
خاطرة/عبد المجديد بن قياس-8افريل2022
في بيان وزارة الفلاحة وبعض المندوبيات،هناك نقطة تدعو الى نية الدولة بالهدف الى تحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح..بقطع النظر عن مصطلح”الاكتفاء الذاتي”الذي يمكن تحقيقه بثفر انتاج وطني،وذلك لانه يكفي ان يكون للدولة رصيد هام من العملة الصعبة متاتية من مصادر ذاتية اخرى،حتى يتسنى للدولة ان تحقق الاكتفاء الذاتي…لكن المقصود،ربما واؤكد على لفظ”ربما”،هو السيادة الغذائية،اي الاعتماد الكلي على الانتاج المحلي،وما يتطلبه ذلك من مجهود لتطوير الرصيد العقاري الفلاحي وصيانته من التهالك ومن بنية تحتية للانتفاع بمياه الأمطار ومن إيلاء الأهمية الأنواع البيولوجية،نباتية وحيوانية،تتماشى وحجم الرصيد العقاري وقدراته الإنتاجية وتراعي التحولات الديموغرافية والطبيعية الجارية.
ان اعتماد الآليات الكلاسيكية قد لا تفي بالغرض!
فالاكتفاء بالترفيع في السعر المرجعي للحبوب أو تحريرها،كما تنادي البعض،لن تفيد إلا أصحاب الملكيات الكبرى،لأنهم وحدهم من لهم الامكانيات لتحقيق الريع العقاري،وقد يستغيد كذلك أصحاب المطاحن ووحدات التحويل المواد الغذائية ممن يستفيد ماليا باعتبار النسبة المئوية للمنح التي يتمتع بها الناشطون في هذه الحلقات من منظومة إنتاج الحبوب.
المتامل الذي يأمل في تحقيق السيادة الغذائية تعترضه جملة من الاشكاليات قد تحد من مجال الحلول،لان:
ا- 25% المساحة يملكها 1%من المالكين.
ب- ضرورة التداول الزراعي للمحافظة على خصوبة الاراضي،اي يجب تخصيص ربع أو ثلث الأراضي المؤهلة لزراعة الحبوب إلى زراعة البقوليات(عافية في الغالب)..
ج- هناك قطيع ماشية ينتج الحليب واللحوم(أبقار وإتمام وماعز)يفترض أن يترك لها مساحات الرعي أو لإنتاج القرط والسيلاج والشعير العلفي.
ه- الأراضي المؤهلة لانتاج القمح الصلب والقمح اللين محدودة في مناطق حيث يتوفر الأرض الخصبة والتساقطات المدرسة المحترمة.
لهذا،قبل بيع الوهم يجب،حسب رأيي المتواضع،إعادة النظر الللخارطة فلاحية والبحث عن خارطة بديلة تراعي ميزات المناطق والجهات والضيعات(نوعية التربة،الأمطار،توزيع قطيع المواشي واصنافها،فواضل الإنتاج النباتي التي يمكن تثمينها لتقليص المساحات المخصصة حاليا لإنتاج الأعلاف الخشنة والشعير،تثمين المنتجات الغابية لنفس الغرض…).
اتمنى أن لا تكون الإجراءات الحالية مجرد نزوة! لأن من يريد تحقيق السيادة الغذائية عليه:
1- أن يتصدى لكل الإجراءات التي تهدف إلى التحكم في الخارطة الفلاحية للبلاد التونسية،بما في ذلك الثروة البحرية (104 الف كلم مربع).
2- من يريد تحقيق الاكتفاء الذاتي من الحبوب واللحوم الحمراء عليه باعادة النظر في مسار الخوصصة التي تستهدف كل حلقات منظومة الحبوب،من الحقل إلى الصحن،من كيفية توفير البذور(واي بذور)والسماد(واي اسمدة)إلى وحدات التوزيع والتسويق،مرورا بحلقات التجميع والتحويل.
3- من يريد مصلحة أغلبية الفئات الاجتماعية،فليعلم(وهم يعلمون)أن الخبز(المادة الأساسية)متاتي من طحين القمح اللين،وهذا الصنف من الحبوب لا يجوز سوى على مساحة ضيقة من مجموع مساحة الحبوب(10% فقط!)،التسعيرة الإدارية دور في هذا(قنطار القمح اللين/الفرينة يسوق بسعر دون سعر القمح الصلب).
4- من يريد تحقيق السيادة الغذائية في الحبوب وغيرها من المواد الاستهلاكية عليه بالالتفاف إلى التقنيات الحديثة لإنتاج الأعلاف الخضراء والخضر،مثل بيوت الاستنبات،حتى يمكن توجيه مساحات هامة إلى زراعة الحبوب للاستهلاك البشري.
5- من يرنو إلى السيادة الغذائية،عليه بحماية الإنتاج الوطني لا بالتهليل والمثادقة على اتفاقيات دولية(ثنائية أو متعددة الأطراف)تهدف إلى تدمير الأسس الرئيسية التي يمكن أن يقام عليها صرح السيادة الغذائية:الاستيلاء على الأراضي الفلاحية واحتكارها،والاستحواذ على مصادر المياه،والعبث الرصيد البيولوجي النباتي والحيواني.
6- هل تستقيم السيادة الغذائية دون التمكن من إنتاج وسائل الإنتاج؟ حتى في هذا المجال،ألا يحق للفلاحين(مزارعين،مربي ماشية)النفاذ إلى الات ومعدات فلاحية متنوعة تتناسب مع المتغيرات الجارية(انجراف وترمل التربة،ندرة مصادر الطاقة الاحفورية..).أرى أن للبحث العلمي/التقني مجال كبير للعمل لاستنباط الات فلاحية تعمل بالطاقة الشمسية مثلا،ولها قوة عمل لا تتعدى عشرة أو عشرون حصان مثلا.
7- لضمان السيادة الغذائية يجب مراجعة فضاء التحويل والتوزيع،بان يشترط عند احداث مشروع لتجميع وتحويل وتوزيع وتسويق المواد الفلاحية الغذائية أن لا تقل نسبة مساهمة المنتجين عن 50% لأنها طريقة جيدة لمقاومة الاحتكار والمضاربة زيادة على اهمية اجراء كهذا لضمان ديمومة كل الحلقات.
8- إلى جانب مراجعة الخارطة الفلاحية،نختم بالقول بضرورة مراجعة نمط الاستهلاك العائلي وترشيده،لا بمنطق الدعوة إلى التقشف في الاستهلاك،بل بمعنى استهلاك الإنتاج التونسي وفق الحاجيات الفيزيولوجية بتوفير الغذاء السليم والمتوازن،اي الحق على استهلاك صحي.هنا،يظهر اهمية دور خبراء التغذية والأطباء والاطباء البياطرة ومنظمات الدفاع عن المستهلك والمنظمات المهنية.
اذن،السيادة الغذائية جزء هام من مشروع سيادي،يتطلب انخراط واسع ومشاركة فعلية(مواطنون ومؤسسات)وإرادة سياسية وطنية صلبة،وهياكل مهنية وفنية نشيطة،دون ذلك لا أرى في الأمر إلا “حبوب منومة صلب فقاعة”مالها الانفلاق عند أول اصتدام،قد يكون بقرار أوروبي أو من البنك الدولي،فتسقط الحبوب كحجارة من سجيل على رؤوس الملأ المتأمل المتألم.
*** ملاحظة: كل ما سبق ذكره،يجب وضعه في إطار متغير من عشرية إلى اخرى،وأعني بذلك نهالك الرصيد العقاري الفلاحي جراء تشتت الملكيات الصغيرة والقومية من ناحية،وتناقض منسوب التساقط المطري تحت تأثير التحولات المناخية التي باتت ظاهرة للعيان.
اكتشاف المزيد من WWW.Eddarb.COM
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
