ماركس يعود إلى الحياة على المسرح…

علاء اللامي- مجلة البديل العراقي

مسرحية “ماركس في سوهو” الفصل الخاص بكومونة باريس. تأليف المؤرخ الأمريكي الراحل هُوارد زِن. المسرحية تتخيل عودة الفيلسوف الاشتراكي الثائر كارل ماركس إلى الحياة في عصرنا ليلقي محاضرة على الجمهور في حي سوهو اللندني، يدافع فيها عن أفكاره التي شوّهها الفهم الخاطئ والمغرض، وأساء استخدامها كثيرون ممن يزعمون تبنيها والانتماء إلى ماركس. المسرحية من أداء ممثل واحد هو براين جونز. يعتمد المؤرخ هوارد زن في كتابته لهذه المسرحية على ما كتب عن سيرة حياة ماركس بشكل وثيق ومرن وخفيف الظل.
وفيها يتطرق زن لبعض خصوصيات حياة ماركس وكتابته، ويتطرق الى تحول والد ماركس من اليهودية إلى المسيحية (فليس من السهل أن تكون يهوديا في ألمانيا) كما يقول مازحا. ويتطرق إلى اسمه الذي يناديه به أصدقاؤه وأهل بيته وهو “المغربي” بسبب سمرة بشرته كما قال! وكيف أن ابنته إيلانور كانت تضع على صدرها الصليب والنجمة السداسية معا. ويوضع أنها كانت تضع الصليب ليس لأنها مغرمة بالمسيحية بل لأنها تحب الإيرلنديين وثورتهم وبطولاتهم ضد الاستعمار البريطاني! وقد احتجت إيلانور ذات مرة على تخصيص أبيها للرأسماليين اليهود بالجشع الرأسمالي، فقالت له على سبيل التحدي “أنا يهودية” فقال لها “هذه حركة يهودية تماما”! ثم وضح لها قصده من كلامه حول المسألة اليهودية. كما تتطرق المسرحية لخلافات ماركس مع القائد الأناركي باكونين حول الموقف الثوري من الدولة والطريق نحو إزالتها من الوجود لأنها ستكون نافلة ولا حاجة للبشر بها بعد القضاء على شرور الصراع الطبقي بواسطة “دكتاتورية البروليتاريا”. ويوضح ماركس إنه لم يقصد دكتاتورية الفرد أو الحزب أو اللجنة المركزية بل دكتاتورية مؤقتة للطبقة الطالعة والمنتصرة على الرأسماليين، وهي دولة مؤقتة صائرة الى الزوال والتهكم والتلميح إلى التجربة الستالينية في الاتحاد السوفيتي من طرف هوارد زن واضحان جدا، مثلما هو واضح أن الكومونة والاتحاد السوفيتي دخلا في تراث الحركة المساواتية الاشتراكية العالمية وأصبحا جزءا من تجربتها الغنية الحية.
*ثمة أشياء كثيرة في وصف ماركس لدولة اللادولة في تجربة كومونة باريس، تذكرنا بمجتمعات اللادولة، ومنها نموذج دولة اللادولة في عراق القرن الثامن عشر بعد الثورة الثلاثية سنة 1787/ الرابط الثاني في نهاية المنشور، والتي يجهلها غالبية المثقفين والساسة العراقيين، وقد استمر هذا النموذج المجتمعي العراقي في الوجود خلال العهد العثماني وحتى الغزو البريطاني للعراق. وبخصوص كومونة باريس، قال ماركس بلسان هوارد زن، بداية من الدقيقة 49 تقريبا:
*هل تعرفون ذلك الفصل الرائع من تاريخ البشرية، كومونة باريس؟ بدأت القصة بتصرف أحمق من نابليون الثالث ابن أخ نابليون بونابارت. كان مهرجا، ممثلا على خشبة المسرح يبتسم للحشود. ستة ملايين من الفلاحين الفرنسيين يعيشون في زرائب مظلمة ويموت أطفالهم جوعا. لكن نابليون الثالث لأن لديه هيئة تشريعية “برلمان وناس يقترعون فقد ظن أن لديهم ديموقراطية وهذا خطأ شائع!
*ولأنه أراد المجد فقد ارتكب بونابارت خطأ مهاجمة جيوش بسمارك ” ألمانيا” وسرعان ماهزم ودخلت جحافل الألمان المنتصرة باريس فاستقبلت بما هوأكبر إحباطا من البنادق. غنه الصمت. كانت مقاومة ضخمة ولكنها صامتة وغير مرئية. تصرف الألمان بحكمة فاستعرضوا قواتهم ثم انسحبوا من باريس سريعا. ولكن النظام الفرنسي القديم أو الليبراليون كما كانوا يسمون أنفسهم كانوا يرتعدون خوفا ولم يجرؤوا على العودة إلى باريس. وبعد انسحاب الألمان أصبحت باريس بيد العمال وربات البيوت والمثقفين والموظفين المسلحين.
*لم يشكل أهل باريس حكومة، بل شكلوا شيئا أعظم مجدا، شكلوا شيئا تخشاه الحكومات في كل مكان. إنها الكومونة، طاقة الشعب الجمعية. طوَّق الجيش الفرنسي باريس مهددا باجتياحها في أية لحظة. ولكن باريس صارت أول مدينة حرة في العالم. أول جزيرة حرية في عالم الطغيان. هذه هي الديموقراطية الحقة وليس الديموقراطية في بريطانيا والولايات المتحدة حيث الانتخابات أشبه بالسيرك، يختار الناس فيه إما هذا أو ذاك من حماة النظام القديم ليستمر الأغنياء بحكم البلاد أيا كان الفائز في الانتخابات.
*لم تعش الكومونة إلا شهرين لكنها كانت أول هيئة تشريعية للفقراء في التاريخ. كانت قراراتها لمصلحة الفقراء ومنها:
*ألغت ديونهم وأجلت دفع إيجاراتهم وأجبرت متاجر الرهن على إعادة الممتلكات لأصحابها وخفضوا ساعات عمل العمال.
*رفض رجال الكومونة تقاضي رواتب تفوق رواتب العمال.
*وأنشأت الكومونة لجنة لتعليم المرأة.
*قررت بناء مدارس تعلم الأطفال “محبة واحترام أقرانهم من البشر”.
*حطمت كومونة باريس المقصلة، رمز الطغيان حتى الثوري منه، ثم تجمع الكومونيون مرتدين أوشحة حمراء حاملين راية حمراء حول مسلة الفاندوم رمز القوة العسكرية الفرنسية التي يعلوها رأس ضخم لبونابارت وأسقطوا الرأس ثم صعدوا على ما تبقى من المسلة ورفعوا راياتهم الحمراء وبكى الرجال والنساء فرحا!
* تشارك الناسُ الأشياءَ وكان اللطف هو الحاكم. وكانت الابتسامة أكثر انتشارا.
*الشوارع كانت آمنة دون وجود أية شرطة من أي نوع. نعم، تلك كانت هي الاشتراكية. وبالطبع هذا النموذج ما كانوا ليسمحوا بوجوده.
*اقتحم الجيش الفرنسي باريس وحدثت المذبحة. أسروا قادة الكومونة أخذوهم الى مقبرة “بييرلاشيز” وأطلق الرصاص عليهم. قُتل في معركة الكومونة ثلاثون ألف من الناس (استمرت مقاومة الكومونيين مدة أسبوع، قاتلوا فيه ببسالة منقطعة النظير وبأسلحة بدائية دفاعا عن حريتهم الحقيقية، وسمي ذلك الأسبوع في التاريخ الفرنسي بالأسبوع الدموي “La semaine sanglante” ع.ل) وسُحِقَت الكومونة على أيدي ذئاب وخنازير، ولكنها كانت أعظم إنجازات زماننا مجداً!

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s