ليس أخطر على الشعوب من الحروب إلاّ “السلام” الذي يُفرض عليها وهي تنزف…

راي/ برهان13-02-2026

ما يُروَّج اليوم تحت مسمّى “مجلس سلام ترامب” في غزة ليس مبادرة لإنهاء الاحتلال، بل محاولة لإدارته بوجه جديد بعد أن فشلت آلة الحرب في كسر إرادة الفلسطينيين والأخطر من الفكرة ذاتها هو إشراك الجلاد نتنياهو فيها، وكأن التاريخ يُعاد كتابته بمداد القوة لا العدالة.

ما يُطبخ ليس اتفاقًا تاريخيًا، ولا مسارًا سياسيًا جادًا، بل صيغة إدارية وأمنية هدفها تثبيت الإبادة وإعادة هندسة القطاع بما يخدم أمن العدو الصهيوني واستقرار منظومة التطبيع.

فبعد حرب مدمّرة لم تحقق الحسم الذي وعدت به ” تل أبيب”، وجدت واشنطن نفسها أمام معضلة مزدوجة فمن جهة, اللا قدرة على إعادة احتلال مباشر طويل الأمد لغزة بكلفة منخفضة. ومن جهة أخرى لا إمكانية لترك القطاع خارج منظومة الضبط الإقليمي.

وفي هذا الاطار كان الحل المقترح بنقل الصراع من سؤال التحرر الوطني إلى سؤال “الحوكمة”، ومن مواجهة استعمار, إلى إدارة أزمة إنسانية.اي تحويل غزة من ساحة مقاومة إلى ملف إداري تحت إشراف دولي/إقليمي، بلا سيادة حقيقية، وبلا أفق سياسي واضح .والأعمار في هذا السياق ليس فعل تضامن، بل أداة ضبط. ومن يُموِّل يفرض الشروط.

وإذا كان أصل المشروع ملتبسًا، فإن إشراك نتنياهو كعضو في “مجلس سلام ترامب” يحوّله إلى فضيحة سياسية وأخلاقية كاملة.فالرجل الذي يقود حربًا وُصفت دوليًا بالإبادة والملاحق قضائيا داخليا بتهم فساد وخارجيا بأوامر اعتقال أصدرتها المحكمة الجنائية الدولية ضده بتهمة ارتكاب جرائم حرب في غزة.، يُعاد تقديمه كشريك في “السلام”. وهذا قمة العبث

ان وجود مجرم الحرب نتنياهو في مجلس من هذا النوع يعني عمليًا: شرعنة نتائج الحرب سياسيًا وتحويلها إلى معطى تفاوضي معترف به. وتوفير مظلة لإفلاته من المساءلة والعقاب عبر إدماجه في مسار سياسي تدعمه واشنطن.فضلا عنإعادة تسويقه داخليا كرجل دولة لا كرجل أزمة، في ظل الانقسام الحاد والضغط المتزايد من الشارع  والمؤسسة الأمنية الصهيونية.

هنا لا يعود “السلام” قطيعة مع الحرب، بل استمرارًا لها بأدوات إدارية أقل صخبًا.

“مجلس سلام ترامب” لا يمنح الفلسطينيين سيادة، ولا يعترف بحق تقرير المصير، بل يطرح إدارة انتقالية مفتوحة، تُراقَب فيها غزة وتُموَّل وتُدار، بينما يبقى القرار الأمني والاستراتيجي بيد العدو الصهيوني وحلفائه.

وقد تُشارك أطراف عربية تحت عنوان الإعمار، وقد تُستدعى السلطة الفلسطينية كشريك إداري، لكن جوهر المعادلة يظل ثابتًا: ( الأمن للكيان الصهيوني، التمويل مشروط، والسياسة مُفرَّغة من مضمونها التحرري).
بهذا المعنى، يتحول “السلام” إلى إعادة توزيع أدوار داخل المنظومة نفسها التي أنتجت الكارثة.اي إعادة دمج الصهيوني في الإقليم بعد الحرب، وتثبيت معادلة مفادها أن القضية الفلسطينية يمكن احتواؤها إداريًا دون حلّها سياسيًا

واشراك نتنياهو في هذا السياق يحمل رسالة رمزية خطيرة وهي أن من يمتلك القوة يستطيع الانتقال من قيادة الحرب إلى هندسة التسوية، دون مساءلة، ودون ثمن سياسي حقيقي وهذه ليست فقط صفعة للفلسطينيين، بل تقويض لفكرة العدالة الدولية ذاتها.


اكتشاف المزيد من WWW.Eddarb.COM

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليقاً