في الذكرى الثانية لوفاة الدكتور هشام  جعيط..

عبيد الخليفي “شذرات عالقة ومعلّقة عن هشام جعيط”1 جوان2023

“هناك ثلاثة أوجه لعليّ: عليّ الايمان، عليّ الأسطورة، عليّ التّاريخ”، إنّها الجملة السحريّة التي خطّها المفكّر هشام جعيّط في خواتيم كتابه “الفتنة”، وهي نفس الجملة التي أدخلتني “فتنة” التفكير في المتخيّل العربي الإسلامي بين سطوة التاريخ وعجيب الأساطير، وحين سألته مع بدايات الكتابة عن عليّ بن أبي طالب: “أستاذنا، تستطيع العلوم الإنسانية أن تُعطينا حدّ الأسطورة والتاريخ وماهيتهما العلميّة، لكنّنا لن نظفر بتعريف علميّ للإيمان”، فأطرق شارد الذهن وقال “العلوم تتفهّم الظاهرة ولا تجزم..”، كنّا له نقرأ لنفهم فلا نجزم، ونعارض أفكاره بما كتب محمد الطالبي وغيره في الوحي والنبوّة والإسراء والمعراج وغار حراء.. وحين سألناه يوما عن الترجمة العربيّة لكتاب الفتنة، قال: “الترجمة علم وروح، ولو كُنت كتبته بالعربيّة ما كانت صياغته وعبارته بمثل تلك الجودة التي أنجزها الأستاذ خليل أحمد خليل”

“بغداد العراق هي قلب المشروع العربي الإسلامي وروحه”، هذه كانت آخر كلماته في آخر لقاء جمعني به في بيته، وكان يرى العراق تأسيسا عربيّا خالصا، وحين قلت له: قد إنهار العراق وتقاتلت ملله ونحله، تبسّم قائلا: “التأسيس المديني في العراق ثابت، لم يمحه الغزو المغولي، والعرب يعيشون مخاضا أخرجهم من عهود الركود”، وكان مستبشرا بمستقبل هذه الأمة رغم الحروب والمجازر والغزو الخارجي، ذاك هو هشام جعيط المفكّر الحر الذي خيّر البحث في التاريخ بديلا عن منصب عرضه عليه بورقيبة، وكان رافضا لبروز ديكتاتورية زين العابدين بن علي زمن الميثاق الوطني، فدفع ضريبة الموقف بالتهميش والإقصاء من المشهد الثقافي والعلمي في تونس، لكنّ الثورة منحته هيبة التاريخ والحكمة ليكون أمينا على بيتها..

رحل الأستاذ هشام جعيّط تاركا درسا عميقا في التاريخ والفكر والفلسفة، وكان على المبدأ حرّا وحرّا، ولن يكون درسه هو المنجز الأخير في مجال البحث التاريخي والفلسفي لتاريخ الإسلام والعرب والمسلمين، ولكنّ إرثه سيكون رافدا عميقا لنهضة فكريّة مُمكنة حين نُعيد إصلاح نظامنا التعليمي نقديّا لتكون تلك النصوص والإجتهادات قاعدة للتفكير في اللامفكّر فيه/المسكوت عنه في ظواهر التاريخ والعقيدة والهويّة..


اكتشاف المزيد من WWW.Eddarb.COM

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليقاً