25جويلية : انتفاضة النظام ضد نفسه.. سياق الحدث ومالاته المنتظرة .

راي/الدرب اكتوبر2022

لم يكن حدث 25 جويلية منفصلا عن السياق العام الذي فجر الاحداث التي تلت 17 ديسمبر 2010 حيث افضى توسع النهب الراسمالي المعولم الى شل قدرة حكومات اشباه المستعمرات على ادارة التوازن صلب التشكيلة الاقتصادية والاجتماعية المسيطرة بفعل تفجر تناقضاتها الداخلية … وكذلك قدرة هذه الحكومات على ضبط حركة الطبقات المستغلة وحشود المعطلين عن العمل.. كان ذلك بفعل تعمق ازمة المالية العمومية وانهيار سعر صرف العملة المحلية ازاء سلة العملات الاجنبية المتداولة وتفاقم الدين العمومي الداخلي والخارجي ما جعل الادارة البيروقراطية للدولة تفقد ادوات الرشوة الاجتماعية اللازمة لتلطيف التناقضات الاجتماعية وتنضيد البنية الداخلية للتشكيلة الاجتماعية المسيطرة.

اصبحت الحكومات ومن ورائها بيروقراطية الدولة الحلقة الاضعف صلب هذه التشكيلة الاجتماعية وهو ما يفسر ارتخاء قبضتها السياسية والاقتصادية طيلة العشرية الماضية لينفلت راس المال المصرفي ولوبيات التصدير والتوريد وكبار المالكين العقاريين من عقالهم وتصبح المضاربة المعممة هي القانون الناظم لكل نشاطات الاقتصاد وقد انعكس ذلك في هيمنة تامة على مؤسسات القرار السياسي والاقتصادي عبر تمويل الاحزاب والمنظمات والحملات الانتخابية من الداخل والخارج ….فلم تخسر بيروقراطية الدولة هيمنتها السياسية الا بفعل خسارتها اكثر من نصف مواردها المالية لصالح الاقتصاد غير المنظم الذي تجاوز عتبة ال50 بالمائة اضافة الى تهرب جزء مهم من الاقتصاد المنظم من الظرائب بشكل قانوني وغير قانوني …موارد حاولت طيلة العشرية الماضية تعويضها باثقال كاهل العمال والاجراء وصغار المنتجين وخصوصا بترفيع نسب الضريبة على الاستهلاك من ميزانية لاخرى … مقابل تقهقر دورها السياسي والاقتصاديي صلب التشكيلة الاجتماعية المسيطرة وجدت بيروقراطية الدولة نفسها في الخط الامامي لمواجهة الحركات الاجتماعية وموجات الانتفاض الشعبي المتتالية منذ اندلاع المسار الثوري …فبقدر ما تقدمه من تنازلات مالية وسياسية لصالح الكمبرادور ومن ورائه الؤسسات المالية العالمية ومصادر أدفاق السلع الاجنبية المدمرة للانتاج الداخلي كانت ترتفع وتيرة قمعها الاقتصادي والبوليسي لعموم فئات الشعب الكادح والمهمش.

 انضاف الى كل هذا الانهيار الاقتصادي الشامل الذي نجم عن السياسة المتبعة في ادارة ازمة كوفيد (سقطت الدولة التونسية في منطق علموي في في ادارة الجائحة جعلها لا تعير اهتماما لنتائجها الاقتصادية عظيمة الخطورة) حيث خلفت افلاس عشرات الاف المؤسسات الصغرى والمتوسطة واحالت مئات الاف العمال على البطالة القسرية وفرضت شللا تاما للقطاع السياحي ودمرت معظم نشاطات الانتاج البضائعي الصغير

  و نتيجة لكل هذا , تفجر التناقض الرئيسي الذي يشق المجتمع ودفع الى الواجهة الصراع بين كل المتضررين من فلاحين وارباب عمل صغار ومهمشين وعمال ضد الطغمة الكمبرادورية وتجسدت هذه المرة في الحكومة والبرلمان الذي اصبح في نظر الشعب مصدر البؤس والخراب ورمز الفساد والتامر على الشعب

  انها لحظة غير مسبوقة وضعت فيها التشكيلة الاجتماعية السائدة برمتها موضع عدو للاغلبية الساحقة من الشعب فلاول مرة يحدد الفلاحون الصغار ومربي الماشية عدوهم بدقة ولاول مرة يتذمر الاجراء والمنتجون الصغار بدقة ووضوح من ارباب البنوك ولاول مرة يتذمر صغار المستثمرين من لوبيات الاحتكار في الصناعة والتجارة والتصدير والتوريد …..لقد وضع النظام برمته موضع خطر اي التشكيلة الاجتماعية السائدة ومؤسساتها التمثيلية في الان نفسه وليس كماهو الحال بين 17 ديسمبر و14 جانفي حيث لم يمس غضب الجماهير الا المؤسسات السياسية للنظام ….

 عشية 25 جويلية كانت الحالة الثورية حبلى بممكنات اسقاط النظام الاقتصادي والاجتماعي نفسه لا فقط مؤسساته السياسية كما شكل انهاء حكم بن علي وعائلته حلا ضروريا لتنفيس الغضب الشعبي واحتواء مطالب الجماهير والانحراف بها عن التصفية الكاملة للنظام الاقتصادي والاجتماعي السائد الذي يشكل مصدر بؤس الجماهير واستلابها فان اقالة حكومة المشيشي واغلاق البرلمان وشل حركة النخب السياسية كان حلا ضروريا لتنفيس الغضب ونزع فتيل الاحتقان ليشكل تجاوزا ظرفيا للازمة باجراءات مختلفة عن تلك التي اعتمدت يوم 14 جانفي 2011… دون ان يرقى لان يكون تجاوزا نهائيا للازمة بحل التناقض الرئيسي الذي يتمحور حوله الاشتباك بين عموم الجماهير المنتفضة والتشكيلة الاجتماعية المسيطرة ….بين المستغلين ومن يستغلونهم …بين من يملكون ومن لا يملكون.

شكل حدث 25 جويلية استجابة لتفاقم التناقضات الداخلية صلب مكونات النظام القائم من موقع انهاء عزلة الجهاز البيروقراطي للدولة واستعادة دوره المحوري في ادارة توازن القوى بين مكونات التحالف الطبقي الحاكم من جهة واستجابة لتفجر التناقض الرئيسي الذي يشق هذا التحالف مع بقية فئات الشعب الفاقدة لاي قيادة سياسية وتنظيمية في هذه المواجهة من موقع احتوائها في اتجاه ترويضها وتغيير طبيعة مطالبها نحو تفكيك “منظومة الفساد” عوضا عن تفكيك منظومة الهيمنة الاقتصادية للبورجوازية الكمبرادورية المسيطرة  

.25 جويلية هو انتصار للنظام ضد ذاته وضد اعدائه في الان نفسه …وضع حد للعبث بالنظام حتى لا يسقط النظام ولا تسقط دولة النظام …الترجمة العملية لانقاذ الدولة و ايقاف العبث بالدولة هي ابقاء النظام السائد بعد اعادة ترتيب الادوار وفرض توازن قوى جديد صلبه بتسلم بيروقراطية الدولة زمام القيادة السياسية لتتولى اعادة توزيع المغانم الاقتصادية بين فئاته …. سوف تتولى انهاء “الحيف الاجتماعي ” وتحرير الجماهير من البؤس” عبر مقاومة الفساد وارساء الشفافية وتفعيل القانون؟؟؟؟ كما ستتولى انهاء العبث السياسي عبر اختزال الفضاء العام في تواصل الملقن والمستمع بين الرئيس المتكلم وشعبه الصامت …تواصل لا وسائط فيه ..لا احزاب ولا جمعيات ولا حتى كومونات اجتماعية على قاعدة الانتماء الفئوي؟؟؟؟ …انها حياة شعب الافراد المنفصلين


اكتشاف المزيد من WWW.Eddarb.COM

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليقاً