
راي/ عبد المجيد بن قياس
هذا ما دونا في مثل هذا اليوم من سنة 2014…بدون رتوش
كلّ من يظنّ بأنّ وصفة واحدة صالحة لكلّ الحالات المرضية فهو مخطئ وغير علمي..
لا أهتمّ بوصفة أعداء المقاربة العلمية بل بمن يدّعي أنها من آلياته في التشخيص والمعالجة والوقاية..
شهدت تونس تغيرات شملت كلّ ميادين الحياة وهي في تفاعل مع آليات اقتصاد السوق الذي تدير شأنه حغنة من الشركات الكبرى،ومع تحول دور المؤسسات”الأممية”من داع للسلم والعدل والنماء إلى شريك في الحروب والتهميش والإقصاء،ومع التغيرات المناخية التي باتت تنذر بالكوارث الطبيعية وانحدار مستوى الإنتاج الغذائي بما في ذلك الماء..المفارقة أنّ المقاربة الاقتصادية والسياسية الحالية لمدّعي العلمية بقيت متكلّسة حول نواة فكر علمي يرفض التكلّس والتقديس مكتفين بترديد”سور”و”آيات”من كتاب رأس المال ومن كتاب”تطور الرأسمالية”دون إمعان واجتهاد لفهم الآليات المتحكمة في عملية التحول ودون مراقبة وتحليل لدور العلوم والبحوث والاكتشافات الحديثة ودون متابعة لوسائل الاسعباد والاستبعاد التي صيغت خلال النصف الثاني من القرن 20 وبدايات هذا القرن..هناك اجتهادات لا بأس بها قام بها بعض المفكرين لكنها بقيت دون أيدي أهل السيرة العلماوية التي لا ترضى بنقد أو إضافة فكرية لما دوّنه السّلف المؤسّس للفكر العلمي الذين هم براء من هكذا تقديس سلفي وتكلّس ذهني وإفلاس فكري..
لنأخذ بعض الأمثلة للتأكيد بأنّ ما سبق ليس افتراء بل حقيقة..
أوّلا،يقال أنّ مدى ديناميكية السوق الداخلية لكل بلد أو أمّة هي المحرك الرئيسي لكل عمل تنموي وأنّ قطاع إنتاج المواد الأولية(مناجم وفلاحة)هو الدافع الأولي للتراكم البدائي لرأس المال الذي قد يدفع بنمو القطاع الثانوي(صناعة)والثالث(خدمات)..ملاحظة وتشخيص علمي لسيرورة النماء التي شهدتها أوروبا خلال القرون 16و17و18..لكن ما لم يذكر ،ومن أسبابه ندرة المعلومة و/أو المغالطة،هو أنّ النماء الذي شهدته أوروبا كان بقوّة الحديد والنار الذي فرضته على بلدان وأقاليم أخرى حيث قتّلت الأبرياء واستعبدتهم ونهبت الثروات الطبيعية باستعمار مباشر وحشي ودموي..فالتراكم البدائي لرأس المال الأوروبي لم يكن بوسعه أن يكون لولا السياسة الاستعمارية والعبودية(قوّة عسكرية،استخدام بعض المفكرين والفلاسفة ورجال الدين)..
ثانيا،يقال أنّ الفلاحة والموارد المنجمية هي الدافع الرئيسي لنمو القطاعات الأخرى..طيّب لنفترض بلد كتونس حيث ندرة الأراضي الصالحة للزراعة والأمطار وقلّة تنوّع الموارد المنجمية فكيف السبيل لدفع نموها؟الإصلاح الزراعي-بمعنى إعادة تقسيم الأراضي والتكثيف خلال عملية الإنتاج وتنظيم عمليتي التجميع والتوزيع-وسلطة الدولة على الموارد،هكذا الإجابة البافلوفية المنتطرة من ذوي الفكر العلمي! الكلّ متّفق على أن الغاية من كل إصلاح زراعي هو البحث عن الأمن الغذائي.لكن هؤلاء يتجاهلون ما للبحوث الحديثة من فوائد قد تؤدي لتحقيق ذاك الهدف دون المساس بالملكية الفلاحية وبأقلّ استعمال للمياه وبتكثيف الانتاج الحيواني دون اعتبار للمساحات الفلاحية..عن تجميع وتوزيع المواد الأساسية الفلاحية مرورا بحلقات التصبير والتحويل والتعليب ألا يعرف هؤلاء أن المقاربة القطاعية المسقطة هي سبب كلّ البلاء الفلاحي!..إنّ تضخيم دور الوسطاء مفتعل لأن المراد منه التغطية عن مسارات فائض الإنتاج وفائض القيمة الفلاحيين.ففائض الإنتاج يصبّ بمصانع التجميع والتحويل والتصبير كما فائض القيمة الذي تتقاسمه ذات الأيادي المحلية والشركات العابرة لأسواق الدول..
ثالثا،مع التطور التكنولوجي أصيبت الفلاحة بمقتل:احتكار- ميكنة ،أسمدة،أدوية،بذور- إلى جانب انتشار استعمال المواد البلاستيكية التي قضت على استعمال المواد الثانوية ذات الأصل النباتي(تبن،فيتورة،أغصان وثمار الأشجار والشجيرات)والحيواني(صوف،جلد،سماد عضوي)..
هذا هو الإشكال الذي يدعو إلى التفكير بدل التشبث بالقوالب الجاهزة وهذا هو المنوال الفاشل–من وجهة نظر المهمشين فئات وحهات–الذي يستدعي التطارح حوله لصياغة بدائل تقطع مع التمشي القطاعي الممركز–صاحب الوصفة العلاجية النمطية–في اتجاه التأسيس لمنوال تنموي بديل يجعل من الجهات–كلّ الجهات–محاور نماء تأخذ بخصوصية كلّ منها،ومن المواطن–مهما كان موقعه الاجتماعي–عنصر استثمار وصاحب قرار لا مخرّب ومهرّب،ومن الدولة وظائف اقتصادية واجتماعية بدل التملّص والانحناء للإملاءات.
اكتشاف المزيد من WWW.Eddarb.COM
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
