية كقناع لخداع الجماهير وفي هذه الحالة بالذات تنتدب السلطة الأفراد والمجموعات الانتهازية للعب هذا الدور ..فتصبح الوطنية هي حماية النظام بتعلة التصدي لمناورات الخارج وهذا إفراغ للمفهوم من محتواه السياسي الطبقي ممثلا في فك الارتباط مع الإمبريالية وتصفية الاستعمار كواقع اقتصادي وسياسي مضمن في اتفاقات ومعاهدات وقوانين تؤمن الهيمنة الأجنبية على ثروة البلاد وتتيح لها استغلال القوى المنتجة فيها .
تاريخ تونس المعاصر عرف حالات غير محدودة من انتقال أفراد ومجموعات انتهازية إلى صف السلطة وطد وقوميين واسلاميين …الخ دون استثناء بمافي ذلك السلفية…لكن كل تلك الانتقالات فشلت في إحتلال محل قيادة التنظيمات التي انتقل منها وامتلاك العنوان السياسي الذي جاءت منه .

ومنها من كتب بيان سبعة نوفمبر بعد أن احترف في حزب الدستور وآثار التعذيب على أجساد رفاقه لم تمحى بعد ودماء رفيقه الشهيد حمادي زلوز لم تجف بعد فشل في تصفية الطرح الوطني الديمقراطي وفي إنهاء الوجود السياسي للوطد ففي الوقت الذي كان فيه يرقن بيان سيده الجنرال بن علي وهو جاث على ركبتيه تحت جزمته العسكرية كان الشهيد شكري بلعيد يخط أحد أهم الدرر الفكرية والسياسية للتيار الديمقراطي “7 نوفمبر الدوافع والدلالات ”
لهذا هناك وطد ووطد ..هناك وطد يساري سليل محمد هماني وحمادي زلوز وفتحي فلاح وفاضل ساسي وشكري بلعيد وهناك وطد البلاط وطد ماهوش يسار وطد دولتي يعادي اليسار ..التناقض الرئيسي في وعيه المقلوب مع المعارضة اليسارية وليس مع السلطة الحاكمة …هذا الوطد فعل كل شيئ …ساند الباجي قائد السبسي وصدق أن عبير موسي تقود حركة التنوير ضد الاخوان المسلمين ولو تم قبول ترشح منذر الزنايدي لوجدت افرادا منه في حملته الانتخابية هذا الوطد سليل ذاك الذي ذكرت وغيره ممن يشحذون موقعا عند السلاطين ويبررون سياسات معادية للمصالح التي يسعى الطرح الوطني الديمقراطي لتمثيلها والدفاع عنها منه من وزرته عائلة قائد السبسي ومنه من همت به فهم بها وكان قاب قوسين أو أدنى..
أخيرا الطرح الوطني الديمقراطي لا ينطق بل تنطق به مناضلات ومناضلين ليست لهم مصالح خاصة بمعزل عن مصالح المضطهدين والمستغلين ولا يفصلون المسالة الوطنية ولا المسألة الديمقراطية عن الهدف الأسمى للتاريخ وهو تجاوز الرأسمالية وبناء مجتمع المنتجين الاحرار لذلك هم يسار بالضرورة ومكون من مكونات اليسار التونسي الذي قارع الاستبداد منذ العهد البورڨيبي ولا يزال ولن تستطيع كل المشاريع التصفوية أن تجير اطروحاته وخطابه وشعاراته لصالح التحالف الطبقي الرجعي العميل مشاريع يحملها البعض ممن ينطبق عليه قول محمود درويش :
“يثرب أجرت قرآنها ليهود خيبر ” فهم أجروا لسان الوطد للسلطة فنطق برطانة غريبة ،مفضوحة ومثيرة للسخرية .


اكتشاف المزيد من WWW.Eddarb.COM

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليقاً