اليسار التونسي : استخلاصات مرحلة . الحلقة (3) : اليسار التونسي والتباسات النقد الذاتي (الجزء الثاني ) .

رامي الرياحي

اشرت في الحلقة الثانية أن الهزيمة الإنتخابية لليسار التونسي هزيمة عرضية متأخرة مقابل هزائم سابقة و”مزمنة “،إذ دخلنا معركة الجزء الأول من الثورة التونسية” مهزومين” كليا رغم التفاؤل بالاحداث الثورية وانخراطنا الفعال والحاسم فيها ،وذلك “جراء عوامل مختلفة ؛ اهمها “ضعف” مساهمتنا في المناقشة الفكرية التي شهدتها الساحة اليسارية الدولية عشية انهيار التجربة السوفييتية وتحول الصين الى بلد مطبع مع الرأسمالية يئن تحت وقع الفضائح والأزمات ،وهو ما انعكس سلبا على الآداء الفكري والسياسي لليسار اثناء المرحلة الأولى من المسار الثوري ، اي طيلة العشرية المنقضية،رغم ان تلك المحاولات “الإستثنائية” “الضعيفة” قد اسعفتنا في تشكيل تصور في الحين ،عشية سقوط بن على ،لانتقال آمن للسلطة السياسية ،نجنب فيه الجماهير الشعبية من مذبحة عودة النظام النوفمبري بشكل اعنف جراء الإنتصار المباغت و المبكر ،كما نجنبها فيه من القبضة المحكمة للقوى الرجعية الرديفة للإمبريالية ،القوى الظلامية وحلفها ،وقد وفقنا الى حدود معقولة وهو ما شفع لنا عند من صوتو لقائماتنا في انتخابات 2014 ، لكننا بشكل عام وجدنا أنفسنا كتشكيل سياسي مستنزف ، وقد القت بنا الجماهير التي خلعت الجنرال بن علي رأس النظام السابق ، وسط امواج متلاطمة ،في سباق الى السلطة مع سباحين آخرين لهم القدرة والجاهزية والتصميم على الفوز ، بينما نحن نحتاج لدروس تعليم السباحة .

وناهيك عن العامل الرئيسي المذكور ،هناك عوامل اخرى ذاتية تتعلق بعيوب نشأة هذا التشكيل السياسي عموما و التركة الدوغمائية التي حملها طيلة احقاب تطوره من حيث أفكاره وسلوكه السياسي على مدى عقود،بل طيلة قرن ،سواء كان من شق يسار موسكو ،او الشق الآخر الناقد له ؛ فرغم الإختلافات العميقة في التكتيكات والتحالفات والشعارات بين هذين التيارين الذان سادا اليسار التونسي والعربي وحتى على مستوى العالم ،الا ان السمة الفكرية الأساسية لكليهما ضلت الدوغمائية في تبني وجهة نظر “المركز ” في الصراعات الدولية وحتى في السياسات الداخلية ، فمن لم تكن “الكريملين ” بقاعه المقدسة ،ما كان له الا أن استعاض عنها ب”بيكين”،العاصمة الجديدة المضفرة ،حتى ان من لم يجد في المذكورتين ضالته ،وفي سابقة تاريخية جديرة في حد ذاتها بدراسة مخصوصة ، توجه للإسترشاد بكل ما يقوله زعيم “تيرانا ” حرفيا ودون نقاش ،حيث كان مذيع “تيرانا” يملي وكان رفاقنا التيرانيون يدونون ، ثم يلخصون للأنصار والمتعاطفين لاحقا .

اما العوامل الموضوعية التي اثرت على جاهزية اليسار التونسي،سياسيا وفكريا ، لمواكبة تحولات سنة 2011 ، فقد كانت عديدة ومتنوعة اهمها الصحراء السياسية التي احاط بها الإستبداد وطننا العربي دون استثنائات ، وسياسات دول الريع النفطي الخليجة في إفساد ما تبقى من حصون الوعي العربي بعد “اوسلو ” وتحويل البقية الباقية من مثقفي الثورة الفلسطينية الى قتلة مأجورين للضمائر والمعنويات بعد ان استقال وأحبط اهمهم .
ونقصد ب”مثقفي الثورة الفلسطينية ” كل أولئك المثقفين العرب الذين وقعو في انتاج أدبهم وفنونهم تحت تأثير المد الثوري للمقاومة الفلسطينية كبؤرة لمقاومة الرأسمالية والصهيونية والاحتلال ،وواجهو النظام العربي الرسمي المتهاون في قضايا السيادة الوطنية والحرية والتنوير وكرامة المواطن والعدالة الاجتماعية …
إذا يستفيق اليسار التونسي بعد عقود من الركود والتلفيق والتوفيق والعشواء الفكري ،على عالم جديد ليس فيه لا سند فكري من ” بيكن” ولا بوصلة تحددها ” موسكو”، ولا حتى “جملة” منقذة من أثير إذاعة “تيرانا” التي تحولت الى منبر ديني يعرف بفضائل المسيح والروح القدس ، ويجد نفسه مسؤولا على رسم سياساته العملية بنفسه،فيصحو منهزما على الصعيد “الفكري” غير قادر على قيادة الصراع الأديولوجي وهو ينكر ذلك تمام الإنكار ،ودون ان تكون له رؤية واضحة او تصور متكامل النواحي لهذا الواقع المعقد الذي لم يفصح بعد عن نفسه مرة واحدة ( وهذا لا يعني غياب الرؤية مطلقا او عدم وجود اي تصور بالمرة )،وممعنا في سياسة الإنكار ، يلجؤ لتراثه القديم الذي لم ينفض عنه غبار ،ولم يتفحص بعد ما تلف فيه وما ضل يصلح زادا للطريق ،ولما تتعقد الأمور ولا يجيب هذا التراث على ما في الواقع من تعقيدات تجده يرفع رأسه متطلعا لتجارب اخرى جديدة لا تخصه ، عصية على فهمه البسيط ،لكونها كتجارب جديدة جائت بناء على خلاصة لأفكار أصحابها ونتيجة مشاركتهم في ذلك النقاش النظري العالمي لليسار والماركسيين بعد تلف المرجعيات وانهيار البديهيات والمسلمات في نهاية التسعينات وطيلة الالفينات ،وهي تجارب جديدة غير مضمونة العواقب حتى بالنسبة لأصحابها من جهة اخرى ، فتجد بعض قادة الأحزاب يمدحون اليوم نهج حزب العمال البرازيلي في رسم ملامح البرازيل الجديدة ،ويدافعون بضراوة عن سيرة زعيمه “لولا ” في وجه المشككين وال”رجعيين”،ويحثون رفاقهم على “استنساخ ” نفس المحاولة في “تأسيس يسار جديد” ،وتجدهم غدا محبطين و مشككين هم بدورهم ما إن يخسر الحزب المذكور الانتخابات ويدخل زعيمه السجن بتهم الفساد ، وتجد بعضهم الآخر يخصص نشريته الحزبية لملف “انتصار سيريسا في اليونان ” ونجمه الصاعد في سماء اوروبا،ويخصص الحزب صاحب النشرية الندوات واللقائات للتعريف بهذا النصر البين الذي سيرفع المعنويات ، ثم يخصصون الملف التالي من نفس النشرية بعد اشهر قليلة ل “رثاء سيريسا ” عشية إذعانها في المفاوضات مع “الترويكا ” المالية الأوروبية وقبولها بحزمة اجرائات التقشف الجديدة .

طبعا وسط كل هذه الزوبعة هناك استثنائات من حيث حضور الرؤية والتصور ولو جزئيا ، وهناك اجتهادات واضحة ومدونة ،وإن كانت مغمورة او منسية ولم تجد بعد طريقها لتتحول الى “نظريات” متماسكة و خيارات “أوديولوجية ” “شاملة” لكنها مهمة و موثقة، ولازالت مؤثرة في قطبي اليسار الرئيسيين ،نجدها واضحة في نصوص الرفيق محمد الكيلاني ومقالاته حول العولمة ووجهة العالم في ظلها طيلة العقد الأول بعد انبلاج القرن الواحد والعشرين ،وخاصة بعد غزو العراق ،وإن كانت استنتاجات الرفيق الكيلاني غير بعيدة عن استنتاجات كل يسار موسكو قبله بسنوات ،الا انها خلافا ليسار السبعينات الموسكوفي لم تجعل من “البيروسترويكا ” مرجعية فكرية وأدبية لها ،وهو الجزء المهم فيها ،بل انها عادت لأطروحة كاوتسكي الأولى التي شككت في كون “الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية “،انتقدت التفاؤل اللينيني المفرط ،مستنتجة ان “العولمة ” ليست مجرد “مضهر” من مضاهر الإمبرياية,بل مرحلة اخرى مختلفة واعلى من الأولى ،وقد تمتد ربما لقرون ،وأن طريق التغيير يكمن في التدرج في الإستفادة من ارهاصات العولمة في حد ذاتها و”الإنحناء زمن العاصفة” من اجل مراكمة الإصلاحات في ضل الأنظمة القائمة القابلة للتغير ، وأن ما قد نراه ثورة (révolution)في هكذا شروط دولية وإقليمية قد يتحول الى عملية تطور عكسي (dévolution) ،وهو من بين اهم اليساريين في تونس من حيث وفائه لما فكر فيه منذ عشرين سنة على الأقل وما كتبه ونظر له،وتكمن أهمية أطروحته -رغم ٱختلافي الجذري معها ،ورغم سقوطها في أول امتحان صعب كالثورة التونسية – في كونها خروجا عن حدود النقاش المعتاد وانفلاتا عن الدوغما وعودة جريئة لنقاش “الأصول” في الافكار الماركسية التي طبعت القرن المنصرم ، والعيب فيها بالإضافة للنتائج التي ذهبت اليها هو تلك الرمزية التي زادت من الصعوبات ما ينفر اليسار من اي نقد جريء ،اي ان كل نقد قد يتحول الى “انسلاخ” و “ذوبان ” كما اصبح الكيلاني عليه .

في المقابل وبالإتجاه المعاكس نجد الاستثناء ايضا ،وبوادر العمل الجدي ، في نصين مهمين لرفيقنا الشهيد شكري بلعيد ،نصان رئيسيان وفاصلان ، يجسدان عنوانا لتصور “جنيني” للمرحلة الراهنة، مرحلة الخروج من سنوات العولمة والقطب الواحد القائد للكرة الأرضية ،نحو مرحلة جديدة تتعدد فيها الأقطاب وتسهل فيها” الإختراقات ” للمنظومة الرأسمالية من جديد ،وأن الثورة لازالت ممكنة رغم سقوط جدار برلين ،فكتب شكري بلعيد دراسته المغمورة ( رغم انها الأهم في كتاباته ك”مفكر” ) “نظام عالمي جديد ام مرحلة انتقالية ” سنة 1994 اثر حرب الخليج الأولى وبداية حصار بغداد ( التاريخ يضل للتدقيق رغم ان الاحداث المشار لها في الدراسة تؤكده في اكثر من موضع ) ،وهي دراسة عن طبيعة العولمة في تلك المرحلة والتوجه الأمريكي لقيادة العالم بشكل منفرد ومطلق،وهو سبب ما يحصل للعراق ، وأن هذا التوجه رغم ما يبدو عليه من اكتساح وأن العولمة وما بدا عليها كنهاية محتمة للتاريخ ، الا ان ذلك غير” منطقي “، وغير حتمي ،وإن الإجماع الدولي على تلك التحولات الدراماتيكية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية ينطوي في أحشائه على صراعات اخرى ضارية سرعان ما سيفرج عنها في سنوات قليلة لاحقة ولن يستمر ذاك الوضع طويلا ،وتحدث الرفيق شكري بإسهاب عن إعادة توطين الرساميل من اوروبا وأمريكا ،او جزء منها في “نمور شرق آسيا ” وبحر الصين والدور المهم لذلك في ضهور قوى جديدة على المسرح الدولي ،وكون ضهور هذه القوى الجديدة سيدخلها في صراعات مع القوى القومية القديمة في المتروبولات القديمة،وجراء ذلك ستخف وطأة الهيمنة الإمبريالية على هذا البلد او ذاك في غمرة التنافس الرأسمالي وهو ما قد يتيح فرصا لقوى التحرر الوطني في “الإفلات” من قبضة ضيق الأفق وانعدام الخيارات ،وأكد ان الرأسمال في عمومه لم ينفصل بعد عن السياسات “القومية ” للدول رغم كثرة الحديث عن الرأسمال العابر للقوميات وحتى العابر للقارات ،اي الرأسمال المعولم، والجديد في هذا النص هو تطرق الرفيق لأول نقد جدي للتجربة السوفييتية وتقسيمها الى مرحلتين ،مرحلة الصعود وتحقيق المكاسب ومن ثم مقدمات الافول …
ثم كتب الرفيق شكري نصا جديدا نشر في غرة ماي 2001 في شكل عريضة وقعها مجمل اطياف اليسار حينها واشتهرت تحت عنوان “وثيقة الالفي يساري ” وكان عنوان النص “من أجل بديل ديمقراطي شعبي، من أجل الجمهورية الديمقراطية” فيه تصور فكري واضح لوضع انتقالي بين تونس التي يحكمها بن علي وتونس اخرى متحررة ديمقراطية تتهيؤ كي تحكمها قوى “اخرى ” وهي نفس خارطة الطريق تقريبا التي انتهجناها عشية هروب بن علي في ظل موازين قوى لم تسمح بتحقيق كل فصولها … وكانت افكارا واضحة وجديدة تماما لحظة كتابتها متصالحة مع التراث التنويري للشعوب ومتصالحة مع الديمقراطية ، واستثنائية في كونها لم تقع في موجة النحيب والتشاؤم الذي ساد اليسار في تلك اللحظة الفارقة من تاريخه حيث افل نجم الماركسية وتحول معظم المفكرين الماركسيين الى كتاب بالأجرة واساتذة جامعات رتيبين واسقطو من يدهم الراية الحمراء ،لكنها ضلت افكارا بدائية منقوصة،قليلا ،و كثيرا ،وهي تبويب لنقد اعمق لم يحصل بعد و تصور عام مجرد لما يحدث اليوم ولم تدخل في التفاصيل وما يجب وما ينبغي ،وكيف وكم ….او انها لم تطرح على نفسها ذلك ، اي لم تدخل في علاقة اليسار بالديمقراطية وأشكالها ومضامينها ولم تراجع علاقته بحرية الافراد ومستوياتها ،ولا علاقته بالثورات في العلم،في التكنولوجية الحديثة التي يسير على وقعها عالم اليوم والتي تسهل حياة مليارات من البشر وتعقدها لمليارات أخرى ،هل الأجدى للبشر توظيف هذه الثورات لرفاههم ام لتسلحهم الثقيل كما كان يفعل الرفاق السوفييت ؟ ولم تتعرض الى مكامن فشل تجاربنا الاولى السابقة كي لا نقع فيها مجددا،وكي نستطيع من جديد تشكيل سردية مستجدة مؤثرة عن عالم جديد افضل وأكثر عدلا ندعو لها جماهير المفقرين والكادحين و لا تكون “مهزلة” ومدعاة للسخرية ،إذ أن كارل ماركس نفسه استنتج اهم افكاره وأطروحته بناء على نقد تجربة “الكومونة ” موضحا اخطائها .

ان افكارنا القديمة لم تعد تجيب على الأسئلة الحارقة ،ولا تفي بكل حاجات ومتطلبات رسم طريق واضح نحو السلطة السياسية اليوم ، اي نحو “الأنقلاب الإجتماعي المنشود الذي من شأنه وضع بلدنا على طريق افضل .

من ذلك كله وغيره لم يعد من ريب في كون اليسار التونسي يعيش حالة اغتراب سياسي ،في دوامة الإنكار والخوف من كل نقد جدي او اجتهاد فكري ،وهذا ما يمنع انغراسه العضوي وسط جماهير تبحث عن حلول لمشاكلها ،ولا تقبل بأي غث ،وأي تلفيق وتوفيق … ومن ذلك ايضا وجب استئصال تيار هذا “الإنكار ” وهذا “الخوف ” من النقد ومن “المجهول” ، وسنوضح طبيعته في المنشور الموالي .

_____________________
يتبع
______________________
الحلقة القادمة : الحلقة (4): الدولة العميقة / اليسار العميق .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s