الكوفيد 19 : من التباعد الإجتماعي إلى هشاشة التشغيل

الأمين العليبي

في زمن “المابعديات”، كتب سياسيون و فلاسفة و أدباء و اقتصاديون و علماء اجتماع عن” ما بعد الكوفيد 19″ في علاقة بمستقبل التشغيل و العمل في المرحلة القدمة و مسألة تنظيم فضاءاته و زمنه… لقد اتخذت كل حكومات العالم حزمة من الإجراءات الوقائية متفاوتة الصرامة كان في مقدمتها الحجر الصحي الشامل،مما تسبب في حبس 6 مليارات من البشر في بيوتهم و أحال مئات الملايين من الأجراء على البطالة المؤقتة و ربما الدائمة مستقبلا، و لم يسمح إلا لأقلية من العاملين النشطين (بين 10 إلى 20٪ من مجموع النشطين في العالم) لتأمين الحاجات الضرورية لاستمرار الحياة في ظل الحجر،مما جعل عديد الخبراء في الاقتصاد و علم الاجتماع يتوقعون أن تتوجة السياسات النيوليبرالية في السنوات المقبلة إلى انتهاج أكثر أشكال التشغيل هشاشة للضغط على كلفة الإنتاج من جهة و للتخفيف من حضور العمال في فضاءات العمل السابقة و لعل التشغيل عن بعد أو تحويل المصنع أو المؤسسة الإقتصادية إلى المنازل من بين الأشكال التي جرى التدرب عليها بمناسبة أزمة فيروس كورونا… التكنولوجيا و العمل : من البديهي أن تطور التكنولوجيا يوفر ظروف عمل أفضل و يضاعف الإنتاج و لكنه يحيل سنويا أعدادا متزايدة من العمال على البطالة…فتقف التكنولوجيا في مواجهة قوة العمل، رغم الإعتقاد أن تخلص موقع الإنتاج من جزء من عماله يقترن بفتح مجالات عمل أخرى كما كان في بداية الرأسمالية الصناعية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر و بداية القرن العشرين. و لكن الرأسمالية الحديثة تقوم عن قصد بتفكيك الطبقة العاملة بقطع النظر عن خلق مجالات تشغيل جديدة، هذا زيادة على إحلال الروبوت محل الإنسان سعيا لعدم دفع أجور للعمال مهما كانت متدنية، لأن الهدف بالنسبة للبورجوازية ليس التقدم العلمي، و إنما توظيف العلم لمراكمة الثروة بالضغط على الأجور…لقد سبق أن درس ماركس هذه المسألة في نظرية التعويض la compensation في حقبة كانت الرأسمالية التنافسية بحاجة إلى انتشار الصناعة و سكك الحديد و الكهربة و تطوير البنية التحتية للصناعات الجديدة… إلا أنه مع تحول الرأسمالية إلى الإحتكار و انتهاج سبيل الحروب الامبريالية للسيطرة على الأسواق و مصادر الطاقة و خاصة مع بداية سبعينات القرن الماضي تنامت ظاهرة تصدير “رأس المال العامل الإنتاجي”Profuctive working capital من المتروبول الإمبريالي إلى المستعمرات و أشباه المستعمرات مما خلق تصدعات و اصطفافات داخل الطبقة العاملة نفسها سواء في المركز أو المحيط : عمال مختصون، حاصلون على تعليم جيد لصناعة دقيقة بأجور مرتفعة و عمال بأجور بخسة في صناعات ملوثة و لا تتطلب مهارات كبيرة تنتصب في البلدان الأكثر فقرا و الرازحة تحت الهيمنة الامبريالية… نجد في البلدان الامبريالية : عمال الإقتصاد الجديد الهاي تك/عمال القطاع الصناعي التقليدي/عمال الخدمات/عمال نصف الوقت أو أنصاف المعطلين عن العمل/عمال الدرجة الثانية المهاجرون و النساء و السود…بينما تتألف الطبقة العاملة في أشباه المستعمرات من : عمال الشركات الأجنبية/ عمال الصناعات التي يديرها الكمبرادور/عمال الخدمات/عمال الإقتصاد الموازي و الموسميون… سواء في المركز أو في المحيط ساهم تذرر الطبقة العاملة في جعلها غير قادرة على الجذب النقابي و السياسي رغم انتهاك حقوق العمال و تفاقم الطرد التعسفي و تفشي البطالة و تدهور ظروف العمل… و في حين يتعزز التحالف المعولم بين بورجوازية المركز الإمبريالي و كمبرادور المستعمرات، تضعف أواصر الكفاح العمالي بين عمال المركز و عمال المحيط… و قد يصبح الوضع أخطر بكثير بعد الكوفيد 19 في حال تمكن رأس المال المعولم من استغلال الجائحة لصالحه ضد مصالح العمال و الشعوب و الأمم المضطهدة،من خلال فرض قواعد تشغيل أكثر هشاشة و أكثر ربحا و في مقدمتها العمل عن بعد و العمل في المنازل… تسريع وتيرة أشكال التشغيل الهشة : يشير بعض الخبراء إلى أن شركات عالمية معروفة و ماركات عالمية و مساحات كبرى استفادت من الحجر الصحي لأنها لم تتوقف عن النشاط…فأشارت لوموند مثلا بتاريخ 2 ماي إلى أن مغازة Super U وفق تصريح لمديرتها حققت مرابيح زائدة ب 70٪.. كما واصلت محلات البيع عن بعد للحواسيب و الهواتف الذكية بالنسق العادي للسوق و نفس الشيء بالنسبة للمواد الإستهلاكية وفق صيغة الإيصال للمنازل. و يعتقد اقتصاديون و علماء اجتماع أن العمل عن بعد و أشكال التشغيل الأكثر هشاشة سيكون عنوان سياسات التشغيل بالنسبة للنيوليبرالية في المرحلة القادمة….يعرف العمل عن بعد أو العمل بالمنزل و العمل بالإنترنيت بأنه تنظيم شغلي يكون فيه الموظف غير مضطر للتنقل إلى مركز العمل المعتاد كالمباني المكتبية و المتاجر و المشروعات الرقمية.و الشخص الذي يعمل بدون عقود طويلة الأمد لجهة معينة أو شركة معينة… و تعتبر الإنترنيت أحد أكبر أسواق العمل عن بعد حيث يستطيع ربط شخص أو أكثر في بلدان و قارات مختلفة دون التقيد بالمكان و الزمان…لكن نظام التأجير يختلف تماما عن العمل المباشر المرتبط بالتأجير الشهري…العمل عن بعد يتميز بالتأجير بنظام الساعة أو باليوم أو الأجر بالمشروع… و هذا أمر يقع الإتفاق بشأنه بين الطرفين… الأكيد أن العمل عن بعد له مزايا عديدة في مقدمتها عدم تبديد الوقت في امتطاء وسائل النقل و تجنب الإنتظار بالمحطات بما يوفر مصاريف زائدة على جيب العمال و يخفض من الإختناق المروري، كما يوفر حرية أكبر للعامل في اختيار عمله وفق ميولاته و تكوينه و اختيار شريكه…من الناحية النظرية يمكن القول بأن العمل عن بعد و لو أنه غير قابل للتعميم و لا يعني إلا أقلية، سيكون واحدا من الحلول شرط ضمان حقوق العمال في علاقة بالتغطية الصحية و الاجتماعية و ديمومة العمل…

كما أن هذه الصيغة الهشة من التشغيل تقتصر على البلدان الرأسمالية و المدن الكبرى في المستعمرات حيث يتطلب الأمر بنية تكنولوجية متطورة لا تتوفر في البلدان المفقرة…لقد عمدت بعض الشركات إلى استغلال أزمة الوباء لنقل العمل من المصانع إلى المنازل، و هو إجراء قديم أشار إليه “إنجلز” منذ القرن التاسع عشر و خاصة في مدينة “مانشستر” ببريطانيا حيث كان يتم تشغيل الأطفال و النساء و أحيانا كل افراد العائلة في أعمال الغزل و الصباغة و النسيج و هو نفس ما يقع في معامل النسيج التونسية التي تكلف العاملات فيها باستكمال العمل في بيوتهن بعد ثماني ساعات من الكدح في المعمل، حتى أن مدة العمل كامل اليوم تناهز أحيانا ال 12 ساعة مقابل أجور زهيدة… إن أزمة كورونا ستفتح آفاقا جديدة أمام رأس المال كي يحاول تجاوز أزماته البنيوية و الدورية من خلال تحميل الأجراء تكلفة كساده و ركوده و لكن لا نعتقد أن الأجراء في المراكز الرأسمالية و في المستعمرات مازال في وسعها أن تتحمل وزر تعفن النيوليبرالية المعادية لحق العمال و الشعوب و أغلبية سكان المعمورة في الحرية و الكرامة و في خدمات تليق بإنسانية الإنسان في القرن الواحد و العشرين…

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s