أزمة البرجوازية الكمبرادورية أم أزمة النظام السياسي؟

زياد الاخضر

تتعالى الأصوات داعية لتأسيس الجبهات والتحضير لاعتصامات بهدف تغيير الأوضاع المتردّية وإنقاذ البلاد. وكل طرف يحاول استمالة أكبر عدد من التونسيين والتونسيات والجمعيات والأحزاب السياسية مستعملا من أجل ذلك رموزا وشعارات متنوعة، فهذا يحشد لجبهة وطنية “لتحرير تونس من الخوانجية” واعتصام رحيل ثان في باردو وآخر يدعو للمرور الى جمهورية ثالثة عبر حوار وطني في ما بعض الشباب الغاضب يدعو لثورة الجياع واعتصام جديد في القصبة. 

إن التعاطي مع تطورات الساحة السياسية ومختلف المبادرات المطروحة، من موقع الانحياز الواضح للفئات الشعبية المضطهدة والمساهمة في فتح أفق لتحقيق مطالبها المشروعة، يطرح علينا جملة من الاسئلة تسمح الاجابة عليها بعدم تكرار أخطاء الماضي وعدم الوقوع في فخاخ الرجعية الايديولوجية والسياسية المنصوبة حاليا.

1/ ما الذي يجعل طرح هذه الدعوات ممكنا في هذا الظرف بالذات؟

أدى تفاقم تناقضات النظام السياسي الى التسابق لطرح مبادرات عديدة بحثا عن حلول قبل ان يسقط هذا النظام برمته, حلول أتت في رأينا من وجهة نظر الطبقات السائدة لتجاوز تعدد مواقع السلطة والنفوذ (مراجعة النظام السياسي )وضمان وجود أغلبية قادرة على الحكم وتمرير ما تريد من قوانين في البرلمان (مراجعة القانون الانتخابي) . فنتائج الانتخابات التي لم تمكن من حسم أزمة التمثيل السياسي للتحالف الطبقي الحاكم ، أجّجت الصراع بين الأحزاب الطّامحة لذلك وعلى رأسها حركة النهضة , رغم تراجعها وانحسار هوامش المناورة أمامها ,و الدستوري الحر الذي يريد استعادة المكانة التي خسرها التّجمعيون في سياق المسار الثوري .يضاف الى ذلك الصراع المفتوح بين رئيس الجمهورية وحركة النهضة فالرئيس يريد أن يستغل حجم الثقة والوزن الانتخابي الذي حصل عليه من أجل توسيع مجال تحركه رغم الصلاحيات الضيقة التي يمنحه إياها الدستور فيما أنصاره يضغطون لتنفيذ برنامجه وصولا للدعوة الى حلّ البرلمان, في ما تتمسّك حركة النهضة بشرعيتها ونفوذها في البرلمان الذي بدا مهدّدا لحظة سقوط حكومة الجملي وتشكيل حكومة الفخفاخ وهوما دفعها الى تشكيل تحالف برلماني مواز للتحالف الحزبي الذي يسند الحكومة.    

كما أدّى احتدام الصراع بين المحاور الاقليمية الرجعية وانعكاسه في الساحة السياسية التونسية الى حالة اصطفاف معلن يظهر في المواقف المنحازة الى هذا الطرف أو ذاك في الصراع الدائر في ليبيا وفي سعي محموم من رئيس حركة النهضة ورئيس البرلمان للسّطو على صلاحيات رئيس الجمهورية في باب السياسة الخارجية. يتم كل ذلك في وضع أزمة اقتصادية خانقة تعيشها البلاد زادتها انعكاسات الأزمة الصحية لجائحة فيروس كورونا شمولا وتعقيدا.

2/ هل تكمن الازمة الحالية حقيقة في النظام السياسي والقانون الانتخابي؟

ان ما عاناه الشعب التونسي من ويلات الاستبداد كان مرتبطا بالنظام الرئاسي الذي يمارس فيه الرئيس سلطات تكاد تكون مطلقة ولذلك ارتبط رفض الاستبداد بتجاوز النظام الرئاسي. لكن ما تم تكريسه فعليا بعد انتخابات 2014 هو نظام رئاسوي مقنع استحوذ فيه رئيس الجمهورية على سلطات رئيس الحكومة وكذلك رئيس البرلمان , وكانت أول مبادرة تشريعية يطرحها هي المصالحة مع الفاسدين بوصفها رسالة مضمونها التقدم في الإجهاز على الثورة والتنكر التام لأحد مطالبها (محاسبة عصابة السراق) وطمأنة قوى النظام القديم .وقد تمّ تمرير هذه المبادرة في البرلمان مثل كلّ القوانين التي أوصلت أوضاع البلاد الى هذه الحالة المتردّية بأغلبية برلمانية أمّنها تحالف النهضة والنداء بعدما صدّعوا رؤوس التونسيين بصراعاتهم الموهومة.

وعليه  فإن  طرح نقاش حول تغيير القانون الانتخابي والنظام السياسي القائم على ديمقراطية تمثيلية  تخدم أساسا  الفئات الطفيلية ، وينتشر في ظلّها الفساد ، وتسود فيها ثقافة الجهل والتّخلف وضرب التّنمية الاقتصادية الوطنية ، خدمة لمصالح أجنبية ،و تسحب من الشعب قراره حالما تنتهي عملية الانتخابات   ، لا يمكن فهمه إلا في سياق  تحويل موهوم للأزمة السياسية الخانقة بما هي عجز البرجوازية الكومبرادورية على حسم قضية تمثيلها السياسي وممارسة هيمنتها على المجتمع وانفاذ برنامجها المعادي لطموحات الشعب الى مسألة قانونية شكلية ظاهرها  اختيار النظام السياسي الأجدى لكن جوهرها الصراع حول السلطة بين أطراف الرجعية. فمهما كانت محاسن النظام السياسي والقانون الانتخابي المفترض الدفاع عنهما فإن الفئات الطفيلية الرجعية الماسكة بالحكم والمرتبطة بدوائر الاستعمار وأعوانها قادرة على مواصلة نفس سياسات الانخراط اللامشروط في اقتصاد السوق المعولم تحت عنوان اتّفاقيات التّبادل الحر في وضع شراكات لا متكافئة أدّت الى فتح البلاد أمام التّوريد المكثف والعشوائي الذي لم تستفد منه إلا لوبيات وعائلات متنفذة مرتبطة بمصالح الاحتكارات ورأس المال المعولم. اذ تشكل هذه المبادلات التجارية في الحقيقة وسيلة لتهريب رؤوس الأموال الى الخارج واخفائها في تلافيف دورة النظام التجاري العالمي. وهو ما عمّق من العجز التجاري للبلاد وأدى الى تراجع النّمو وتصاعد البطالة وتوسّع دوائر الفقر والتهميش وتردّي المرافق العمومية ووصول المديونية الخارجية للبلاد الى حدود خطيرة جدا. 

ولا تشّذّ حكومة الفخفاخ عن هذا النّهج فإصرارها على عدم التحكم في التوريد العشوائي والتهريب يفضح انحيازها للفئات الطفيلية الجشعة القادرة على تخريب الوعي وشراء الذّمم والسّيطرة على المؤسّسات الاعلامية دفاعا عن مصالحها.  إنّ ما عبّرت عنه هذه الحكومة من التزامات لصندوق النقد الدولي يكشف أيضا خضوعها مثل سابقاتها لإملاءات التقشف وخوصصة المؤسسات العمومية مقابل حصولها على مزيد من القروض يذهب جزء هام منها لتغطية عجز الميزانية.

في الردّ على مختلف هذه الدعوات

1/ الدعوات المشبوهة للاعتصام في باردو هي محاولة لاستنساخ تجربة 2013 بوجوه أغلبها معلوم الولاء والانتماء وهي وجه من أوجه الصراع على السلطة يخوضه التّجمعيون ومن يدور في فلكهم ضد حركة النهضة وحلفائها عبر استغلال مشاعر جزء من التونسيين المعادية لحركة النهضة وتوابعها. صراع بين أطراف رجعية مرتبطة بمحاور الرجعية العربية المتصارعة وبالدوائر الامبريالية، لا يذهب الى جوهر التناقض مع مشروع الاسلام السياسي الطائفي المعادي للتحرر والديمقراطية بل يختزله في الصراع الهووي الحداثي.

2/ مشروع المرور الى الجمهورية الثالثة الذي يتحمّل  الداعون إليه جزءا هاما من المسؤولية في ما وصلت إليه أوضاع البلاد .وهم في ما دأبوا عليه من مخاتلة للتونسيين يحددون التناقض اليوم بين الشعب التونسي والنظام السياسي هكذا  في حين أن التناقض هو بين مختلف فئات الشعب المضطهد ووكلاء الرأسمال الاحتكاري وممثليهم السياسيين الذين شكلوا حقيقة منظومة أحزاب تصرفت بشكل جعلها فوق الدولة والشعب .وعليه فإن أي تجاوز لهنات النظام السياسي الحالي تطرح ضرورة المحاسبة السياسية لهذه الأحزاب واعتبارها غير قادرة على المساهمة في إيجاد حلول لوضعية البلاد المأزومة عبر طرحها لآلية الحوار الوطني هذه الآلية التي أظهرت محدوديتها عندما يتعلق الأمر بالخيارات التنموية والاقتصادية نظرا للتضارب الكبير للمصالح الطبقية .

3/الدعوة التقليدية التي تعقب كل هزيمة انتخابية تمنى بها القوى اليسارية ونقصد تشكيل جبهات بين حزيبات تخلط بين تعبيرها الخِطابي عن الانحياز للكادحين ووهم تمثيلهم.إن تجربة الجبهة الشعبية بنسختيها الأولى والثانية وحصيلتها السياسية المتواضعة بقطع النظر عن بعض الخلافات العقيمة التي رافقت مسيرتها، أثبتت أن هذا التمشي غير قادر على الاستجابة لمتطلبات المرحلة. 

4/ تبقى دعوات الاعتصام التي يطلقها الشباب المهمش والفاقد للأمل في ايجاد حلول حقيقية بعدما خذلته أحزاب الحكم المتعاقبة بزيف وعودها وسوء خياراتها السياسية وهي دعوات يجب أن نتعاطى معها بالجدية اللازمة ولكن أيضا بالصرامة النضالية. ولذلك يجب أن ننطلق من ضرورة الاستفادة من دروس وأخطاء اعتصامي القصبة وثانيا من قراءة دقيقة لموازين القوى المختلفة تماما عن ديسمبر جانفي2011 وعليه فإننا نرى أن الأصلح يتمثل في

 أ/ أن ينطلق الشباب المعطل عن العمل وكل الكادحين الذين لهم مصلحة في

 التغيير الجذري من تعزيز ما هو موجود من تحركات في مختلف والمساهمة في تثبيت ما هو بصدد التشكل وإثرائه وتوسيعه في كل الجهات في سياق معارك مقاومة سياسات الاستغلال والحيف الاجتماعي والتنمية غير العادلة وتخريب البيئة والتفريط في الثروات الطبيعية والفساد والقائمين عليه من سلط محلية وجهوية وقطاعية تنخرها الممارسات البيروقراطية المتخلفة والمحسوبية والفساد وتشكل امتدادا للسلطة المركزية واداتها للسيطرة.

ب/ بناء فضاءات واسعة جاذبة خاصة للشبيبة والنساء تسمح بالتضامن بين مختلف التحركات التي يخوضها العمال والفلاحون الفقراء والمعطّلون عن العمل وتبادل التجارب والخبرات والأفكار من أجل بلورة سبل تحررهم بوسائلهم في إطار واقعهم الخصوصي الذي لم يختاروه، بعيدا عن الانقسامات المغشوشة ومخطّطات الحلول الجاهزة والزعماء الأفذاذ الذين يدّعون قدرة على إنقاذ الجماهير والأوطان. 

ج/ التخلي عن الفكرة القاتلة التي تتمثل في استبعاد السياسة والأحزاب السياسية من هذه الفضاءات على أن يكون تشريكها رهين موقفها من سياسات التحالف الطبقي الحاكم واستعدادها للمساهمة الفعلية في التحركات وتقديم مقترحاتها لإثراء النقاش الديمقراطي في هذه الفضاءات.

إذا كانت الثورة هي السعي الحقيقي من أجل هدم القديم وبناء الجديد الذي استعصى عن الولادة رغم كل التّضحيات التي قدّمها شعبنا، وإذا لم تكن لنا مصالح خاصة ندافع عنها خارج مصالح العمال والكادحين. فإننا نعلن أننا معنيون بالنقاش حول أي نظام سياسي تحتاجه الأغلبية الكادحة لإدارة شؤون المجتمع هناك في هذه الفضاءات الرحبة حيث يوجد اصحاب الشأن الحقيقيون المعنيون بالتّغيير، وغير ذلك زبد سيذهب جفاء.

فلنجرأ إذن على مواجهة المغشوش من الدعوات وعلى السّباحة ضد تيار الأفكار السائدة.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s