المنشآت العمومية في تونس: بين ضرورة إصلاح الإطار القانوني و مخاطر التفليس و التفويت

الاستاذ محمود مطير

قراءة للاستاذ محموم مطير نشرت بمجلة الدرب العدد السادس2020

المنشآت العمومية في تونس:  بين ضرورة إصلاح الإطار القانوني و مخاطر التفليس و التفويت

المنشأة العمومية هي مؤسسة صناعية أو تجارية  تخضع للقانون التجاري  و أساسا مجلة الشركات التجارية (أي القانون الخاص) و عادة ما  تنشط في قطاع تنافسي  و  الفرق الوحيد بين  المؤسسة الخاصة و المنشأة العمومية هو أن رأس مال المنشأة العمومية (كليا أو جزئيا)  ملك للدولة أو الجماعات العمومية أو المؤسسات العمومية. غير أن المشرع التونسي خص المنشآت العمومية ضمن  القانون عدد 9 لسنة 1989 المتعلق بالمساهمات والمنشآت العمومٌية  ببعض الاستثناءات فيما يتعلق بالتصرف و التسيير و قد  عرف  هذا القانون في فصليه 8 ( جديد ) و 9 (جديد) المنشأة العمومية كما يلي: 

“تعتبر منشآت عمومٌية (entreprises publiques)  المؤسسات العمومٌية(établissements publiques)  التي لا تكتسًي صبغة إدارٌية والتي تضبط قائمتها بأمر ،الشركات التي تملك الدولة رأس مالها كليا و الشركات التي تمتلك الدولة أو الجماعات المحلٌية أو الشركات التي تمتلك الدولة رأس مالها كليا أكثر من 50 في المائة من رأس مالها كل بمفرده أو بالاشتراك. و تعتبر مساهمات عمومية، “مساهمات الدولة أو الجماعات العمومية المحلية أو المؤسسات العمومية أو الشركات التي تمتلك الدولة رأس مالها كليا”(الفصل 8 جديد) و” تعتبر أيضا منشآت عمومية البنوك و شركات التامين التي تمتلك الدولة بصفة مباشرة أو غير مباشرة 34 في المائة أو أكثر من رأس مالها كل بمفرده أو بالاشتراك”. و تعتبر مساهمات غير مباشرة مساهمات المنشآت العمومية كما وقع تعريفها بالفصل 8 من هذا القانون و مساهمات البنوك و شركات التأمين المنصوص عليها بالفقرة 1 من هذا الفصل. كما «لا تخضع البنوك المحدثة بمقتضى اتفاقيات دولية مصادق عليها بقانون إلى الالتزامات الموضوعة على كاهل المنشآت العمومية” (الفصل 9 جديد).  و طبقا لما نص عليه قانون 1989 الذي يمثل جوهر الإطار القانوني للمنشآت العمومية تخضع المنشأة العمومية لقواعد تصرف و تسيير خاصة و ذلك من منطلق الحفاظ على الملك العمومي و حمايته.

كان من المفروض أن لا تغير ملكية رأس المال قواعد تسيير المنشأة العمومية لأن المؤسسة الصناعية أو التجارية (بقطع النظر عن مالك رأس مالها) مطالبة بتحقيق أرباح و على الأقل تغطية التكاليف و كان يمكن حفاظا على الملك العمومي و حمايته سن قواعد خاصة تتعلق بالمراقبة فحسب. و نحن نعتقد أن الإطار القانوني الذي يحكم المنشآت العمومية يمثل أحد الأسباب الرئيسية  التي  خلقت إشكاليات عدة بالمنشاة العمومية و هي إشكاليات من شأنها أن تؤدي إلى تدهور وضعها المالي خاصة.  كما نعتقد أن إصلاح الإطار القانوني من شأنه وضع المنشآت العمومية في الطريق الصحيح لحل جزء هام من الإشكاليات غير انه في صورة عدم القيام بهذا الإصلاح فان مخاطر التفليس و التفويت تصبح محدقة بأغلب المنشآت العمومية ببلادنا.

  1.  إصلاح الإطار القانوني للمنشآت العمومية

يمثل القانون عدد 9 لسنة 1989 المؤرخ في 01 فيفري 1989 المتعلق بالمساهمات و المنشآت العمومية المرجع الأساسي في تعريف المنشآت العمومية و ضبط نظام التصرف فيها و قد نقح وتمّم هذا القانون جملة من القوانين الصادرة تباعا في 1994 و 1996 و 1999 و 2006[i]. و إضافة لقانون سنة 1989 مثلما تم تنقيحه و إتمامه فقد صدرت العديد من الأوامر التطبيقية للقانون نذكر منها خاصة الأمر عدد 552 لسنة 1997[ii]و الأمر عدد 2197 لسنة 2002[iii] و الأمر عدد 2198 لسنة 2002[iv]  و الأمر عدد 2199 لسنة 2002 [v] . كما صدرت العديد من المناشير التوضيحية  لأحكام قانون 1989 و الأوامر المتعلقة به نذكر منها  خاصة  مناشير  الوزارة الأولى (رئاسة الحكومة حاليا) عدد 38


[i] : القانون عدد102  لسنة 1994 المؤرخ فًي غرة أوت 1994  والقانون عدد 74 لسنة 1996 المؤرخ فًي 29 جوٌيلية 1996   و القانون عدد 38 لسنة 1999 المؤرخ فًي 3 ماي  1999  و القانون عدد  36 لسنة 2006 مؤرخ فًي12 جوان  2006

[ii] : الأمر عدد 552 لسنة 1997 المؤرخ فًي 31 مارس 1997 المتعلق بضبط مشمولات المدٌيريٌن العامٌين و مهام مجالس المؤسسة للمؤسسات العمومٌة التًي لا تكتسًي صبغة إدارٌية

[iii] : الأمر عدد 2197 لسنة 2002 المؤرخ في 07 أكتوبر 2002 والمتعلق بكٌيفٌية ممارسة الإشراف على المنشآت العمومٌة وصٌيغ المصادقة على أعمال التصرف فٌيها وتمثٌيل المساهمٌين العمومٌيين فًي هيئات تصرفها وتسٌييرها وتحديٌد الالتزامات الموضوعة على كاهلها

[iv] : الأمر عدد 2198 لسنة 2002 المؤرخ في 07أكتوبر 2002 والمتعلق بكٌيفٌية ممارسة الإشراف على المؤسسات العمومٌة التي لا تكتسيً صبغة إداريٌة وصٌيغ المصادقة على أعمال التصرف فٌيها وطرق وشروط تعٌيين أعضاء مجلس المؤسسة وتحديٌد الالتزامات الموضوعة على كاهلها

[v] : الأمر عدد 2199 لسنة 2002المؤرخ فًي 7أكتوبر 2002 المتعلق بضبط قائمة المؤسسات العمومية التي لا تكتسي صبغة إدارية و التي تعتبر منشات عمومية

لسنة 1997[v] و عدد 46 لسنة 2005 [v] و عدد 11 لسنة  2006 [v] و عدد 16 لسنة لسنة 2012 [v]

معطيات إحصائية: عدد المؤسسات و المنشآت العمومٌة سنة 2017
المؤسسة/ المنشاةالعدد
المؤسسات العمومية التي لا تكتسي صبغة إدارية و التي تعتبر منشاة عمومية50
شركات خفية الاسم52
مؤسسات عمومية لا تكتسي صبغة إدارية87
مؤسسات عمومية للصحة24
العدد الجملي213
تشغل المنشآت و المؤسسات المذكورة 190.000 عون بنسبة تأطير تساوي25 في المائة

تمثل مجمل هذه النصوص  الإطار القانوني للمنشآت العمومية  و لكن هذا الإطار القانوني على أهميته و ثرائه يطرح العديد من الإشكاليات التي تتعلق خاصة بالنجاعة و تحقيق الأهداف المرسومة أو المرغوب في تحقيقها  إذ تعاني المنشات (و المؤسسات ) العمومية في تونس من  ثلاثة إشكاليات من منظور النجاعة وتحقيق الأهداف  و من الضروري و بشكل استعجالي إصلاحها و تخص  هذه الإشكاليات : الإدارة و تعيين المسيرين بالمنشات العمومية، الإشراف على المنشآت العمومية و الرقابة في المنشآت العمومية

الإدارة و تعيين المسيرين بالمنشآت العمومية

إن الإدارة العامة  للمنشأة العمومية هي المسؤولة عن تحديد الرؤية و التوجه و الأهداف و المهام و الإستراتيجية و الإشراف على التنفيذ لذا فإن دور الرئيس المدير العام من جهة و مجلس الإدارة (بمختلف مكوناته بصورة عامة) من جهة أخرى أساسي في نجاح المؤسسة. ومن هنا تأتي أهمية مسالة تعيين المسيرين بالمنشات العمومية : من هم ؟ ما هي مواصفاتهم؟ كيف يتم تعيينهم؟…

إن عضو مجلس الإدارة  في  المؤسسة  الخاصة  شخص مساهم في رأس مال  المؤسسة  و بالتالي فهو مالك لجزء من الشركة و من هذا المنطلق  يسهر على حسن سير المؤسسة  و نجاحها و يحرص على أن تحقق أهدافها و توفر ربحا من وراء ذلك لان جزءا من ربح الشركة سيدخل جيبه. أما في المؤسسة العمومية فإن عضو مجلس الإدارة موظف بوزارة أو نائب بجماعة عمومية أو موظف بمؤسسة عمومية عادة ما تكون علاقته بالمنشاة العمومية التي عين عضوا بمجلس إدارتها علاقة سطحية إذ ليس له ربح أو خسارة من المهمة التي تم تكليفه لأدائها.

ينص الفصل الأول من قانون 1989 على ما يلي: ” يخصص للدولة و الجماعات العمومية المحلية و المؤسسات العمومية و الشركات التي تمتلك الدولة رأس مالها كليا بمجالس إدارة المنشاة التي تساهم في رأس مالها عدد من المقاعد يضبط حسب نسبة مساهمتها”. و ينص الفصل 2 من قانون 1989 بخصوص  تعيين المسيرين  على ما يلي: ” تضبط بأمر طرق و شروط تعيين ممثلي الدولة و الجماعات العمومية المحلية و المؤسسات العمومية و الشركات التي تمتلك الدولة رأس مالها كليا ما لم تنص القوانين المتعلقة ببعض المؤسسات على أحكام خاصة في هذا المجال”

و تطبيقا لأحكام الفصل آنف الذكر ينص  الفصل 7 من الأمر عدد 2197 لسنة 2002 على أن  تعيين ممثلي الدولة بالمنشاة العمومية يتم بقرار من الوزير المكلف بالإشراف القطاعي في حين يكون تعيين ممثل الجماعة العمومية بمقرر صادر عن رئيس المجلس بعد موافقة المجلس ويكون تعيين  ممثل المنشاة العمومية بمقرر صادر عن الرئيس المدير العام بعد مصادقة مجلس الإدارة. كما  ينص الفصل 8 من نفس الأمر على انه يتم اختيار ممثلي المساهمين العموميين و المنشات العمومية بمجالس إدارة المنشآت العمومية باعتبار تخصصهم أو تجربتهم إما من بين الأعوان العموميين المنتمين لسلك الإطارات المباشرين لمدة 5 سنوات على الأقل أو المتقاعدين أو من بين الشخصيات من ذوي الجنسية التونسية الذين باشروا مهمة عمومية لمدة لا تقل عن 5 سنوات.

و انطلاقا من تجربة تجاوزت 30 سنة (أي منذ 1989) يتضح أن  طريقة تعيين المسيرين للمنشات العمومية حسب ما ورد  بالنصوص آنفة الذكر لا تؤدي عمليا إلى خدمة مصالح المنشاة العمومية.  إضافة إلى ذلك أبرزت الممارسة أن طريقة تعيين المشرفين على المنشات العمومية في بلادنا كانت تخضع في عهد الاستبداد لإرادة رئيس الجمهورية و حاشيته أما منذ 2011 فإنها تخضع للإرادة الحزبية و في كلتا الحالتين فإن مصلحة المنشاة العمومية تبقى ثانوية إذ عادة ما يتم اختيار الأشخاص على أساس ولائهم و ليس على أساس كفاءتهم.

و نحن نعتقد أنه لا يمكن لإدارة منشأة عمومية أن تقوم بدورها على أحسن ما يرام خاصة عندما يكون نشاطها ضمن قطاع تنافسي إذا كانت مسقطة من فوق (معينة من سلطة الإشراف) و إذا تم  التعيين على أسس لا علاقة لها بالنجاعة و تحقيق الأهداف المرسومة مثلما يحدث في كثير من الأحيان. و نلاحظ أن هناك تجارب ناجحة في عديد البلدان ذهبت إلى تعيين مسيري المنشات العمومية بعد ترشيح كفاءات تقدم برنامجها الذي يناقش صلب لجنة برلمانية. لذا  نعتقد انه من الضروري مراجعة النصوص القانونية في اتجاه  إعطاء دور أكبر للناشطين في المنشأة و ممثليهم لتعيين مسيري المنشاة العمومية و بالتالي تحميل مسؤولية نجاح المنشأة  أو فشلها  للمسيرين ذلك أن الوضع الحالي يجعل المسير مجرد منفذ لإرادة سلطة التعيين و الإشراف.

  1. 1.1.       الإشراف على المنشآت العمومية

يضبط الفصل 10 من قانون 1989 مثلما تم تنقيحه في 1996 صلاحيات مجالس إدارة المنشآت العمومية و ينص على ما يلي: ” لمجالس إدارة المنشات العمومية الصلاحيات المنصوص عليها بالمجلة التجارية غير أن مداولاتها لا تصبح نافذة المفعول إلا بعد مصادقة سلطة الإشراف“. تقوم  المجالس خاصة بـ :

  • ضبط السياسة العامة في الميدان الفني و التجاري و المالي مع متابعة تنفيذها
    • ضبط الميزانيات التقديرية للتصرف و الاستثمار و متابعة انجازها
    • ضبط الموازنات و حسابات التصرف والنتائج
    • اقتراح  تنظيم مصالح المنشاة و النظام الأساسي الخاص بأعوانها وكيفية تأجيرهم عند الاقتضاء
    • بالمصادقة في نطاق النصوص الجاري بها العمل على إبرام الصفقات
    • بضبط عقود البرامج و متابعة انجازها”

يتضح من خلال هذا النص أنه بالرغم من أن المنشأة العمومية تخضع لأحكام المجلة التجارية (و الأصح مجلة الشركات التجارية) و يمارس مجلس الإدارة الصلاحيات المنصوص عليها بالمجلة المذكورة إلا أن المداولات لا تصبح نافذة المفعول إلا بعد المصادقة عليها من سلطة الإشراف بما يعني أن القرار النهائي يرجع لسلطة الإشراف أي الوزارة المعنية.

ينص الفصل 11 من قانون 1989 على أن طرق تسيير مجالس إدارة المنشات العمومية تضبط بمقتضى أمر. و فعلا ينص الأمر عدد 2197 لسنة 2002 المؤرخ في 07أكتوبر 2002 والمتعلق  بكيفية   ممارسة  الإشراف  على  المنشات  العمومٌية وصٌيغ المصادقة على أعمال التصرف فٌيها و تمثيل المساهمين العموميين في هيئات تصرفها وتسييرها وتحديٌد الالتزامات الموضوعة على كاهلها في فصله 3 على ما يلي: “يتمثل الإشراف على المنشات العمومية في ممارسة الدولة عن طريق وزارات الإشراف القطاعي لأهم الصلاحيات التالية:

  • متابعة عمليات التصرف و التسيير لهذه المنشات من حيث احترامها للقوانين و التراتيب الخاضعة لها و تماشيها مع التوجهات العامة للدولة في قطاع النشاط الذي تعمل فيه المنشاة و استجابتها لمبادئ و قواعد حسن التصرف
    • المصادقة على عقود الأهداف و متابعة تنفيذها
    • المصادقة على الميزانيات التقديرية و متابعة تنفيذها
    • المصادقة على القوائم المالية
    • المصادقة على مداولات مجالس الإدارة
    • المصادقة على أنظمة التأجير و الزيادات في الأجور

المصادقة على اتفاقيات التحكيم و الشروط التحكيمية و اتفاقيات الصلح المتعلقة بفض النزاعات”

و يضيف الفصل  5  من الأمر آنف الذكر: ” تتولى وزارة الإشراف القطاعي علاوة على  ذلك دراسة المسائل التالية:

  • الأنظمة الأساسية الخاصة
    • جداول تصنيف الخطط
    • أنظمة التأجير
    • اتفاقيات المؤسسة 
    • الهياكل التنظيمية
    • شروط التسمية في الخطط الوظيفية
    • قوانين الإطار و برامج الانتدابات و كيفية تنفيذها
    • الزيادات في الأجور
    • المسائل المتعلقة بترتيب المنشات ذات الأغلبية العمومية و تأجير رؤسائها
    • نظم الإنتاجية “

و أخيرا يضيف هذا الفصل : “تقع إحالة هذه الوثائق من قبل وزارة الإشراف القطاعي إلى الوزارة الأولى للنظر فيها قبل عرضها على المصادقة طبقا للتشريع و التراتيب الجاري بها العمل”

و يتضح من مجموع النصوص السابقة الذكر أن كل أعمال المنشأة العمومية تخضع لمصادقة سلطة الإشراف و بالتالي ليس هناك أي هامش حرية لمجلس إدارة المنشأة. و لكن نلاحظ أيضا أنه إضافة إلى مصادقة سلطة الإشراف (الوزارة التي يتبعها القطاع الذي تنشط فيه المنشأة العمومية) تخضع أعمال المنشاة العمومية إلى مصادقة ثانية أو سابقة تقوم بها الوزارة الأولى (رئاسة الحكومة حاليا). و يستنتج من النصوص السابقة الذكر أن عملية الإشراف ثقيلة جدا و تتطلب بالضرورة وقتا طويلا و تعطيلا لنشاط المؤسسة الذي يتطلب في الكثير من الأحيان سرعة الإنجاز. و قد  ورد بأحد التقارير أن رئيس مدير عام إحدى المؤسسات الكبرى انتظر 18 شهرا لمصادقة سلطة الإشراف على الهيكل التنظيمي للمؤسسة(organigramme) . لذا فان الاستنتاج الطبيعي هو انه لا يمكن لإدارة منشأة عمومية أن تقوم بدورها و تزاحم مؤسسات في القطاع الخاص إذا لم يكن للإدارة هامش من حرية التصرف. و إذا لم تأخذ  النصوص بعين الاعتبار طبيعة نشاط المؤسسة الاقتصادية.

إن المنشأة و المؤسسة العمومية (إذا لم تكن مرفقا عاما) ليست في حاجة لتسييرها كالمرفق العام(service public)  بل يجب أن تخضع لقواعد تسيير المؤسسات الاقتصادية الخاصة و يجب مطالبتها بتحقيق أرباح. الفرق الوحيد بين المؤسسات الاقتصادية العمومية و الخاصة يقف عند حد ملكية رأس المال أما التسيير و التصرف فلا يجب أن يختلفا و يجب أن تكون المؤسسة العمومية مطالبة بحسن التصرف في الموارد البشرية و المالية و بالتالي مطالبة بتحقيق أرباح. أما المؤسسات العمومية التي تقدم خدمات حيوية و لا تخضع للمنافسة (مثل شركة الكهرباء و الغاز أو شركة توزيع المياه…) فيجب إخضاعها أيضا لقواعد التصرف العامة للمؤسسة مع قواعد تصرف خاصة تأخذ بعين الاعتبار طابع المرفق العام. و بطبيعة الحال و مثلما اعتبرنا أنه من الضروري مراجعة النصوص القانونية المتعلقة بتعيين مسيري المنشآت العمومية فإنه من الضروري أيضا بل من المتأكد جدا مراجعة النصوص القانونية المتعلقة بالإشراف ناهيك أن بعض النصوص فتحت الباب للتقليص من هذا الإشراف و إعطاء شيء من الحرية لبعض المؤسسات.

  1. 1.2.    الرقابة في المنشات العمومية

إن الرقابة في المنشآت و المؤسسات العمومية مثل الرقابة في  المؤسسات الاقتصادية الخاصة مسألة ذات أهمية قصوى و يمكن لهذه الرقابة بالنسبة للمنشات العمومية مثلما هو الحال بالنسبة للمؤسسات الخاصة  أن تكون داخلية  أو خارجية (الهياكل العمومية للرقابة). لكن كل التقارير المتعلقة بالمنشات و المؤسسات العمومية تؤكد على ضعف الرقابة  سواء كانت داخلية أو خارجية بالنسبة للمنشآت العمومية و ذلك بالرغم من الكم الهائل من النصوص المتعلقة بالرقابة و عدد الهيئات الرقابية المحدثة (هيئات رقابية بوزارة المالية و رئاسة الحكومة)

تتولى 5 هياكل أفقية محدثة على مستوى رئاسة الحكومة و وزارة المالية و وزارات الإشراف القطاعي تنسيق الإشراف على المنشات العمومية وهي:

  • الإدارة العامة للمساهمات بوزارة المالية
    • وحدة متابعة تنظيم المؤسسات و المنشات العمومية برئاسة الحكومة
    • وحدة متابعة الإنتاجية في المؤسسات و المنشات العمومية برئاسة الحكومة
    • الإدارة العامة للتخصيص برئاسة الحكومة
    • وزارات الإشراف القطاعي

تتعلق الرقابة بمجمل المنشات و المؤسسات العمومية وهي ضرورية و لكنها في حاجة إلى المراجعة و الإصلاح.  و  يجب حسب رأينا ترشيد الرقابة  و ذلك بالتقليص من هياكل الرقابة و إن اقتضى الأمر  توحيدها حتى لا يقع التداخل بين أعمالها و ربما يكون من الأفضل  التركيز مثلما هو الحال بالنسبة للمؤسسات الخاصة على الرقابة الداخلية. كما يجب توفير الإمكانيات الضرورية و خاصة منها البشرية الكفأة لهياكل الرقابة. و في اعتقادنا فإن إصلاح الإطار القانوني للمنشآت العمومية في بلادنا مسألة ضرورية و في صورة عدم القيام بهذا الإصلاح فإن مخاطر التفليس و التفويت تهدد هذه المنشآت.

  • مخاطر التفليس و التفويت

تبدو مخاطر التفليس أو التفويت في المنشات العمومية قائمة في ظل عدم إصلاح الإطار القانوني و عجز السلطة العمومية و عدم قدرتها على حل الإشكاليات المرتبطة بالقدرة التنافسية للمنشآت العمومية و هذه الإشكاليات تهم  ثلاثة محاور أساسية وهي:

  • غياب إستراتيجية واضحة في مجال المساهمات والمنشات العمومية حيث لا نعلم ما هو دور المنشاة العمومية و هل لها دور اقتصادي أساسا أم اجتماعي (خاصة التشغيل) ؟

و قد ساهم غياب الإستراتيجية بقسط كبير في تدني طرق تسيير المنشات العمومية. فالتسميات المسقطة للمسؤولين على المنشاة العمومية من شانها خلق بون شاسع بين الأهداف المرسومة و النتائج المحققة حيث  إضافة إلى أن هذه التسميات  كثيرا ما تفتقر للكفاءة  فإن المسؤولين المعينين يستغلون مناصبهم لتقديم خدمات لفائدة عائلاتهم أو أحزابهم على حساب مصالح المنشأة العمومية…

  • تدني الإنتاجية بارتباط أساسا بطرق التسيير البيروقراطية التي لا تعطي أهمية لعامل الزمن و لكلفته على المنشاة حيث لا يتم اخذ القرار في وقته المناسب و لا يتم تنفيذ القرار المتخذ بالسرعة اللازمة.
  • ارتفاع كلفة الإنتاج خاصة  بسبب ارتفاع عدد الأعوان و تدني إنتاجيتهم حيث عادة ما تكون المنشاة العمومية الأداة  لحل مشاكل التشغيل في حين أن المنشاة ليست في حاجة لتشغيل إضافي  و لعل شركة فسفاط  قفصة أو تونس الجوية أمثلة حية  على ذلك.

و قد  خلفت هذه الإشكاليات  نتائج مالية سلبية للعديد من المنشآت العمومية التي بقيت تدار بعقلية المؤسسة العمومية الإدارية لا المؤسسة الناشطة في قطاع إنتاجي تنافسي. هذه النتائج ستؤدي بالضرورة إلى إحدى نتيجتين: التفليس أو التفويت.

  • التفليس

يكون التفليس عادة نتيجة عجز المؤسسة عن الإيفاء بتعهداتها و التزاماتها المالية و خلاص ديونها  و ليس لدينا أي شك في انه في صورة تواصل الحال على ما هو عليه بالنسبة للوضعية المالية للعديد من المنشآت العمومية  فان تفليسها آت لا محالة  مع العلم أن  عدة منشات عمومية تعيش بسند و دعم من ميزانية الدولة أي بأموال الضرائب و لو لا هذا السند لفقدت وجودها منذ زمن .  و إذا أردنا تفادي نتائج التفليس فانه من الضروري-  إلى جانب معالجة مسألة الإستراتيجية التي لن  نتعرض لها في هذا المقال نظرا إلى أنها تتطلب مقالا خاصا لوحدها – حل إشكالية التشغيل و أساسا الإطار القانوني للتشغيل بالمنشات العمومية و ما ينتج عنها  إضافة إلى معالجة الإشكاليات المالية لهذه المنشات كثيرة الارتباط  بتدني الإنتاج .

  • الإطار القانوني للتشغيل بالمنشات العمومية

تقر جل التقارير الصادرة عن هياكل الرقابة أن المنشات العمومية تشغل أكثر من طاقتها وهو ما يؤدي بالضرورة إلى عدم قدرة على المنافسة (بالنسبة للمؤسسات التي تنشط في قطاعات تنافسية) نظرا لارتفاع كلفة التشغيل و غياب المردودية وتدهور الوضع المالي. إن الأمثلة التي تبين أن التشغيل المفرط أدى إلى تدهور وضع المنشاة أو المؤسسة العمومية عديدة و نذكر خاصة  تونس الجوية و شركة  فسفاط قفصة[v] باعتبار أن إشكالياتهما أصبحت مطروحة على الساحة الإعلامية بصورة واضحة و جلية. و قد ورد بتقرير وحدة متابعة الأنظمة الإنتاجية  بالمؤسسات  و المنشات العمومية ما يلي: ” من ابرز أسباب الصعوبات المالية للمؤسسات العمومية :

  • انخفاض الإنتاج
  • ارتفاع التكاليف وخاصة الأجور (زيادة قدرها 600 مليون دينار بين 2010 و 2012)

كما ارتفع عد العاملين حاليا في المؤسسات العمومية إلى نحو 180.000 مقابل أقل من 120.000 في 2010.

بلغ حجم الأجور بالمنشات العمومية 3511 م د سنة 2014 مقابل 2579 م د سنة 2010 (تطور بنسبة 36 في المائة)[v]

و قد يجرنا هذا الوضع إلى طرح  إشكالية أخرى  تتعلق بمسالة مسكوت عنها ألا وهي الإطار القانوني للتشغيل بالمنشات العمومية: لماذا نطبق قانون الوظيفة العمومية على المشتغلين بالمنشات العمومية؟ لماذا نطبق قانونا خاصا بموظفي الدولة يتم خلاص أجورهم من ميزانية الدولة على المشتغلين في قطاع تجاري أو  صناعي تنافسي ؟

لقد خص المشرع الموظف العمومي بقانون خاص نظرا لأن له دور خاص إذ يقدم خدمة عامة من جهة و يتم خلاص أجره من ميزانية الدولة أي من الضرائب من جهة اخرى.

كما أن الموظف العمومي مطالب بجملة من الواجبات الخاصة باعتبار طبيعة المشغل أي الدولة. هذه الخصوصيات لا نجدها عند المشتغل بالمنشأة العمومية الذي لا يختلف دوره و مهامه عن المشتغل بالقطاع الخاص وهو ما يعني أنه من المفروض تطبيق أحكام مجلة الشغل عليه. و بالتالي لماذا لا يتم تطبيق أحكام مجلة الشغل على المشتغلين بالمنشات العمومية باعتبارهم ينشطون في مؤسسات إنتاجية لا تختلف في شيء عن مؤسسات القطاع الخاص؟

إن تطبيق أحكام مجلة الشغل على المشتغلين بالمنشآت العمومية يعني أكثر مرونة على مستوى الانتداب و التأجير… و بطبيعة الحال فإن هذه المرونة تساعد المنشاة العمومية على تحسين إنتاجيتها و مردودية أعوانها.

  • الإشكاليات المالية للمنشآت العمومية

تعيش المنشأة العمومية في تونس عموما وضعا صعبا خاصة على المستوى المالي و ذلك منذ مدة طويلة و هذا الوضع المالي هو نتيجة للإشكاليات المطروحة و التي لم يتم معالجتها.

و تبرز مكانة المنشات العمومية في ميزانية الدولة من جهة و بعض التقارير المتعلقة بالموضوع من جهة أخرى الوضع الصعب للوضعية المالية للمنشآت العمومية.

  • المنشات العمومية في ميزانية الدولة

يمكن للمنشأة العمومية أن تساهم في موارد ميزانية الدولة (أو الجماعة المحلية ) عندما تحقق أرباحا و لكنها على عكس ذلك تثقل كاهل الدولة عندما تحقق خسائر.

  • المساهمة في الموارد

تساهم المنشات العمومية في موارد ميزانية الدولة عندما تحقق أرباحا سواء عن طريق :

  • دفع الضرائب (المباشرة و غير المباشرة)
  • توفير جزء من الأرباح لفائدة الميزانية (مناب الدولة في الأرباح  أو عائدات راس المال)

و يتضح من خلال الجدول التالي تطور عائدات المنشآت العمومية و مساهمتها في ميزانية الدولة . نلاحظ أن عائدات رأس مال المنشآت العمومية لفائدة الدولة كانت تتجاوز المليار من الدينارات بل وصلت حد قرابة مليار و نصف من الدينارات سنة 2009(الجدول 1)  ثم بدأت في التدهور بداية من سنة 2010  إلى غاية 2015 (الجدول 2) لتصل في سنتي 2016 و 2017 (الجدول 3) إلى وضع سيئ جدا (بين 200 و 300 م د)

السنةعائدات المساهمات (مليون دينار)
20081018
20091492
2010680
2011993
2012472
2013437
2014502
2015430
2016284
2017220
  • تحمل ميزانية الدولة لأعباء المنشآت العمومية

عندما يكون وضع المنشآت العمومية صعبا فإنه من واجب الدولة باعتبارها صاحبة راس المال أن تساعد المنشأة العمومية و تحاول إنقاذها و ذلك عن طريق المنح والمساهمات.

و نسوق في هذا المجال مثالين:

  • §                     القانون عدد 31 لسنة 2015 المؤرخ في 21 أوت 2015 المتعلق بتدعيم الأسس المالية لبنك الإسكان و الشركة التونسية للبنك  الذي اقر دعم البنكين المذكورين بمبلغ 110 م د للأول و 735 م د للثاني.
  • قانون المالية لسنة 2017 الذي أقر دعما للصناديق الاجتماعية ب 500 م د 
  • ب‌-                 وضع المنشآت العمومية حسب بعض التقارير

يحوصل تقرير أعدته الإدارة العامة للمساهمات التابعة لوزارة المالية الوضع العام للمنشآت العمومية كما يلي:

– انخفاض عائدات المساهمات

– انخفاض في الضريبة على الشركات

و قد انجر عن هذه النتائج التي حققتها المنشآت العمومية تطور العجز في ميزانية الدولة و ارتفاع حجم الديون (انظر صفحة 49 من التقرير)

و يرى التقرير آنف الذكر أن أسباب تدهور الوضعية المالية يرجع إلى جملة من الأسباب نذكر أهمها:

  • غياب إستراتيجية واضحة في مجال المساهمات و المنشات العمومية
  • تدني الإنتاجية
  • ارتفاع كلفة الإنتاج
  • تعدد هياكل الإشراف على المنشات العمومية (إشراف قطاعي+ إشراف أفقي) مع غياب التنسيق
  • ضعف استقلالية مجالس الإدارة في اتخاذ القرارات
  • عدم اعتماد معايير موضوعية و محددة مسبقا لتعيين رؤساء المنشات و أعضاء المجالس
  • عدم فاعلية إجراءات الرقابة الداخلية

كما أصدرت وحدة متابعة الأنظمة الإنتاجية بالمؤسسات و المنشات العمومية تقريرا سنة 2013 حول أداء المؤسسات العمومية بين 2010 و 2012 رصدت خلاله تراجع الايرادات الإجمالية لنحو 95 مؤسسة و منشاة عمومية بنسبة 30 في المائة و حققت صافي خسائر في سنة 2012 يزيد عن 200 مليون دينار (مقابل صافي أرباح قدره 1,1 مليار دينار سنة 2010)

و من أصل 95 مؤسسة و منشاة مدرجة في التقرير سجلت 52 خسارة صافية في 2012 من بينها الشركة  التونسية  للكهرباء  و الغاز و شركة  نقل تونس و الخطوط الجوية التونسية و الشركة التونسية للبنك و المجمع الكيمياوي التونسي و في نفس الفترة ارتفعت نفقات الدعم من 2,5 مليار دينار في 2010 إلى أكثر من 6 مليار دينار في 2012.

و إضافة إلى مجمل الأسباب المذكورة المتعلقة بتدهور الوضع المالي هناك أسباب أخرى ساهمت في تراكم العجز المالي و تراجع الإنتاج و الإنتاجية حسب تقارير أجهزة الرقابة  و تتمثل خاصة في :

  • غياب الكفاءة
  • §                     و سوء التصرف
  • و استشراء ممارسات الفساد
  • و غياب المساءلة
    • التفويت

إن وضع أغلب المنشات العمومية في تونس سيئ جدا (وضع مالي متردي يتمثل في تراكم الديون و صعوبات لخلاص العملاء…) و إذا تواصل الحال على ما هو عليه فان الإفلاس ينتظر الكثير من هذه المنشات.  و نلاحظ أن السلطة العمومية  قد عملت لتفادي التفليس على تحميل  المجموعة الوطنية العبء الثقيل الذي ترزح تحته المنشات العمومية  و بالتالي دفعت المجموعة الوطنية من مجهودها نتائج سوء التصرف و الفساد.  و عوض أن يتوجه جزء هام من ميزانية الدولة للاستثمار و حل مشاكل التشغيل و الصحة و التعليم  فإنه يتم توجيهه لمساعدة المنشآت العمومية على تجاوز صعوباتها. غير أن هذه المساعدات لم تحل الإشكال سابقا و لن تحله مستقبلا و لا يمكن للمجموعة الوطنية أن تواصل تحمل هذا العبء إلى ما لا نهاية. لذا  إلى جانب مخاطر التفليس الحقيقية تلوح في الأفق مخاطر أخرى لا تقل خطورة على المجموعة الوطنية تهدد المنشات العمومية وهي مخاطر التفويت إذ تعتقد فئة من السياسيين و المهتمين بالاقتصاد في بلادنا (عن قناعة أو لغاية في نفس يعقوب) و في إطار رؤية ليبرالية للاقتصاد  أن التفويت في المنشات العمومية للخواص (أو ما يعرف بالخصخصة) يمثل الحل الأمثل لمعالجة كل الإشكاليات المطروحة . و هناك أطراف فاعلة سياسيا و اقتصاديا تنتظر الفرصة السانحة للانقضاض على هذه المنشات و ربما تدفع نحو التفليس لان هذه الطريق قد تكون الوسيلة لدفع الدولة للتفويت  للخواص و أساسا الأجانب في عديد المنشآت العمومية.

 و لا شك أن الوضع الحالي للمنشات العمومية يعطي حجة قوية  لبعض اللوبيات التي تدفع في اتجاه التفويت. مع العلم أن التفويت في المنشات العمومية للخواص يتم عادة بأثمان رمزية لا تعبر عن المجهود الذي بذلته المجموعة الوطنية لبعث المنشآت و الحفاظ عليها.

لقد تم منذ التسعينات من القرن الماضي التفويت في العديد من المنشات العمومية طورا بدعوى إنقاذها و طورا بدعوى تحسين الإنتاجية بتطوير المنافسة[v] لكن الحقيقة الثابتة هو أن التوجه الليبرالي الذي يعتبر أن كل مشاكل المؤسسة العمومية تحل بخصخصتها نظرا إلى أن التسيير يخضع لقواعد علمية لا تتوفر للمنشاة العمومية يعمل فقط من منطلق ايديولوجي و مصلحي في نفس الوقت لفائدة راس المال من اجل ترسيخه كتوجه عام لاقتصاد البلاد و يحارب كل توجه عمومي .

هذا التوجه الليبرالي يعتبر أن  الدور الاجتماعي الذي تقوم به المنشاة العمومية (في بعض الأحيان بصورة خاطئة) هو سبب فشلها و يعتبر أن الحل يتمثل  في  التخلص من نسبة كبيرة من الأجراء وهي عادة الطريقة المعتمدة حتى تتحول المؤسسة  المخصخصة من وضع إلى آخر أي من وضع الخسارة و التداين  المفرط و الصعوبات المالية  إلى وضع تحقيق الأرباح و البحبوحة المالية.

لكن إذا كان التخلص من بعض الأجراء في صورة تجاوز العدد الضروري مقبولا فإن الواقع أثبت – حسب حالات الخصخصة السابقة- أن أصحاب رأس المال الذين تمكنوا من شراء المؤسسات العمومية يحملون الأجراء أكثر من طاقتهم و يطالبونهم بأكثر مما يخوله القانون و يستغلون الأجراء الذين لم يتم التخلص منهم استغلالا فاحشا و ذلك بتسليط مخاطر عقوبة الطرد في صورة عدم الانضباط و  الخضوع للأوامر المسقطة.

كما تعمل  المؤسسة المخصخصة إضافة إلى  الانتفاع بالامتيازات الجبائية التي عادة ما ترتبط بالخصخصة   على استغلال نقائص النصوص الجبائية  تحت عنوان ” تحقيق أقصى استفادة ضريبية ” (L’optimisation fiscale) كوسيلة للربح وهو ما لا يمكن للمنشاة العمومية أن تقوم به انطلاقا من المبادئ التي تخضع لها أساسا و عادة ما لا يصاحب الخصخصة  أي تحسن في المنتوج أو الخدمات وهي الحجة “الكاذبة” التي كثيرا ما أصم بها الليبراليون الأذان.

ويعني  ما  سبق ذكره أن الدولة عند التفويت في منشاتها العمومية تخسر على مستويات عدة :

  • إذ تخسر من جهة أولى على مستوى التشغيل (كل المؤسسات المخصخصة تطرد أعدادا كبيرة من الشغالين و تجد الدولة نفسها مطالبة بتوفير الشغل للمطرودين)
  • §                     و تخسر  من جهة ثانية على مستوى الموارد الجبائية نظرا للإعفاءات و التهرب الجبائي المصاحب…)
  • و تخسر من جهة ثالثة على مستوى الخدمات حيث أثبتت التجربة أن الخدمة أو منتوج المؤسسة المخصخصة لا يتحسن و يرتفع ثمنه.

خاتمة

نحن نعتقد أن إنقاذ المنشات العمومية و إصلاحها لازال ممكنا و يعتبر إصلاح  الإطار القانوني  الحلقة الأقل صعوبة نظرا إلى أن هذا الإصلاح باعتباره يتعلق بالتسيير لا يتطلب موارد مالية إضافية  لكن هذا الإصلاح مرتبط شديد الارتباط بتوفر الإرادة السياسية. و في صورة تم التوصل إلى  إصلاح الإشكاليات المطروحة بعلاقة بالإطار القانوني فانه يمكن وضع هذه المنشات على سكة الإنقاذ و البحث  عن موارد مالية إضافية  لدفع و تطوير نشاط المؤسسة و يمكن أن يتم ذلك باعتماد سياسة اقتراض موجه و مفيد سواء عبر الاقتراض المحلي أو الخارجي الذي تتعهد المنشأة بخلاصه من مواردها الذاتية و بالتالي من أرباحها المستقبلية.  لكن في النهاية تبدو المسالة سياسية و مرتبطة بالإرادة السياسية إذ تتطلب الإصلاحات قرارا سياسيا وطنيا حازما و حاسما و يبدو إلى حد الآن على الأقل أنه لا وجود لهذه الإرادة السياسية و لا وجود لقوة سياسية قادرة على اتخاذ القرار الوطني الحازم.

[v] : القانون عدد102  لسنة 1994 المؤرخ فًي غرة أوت 1994  والقانون عدد 74 لسنة 1996 المؤرخ فًي 29 جوٌيلية 1996   و القانون عدد 38 لسنة 1999 المؤرخ فًي 3 ماي  1999  و القانون عدد  36 لسنة 2006 مؤرخ فًي12 جوان  2006

[v] : الأمر عدد 552 لسنة 1997 المؤرخ فًي 31 مارس 1997 المتعلق بضبط مشمولات المدٌيريٌن العامٌين و مهام مجالس المؤسسة للمؤسسات العمومٌة التًي لا تكتسًي صبغة إدارٌية

[v] : الأمر عدد 2197 لسنة 2002 المؤرخ في 07 أكتوبر 2002 والمتعلق بكٌيفٌية ممارسة الإشراف على المنشآت العمومٌة وصٌيغ المصادقة على أعمال التصرف فٌيها وتمثٌيل المساهمٌين العمومٌيين فًي هيئات تصرفها وتسٌييرها وتحديٌد الالتزامات الموضوعة على كاهلها

[v] : الأمر عدد 2198 لسنة 2002 المؤرخ في 07أكتوبر 2002 والمتعلق بكٌيفٌية ممارسة الإشراف على المؤسسات العمومٌة التي لا تكتسيً صبغة إداريٌة وصٌيغ المصادقة على أعمال التصرف فٌيها وطرق وشروط تعٌيين أعضاء مجلس المؤسسة وتحديٌد الالتزامات الموضوعة على كاهلها

[v] : الأمر عدد 2199 لسنة 2002المؤرخ فًي 7أكتوبر 2002 المتعلق بضبط قائمة المؤسسات العمومية التي لا تكتسي صبغة إدارية و التي تعتبر منشات عمومية

[v] : المنشور عدد 38 المؤرخ فًي 25 أوت  1997المتعلق بتطبٌيق أحكام القانون عدد 74 المؤرخ فًي 29 جويلٌية 1997

[v] : منشور الوزيٌر الأول عدد 46 المؤرخ فًي غرة سبتمبر 2005 حول تسٌيير المنشآت و المؤسسات العمومٌية و الإشراف علٌيها

[v] : منشور الوزيٌر الأول عدد 11 المؤرخ فًي 8 مارس 2006 حول متابعة المنشآت ذات المساهمات العمومٌة

[v] : منشور رئٌيس الحكومة عدد 16 بتارٌيخ 27 مارس 2012 حول تكرٌيس الشفافٌية و الحوكمة الرشٌيدة و مقاومة الفساد

[v] : انظر  حسين الرحيلي: المؤسسات العمومية و التشغيل – دراسة حالة: شركة فسفاط قفصة و المجمع الكيميائي ضمن المؤلف الجماعي لجمعية البحوث الاقتصادية و الاجتماعية محمد علي الحامي : .كيف نحمي المنشات و المؤسسات العمومية؟

[v] : نلاحظ أن الزيادة في عدد الأجراء كالزيادة في المبلغ الجملي للأجور في السنوات المذكورة بالتقرير مرتبطان  بصورة كبيرة بالإجراءات المتخذة في إطار تنفيذ قانون  العفو التشريعي العام

[v] : انظر مصطفى الجويلي: خوصصة المؤسسات العمومية – ما وراء المغالطات – ضمن المؤلف الجماعي لجمعية البحوث الاقتصادية و الاجتماعية محمد علي الحامي : .كيف نحمي المنشات و المؤسسات العمومية؟

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s