الإبادة الثقافية… وعيٌ يقاتل كي لا يُمحى! 

كلمة مروان عبد العال في الجلسة الثقافية: الثقافة بعين العدو في أكاديمية دار الثقافة
في 20ّ نوفمبر 2025

بعد الشكر والتقدير لأكاديمية دار الثقافة، تقديمًا وإعدادًا لهذا اللقاء الفكري بعنوان (الثقافة بعين العدو: تفكيك سردية الإبادة الثقافية) الذي يضيء آفاقًا جديدة للحوار، وأغنى فضاء المعرفة بروح إبداعية بين الحاضرين. اود طرح ثلاثة نقاط في تفكيك الابادة الثقافية ومآلاتها. 

1. الإبادة الثقافية الخفيّة: القاتل الصامت للشعوب

كما تُوصَف بعض الأمراض بأنها “القاتل الصامت”  او الخبيث الذي ينخر الجسد بلا ضجيج حتى يستلب روحه، يمكن النظر إلى الإبادة الثقافية باعتبارها القاتل الصامت للأمم. فهي لا تستهدف الأجساد مباشرة، بل تُهاجم ذاكرة الجماعة، لغتها، صورها ورموزها، لتسلبها مصادر القوة الروحية والهوية التاريخية.

وقد أثبتت الدراسات أن الصراع الفلسطيني–”الإسرائيلي” لم يكن يومًا عسكريًا فقط، بل هو صراع على الرواية والذاكرة. فمنذ عشرينيات القرن الماضي بدأ تنفيذ سياسات منهجية من الإبادة الثقافية البطيئة: تهويد أسماء القرى والمدن، الاستيلاء على المكتبات والسجلات، تحويل المواقع الفلسطينية إلى “مواقع توراتية”، وإعادة صياغة الوعي العام عبر فانتازيا “ماسادا” المنسوجة من الأصل الفلسطيني لقرية مصعدة.

هذه ليست تفاصيل هامشية، بل صميم المشروع الاستعماري نفسه.

ولأن الإبادة الثقافية أحد وجوه الإبادة الجماعية التي لا تسقط بالتقادم، فإن آثارها تتسلّل إلى جسد الشعوب ببطء، بحيث لا تنتبه إلى حجم ما يُنتزع منها إلا بعد فوات الأوان.
ومن أخطر أدواتها ذلك الخطاب الإعلامي والسياسي المشحون بالخوف والتحريض، الذي يقنع “الإسرائيليين” بأنهم “جيب غربي معزول وسط بحر غير غربي”، ويحوّل أي خطاب فلسطيني إلى تهديد وجودي. هكذا تُشوَّه اللغة:
“من البحر إلى النهر” تُقدَّم باعتبارها دعوة لإبادة اليهود، وإلقاءهم في البحر! مع ان أصل العبارة تاريخيًا هو تذكير بأنهم أتوا من البحر. ويُشرعن التطهير الثقافي بوصفه “دفاعًا عن الذات” وامتدادًا لعقدة الضحية.

2. من الإبادة الخفية إلى الإبادة العميقة أثناء الحرب

أفضت النكبة إلى تدمير أكثر من 419 قرية ومدينة، وتهجير معظم سكانها، فيما وُضع مَن تبقّى — 150 ألف فلسطيني — تحت منظومة تهويد متكاملة: عبرنة العمل، عبرنة الأرض، وعبرنة الذاكرة.

وجاءت “لجنة التسمية” لتعيد رسم الخرائط وفق رؤية توراتية بديلة، ولتُمحى الأسماء العربية من المجال العام. ثم توسعت العملية لتطال المساجد التاريخية، المواقع الأثرية، المتاحف، السجلات، والمكتبات. وقد وصفت اليونسكو هذه الممارسات بأنها جرائم ضد التراث الثقافي للبشرية.
وكشف كيث وايتلام في كتابه “طمس التاريخ الفلسطيني” حجم التلاعب الأكاديمي والمنهجي من أجل السيطرة على الماضي وصناعة تاريخ بديل.
وفي العقود اللاحقة، أصبحت أوسلو  شكل من أشكال الثقافة المضادة: تقييد السياسة والثقافة و الفعاليات الرياضية، إخضاع الضفة لأكثر من 1500 قانون  يحدّ من التعبير الثقافي، وتطهير المناهج من كل أثر للتراث الفلسطيني.
في هذه المناهج تُقدَّم الحروب “الإسرائيلية” بأنها “إنسانية”، ويُصوَّر الفلسطيني كرافض للسلام، في إطار عملية إعادة تشكيل للمفاهيم لصالح الرواية الصهيونية.

يعود هذا السلوك إلى إعادة إنتاج الصهاينة لصورة اليهودي المضطهَد على من يتمكنون من السيطرة عليه؛ فكل مقاومة تُقدَّم باعتبارها “عداءً للسامية”، لتبرير التطهير الثقافي بوصفه فعلًا “دفاعيًا”.

وقد بلغت هذه الظاهرة ذروتها في حرب غزة 2023–2025، حيث لم يعد التدمير ماديًا فقط، بل إبادة ثقافية عميقة: إسكات الرواية الفلسطينية عالميًا، تجريم التعبير الثقافي، السيطرة على سرديات الإعلام، وتوظيف اللغة لشرعنة العنف.
حتى الرواية الفلسطينية أصبحت هدفًا عسكريًا، وقد جرى تدمير مئات المباني التاريخية، وقتل أكثر من 41 كاتبًا وفنانًا ومثقفًا، فضلًا عن الصحفيين.

3. أثر الإبادة الثقافية: الدلالات والمآلات… وما بعد؟

تمارس المنظومة الاستعمارية خدعة مكشوفة على شعوبها قبل أن تمارسها علينا. فالدول التي صمتت عن الإبادة في فلسطين، ودعمت الابادة في غزة والعدوان الهمجي على شعوب المنطقة من  إيران واليمن وسوريا، وباركت جريمة “البيجر” في لبنان، وتمارس القرصنة في المياه الدولية، لا يمكن أن تكون مرجعًا لتحرّر الشعوب أو لإقامة دولة فلسطينية.
والعودة إلى الأساس تقود إلى حقيقة جذرية: فلسطين أرض مغتصبة من قبل كيان استيطاني يجب زواله. والتحرّر لا يُخاض بأدوات الثقافة الاستعمارية  التي صاغها هو  لضبط الشعوب، بل بوحدة إرادة الأمة وقدرتها على مقاومة الإملاءات الدولية.
إن مواجهة الإبادة الثقافية تتطلب استراتيجية طويلة الأمد تستهدف تحصين الوعي قبل أي شيء آخر. فالمعضلة ليست في ضعف القوة مقارنة بسطوة الهيمنة، بل في تفكك الوعي ذاته.
لقد اختُزل مشروع التحرر الوطني إلى إدارة الواقع أو تحسين شروط الحصار باسم “الواقعية السياسية”، بينما تحوّلت الانقسامات الطائفية والفصائلية والسلطوية إلى أدوات لإعادة إنتاج التبعية الثقافية.

رغم الكارثة، أحدثت غزة انقلابًا في الوعي: أعادت تعريف العدو، والمقاومة، والشرعية، وأثبتت أن القوة الحقيقية هي قوة الإرادة والمنعة الاجتماعية. طرحت سؤال الحق والعدل من جديد، وأعادت الشعب إلى موقع الفاعل التاريخي لا الضحية.
والمآل الذي تفرضه غزة اليوم هو أن معركة التحرر تبدأ من معركة الوعي: تحرير العقل من الارتهان قبل تحرير الأرض من الاحتلال.

المطلوب إعادة بناء المشروع الوطني على أساس المقاومة لا الإدارة، وعلى أساس التحرير لا الإغاثة، وخوض معركة الشرعية الثقافية ضد اللغة الاستعمارية التي تُستخدم لتقييدنا.
إن الوعي الذي أعادت غزة تصنيعه يجب أن يتحوّل إلى برنامج عمل يمنع إعادة إنتاج الهزيمة، ويعيد صياغة المشروع الوطني بوصفه مشروعًا للتحرر والحرية والعدالة، لا للتكيّف مع واقع الاحتلال.



اكتشاف المزيد من WWW.Eddarb.COM

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليقاً