الانتخابات التشريعية أكتوبر 2019 : مقولة”ضد المنظومة” بين الخطاب الدعائي والنتائج الاحصائية

بقلم ثريا كريشان عضو المكتب السياسي لحزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد

أسدل الستار على مشهد انتخابات 2019 بجينريك تكررت نهايته على مسامعنا وحفظه المتلقي حتى تحول إلى معطى واقعي ارتقى في ذاكرة الرأي العام التونسي إلى مرتبة الحقيقة هذه الجملة السحرية المفتاح التي تكررت في الخطاب الدعائي الانتخابي لجزء هام من المترشحين كما تكررت بين أمواج الأثير وتسابقت وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي وشركات سبر الآراء من اجل تمريرها وترسيخها وتكثيفها في فكرة “ضدّية المنظومة“.

 وفي مقالنا هذا سيقتصر اهتمامنا على وقع وحقيقة هاتين الكلمتين المفتاحين في ما أفرزته الانتخابات التشريعية 2019 من نتائج دون التطرق للرئاسية في دورتيها.

لقد بنى جزء هام من المترشحين للتشريعية حملاتهم الانتخابية على “ضدية المنظومة” مست كل الطيف السياسي معارضة وحكما في الفترة النيابية الممتدة بين 2014 و2019 تحت قصف إعلامي مكثف روج لهذه الضدية وصاحب الانتخابات وتحليل نتائجها. وفي هذا السياق برز خطاب معاد خاصة للتنظم الحزبي كأحد أطر الفعل السياسي.

ولكن المتأمل في نتائج الانتخابات سرعان ما يتفطن إلى زيف هذه الضدية مقارنة بخيارات الناخبين فلا نجد أثرا لها بين عدد الأصوات والمقاعد المصرح بها. عند استقرائنا للوقائع من خلال البيانات الإحصائية لنتائج الانتخابات التشريعية يتبين لنا أنّ القائمات الحزبية الفائزة تحصلت على 83.41% من عدد المقاعد تليها الائتلافية 10.13%   فالمستقلة 6.45% لذلك اتجهت الأصوات لصالح القائمات الحزبية مما يفند فكرة:” أنّ الناخبين فقدوا ثقتهم في الأحزاب السياسية”.فقائمات عيش تونسي المستقلة التي بنت دعايتها السياسية الانتخابية على التخويف من الأحزاب واعتبرتها سببا في الفشل السياسي والاقتصادي الذي وصلت إليه البلاد وسببا في علة المنظومة ككل رافعة الشعار الدعائي “ما تخافش مني مانيش حزب”  لم تتحصل إلا على مقعد واحد وبمجرد الشروع في تشكيل الكتل البرلمانية غادرت صفوف المستقلين في المجلس لتلتحق بكتلة الإصلاح الوطني التي تتكون من أغلبية حزبية تحصلت على12  مقعدا من مجموع 15 مقعدا لهذه الكتلة.

والمتصفح للبيانات الإحصائية يلاحظ أنّ الأحزاب الفائزة ليست بالوافدة الجديدة على البرلمان لقد احتلت كل من حركة النهضة وحزب قلب تونس والتيار الديمقراطي والحزب الدستوري الحر وحركة الشعب وحزب تحيا تونس المراتب الستة الأولى وهي أحزاب وجد أغلبها في الدورة البرلمانية المنقضية سواء بعناوينها السياسية الحالية أو ولدت من رحم أحزاب حاكمة كحزبي قلب تونس وتحيا تونس.

ومتأمل في المشهد الانتخابي الحزبي يلاحظ تشتت الترشحات والأصوات .فقد تعددت الترشحات من نفس العائلات السياسية. وصاحب هذا التشتت حملات إعلامية وانتخابية روجت لفكرة أنّ الناخب سئم تشتت الأحزاب ووجد نفسه حائرا أمام الكم الهائل من قائماتها فجاءت الدعوة إلى تشكيل قائمات ائتلافية وكانت النتيجة أنّ ائتلافين فقط فازا ب22 من المقاعد أسند 21 منها لائتلاف الكرامة. لذلك ولحدود هذه الانتخابات تشكل الأحزاب الإطار العملي الذي يدار من خلاله الفعل السياسي رغم تعدد الأحزاب وكثرة ترشحاتها.

لقد راجت مع صدور النتائج الأولى للانتخابات فكرة أنّ الناخبين عاقبوا أحزاب المنظومة وأساسا الأحزاب التي جربت الحكم ولكن النتائج تبين زيف هذا الادعاء فحركة النهضة رغم تراجع نتائجها مقارنة بانتخابات 2011 و2014 بقيت تحتل المرتبة الأولى من حيث عدد الأصوات والمقاعد المصرح بها لقد تحصلت على 52 مقعدا من جملة217 مقعدا أي 23.96% رغم مشاركتها في الحكم في كل الحكومات المتعاقبة منذ انتخابات المجلس التأسيسي. كما نلاحظ أنّه من جملة القائمات الحزبية الفائزة تحصلت الأحزاب التي جربت الحكم على 170 مقعدا من مجموع 217 أي 78.34% من نسبة المقاعد و93.92% من نسبة المقاعد بالنسبة لكل الأحزاب في المجلس. لقد حاولنا انطلاقا من المعطيات الإحصائية إيجاد علاقة سببية بين خسارة القائمات المترشحة ومعاداة الناخبين للمنظومة   غير أنّ الأرقام تنفي صحة هذه الفرضية التي يروج لها الخطاب الدعائي والتعاطي الإعلامي، إذ نجد أنفسنا أمام ضدية مزعومة، يفندها عدد المقاعد والأصوات المصرح بها.  

هوامش على دفتر النكسة من وحي انتخابات 2019 بتونس

          ***

                                                   أنعي لكم، يا أصدقائي.. اللغةَ القديمة

                                                              والكتبَ القديمه

                                                               أنعي لكم..

                                                  كلامَنا المثقوبَ، كالأحذيةِ القديمة..

                                                 ومفرداتِ العهرِ، والهجاءِ، والشتيمة

                                                       أنعي لكم.. أنعي لكم

                                                نهايةَ الفكرِ الذي قادَ إلى الهزيمة

بقلم الدكتورعبد السلام البغوري

استهل الشاعر السوري نزار قباني قصيدته ” هوامش على دفتر النكسة” بهذه الابيات الموجعة والتي تقطر حزنا وغضبا على هزيمة الجيوش المصرية والسورية في حرب 1967 بعد ان فاقت الاوهام كل حدود متغنية بالنصر و” كنس العدو” في ظل دولة  الوحدة العربية السعيدة …الا ان واقع الحال في ذاك الزمن قد افرز عكس ذلك بعد ان كان ينبئ بذلك مرارا ومرارا…

ولئن تبدو المقارنة بين الحدثين اي هزيمة 1967 وهزيمة قوى اليسار التونسي في انتخابات 2019 مجانبة للصواب كما ان مقدمة القصيدة تبالغ في السوداوية والتشاؤم فان بعض المؤشرات توحي بوجود خيط رابط بين الهزيمتين واهم هذه المؤشرات هي الوقع المدوي للهزيمة  وردود الفعل المتباينة من ناحية  والسعي للبحث عن مخارج او بدائل تنير السبيل في ظل تكلس المنظومات القديمة للتفكير والتسيير.

I– 2014: الانتصار الجزئي والفرص المهدورة

على إثر النتائج الهزيلة التي تحصل عليها اليسار في الانتخابات الرئاسية والتشريعية لسنة 2019 وتصدر احزاب وتكتلات يمينية للمشهد السياسي وحصولها على حصص هامة في المجلس النيابي رجعنا الى المربع الاول مربع انتخابات 2011 لما مني اليسار بهزيمة قاسية. فما الذي حدث….

 بعد النتائج المخيبة للآمال لقوى اليسار التونسي في انتخابات 2011 بفعل عدة اسباب لا يسع المجال هنا للاستفاضة في ذكرها وتحليلها …كان من بينها حالة التشتت والضعف التي طبعت سلوك مكونات التشكيلات اليسارية خاصة بعد الفشل السريع ” لجبهة 14 جانفي” …  عاد ” الابناء الضالون” الى رشدهم وسارع البعض منهم  الى  ترميم هياكله وتجديدها ثم الانطلاق الجاد في تكوين هيكل جديد يجمع طيفا هاما من اليسار الماركسي والقومي في ” الجبهة الشعبية”. كانت الانطلاقة واعدة فخف منسوب التشاؤم والتنابز بالألقاب والعداوات الوهمية غالبا وعم التفاؤل بمستقبل افضل لليسار المكافح ولبرامجه الطموحة من اجل غد افضل لعموم التونسيين. كان لهذا التسونامي  صدى  ايجابي كنا  نراه في عيون الرفاق والاصدقاء ونسمع بعضا منه في تعاليق المنافسين. وسرعان ما بدأت الجبهة ” تنتشر في الارض وتخط طريقها لتصبح حالة شعبية يقرا لها الف حساب من طرف الخصوم السياسيين والاعداء المعلنين لكل مشروع وطني ديمقراطي….

الا ان الاغتيال الجبان  للشهيدين  شكري بلعيد ومحمد البراهمي  قد خلط كل الاوراق بما ان قادة الجبهة الشعبية اضافة الى كونهم لم يستطيعوا استغلال هذين الحدثين لقلب موازين القوى لصالح قوى الثورة  قد وجدوا انفسهم منساقين للتحالف في جبهة الانقاذ مع حزب نداء تونس الذي يمثل احد اوجه المنظومة القديمة وذلك بهدف التخلص من حكم النهضة المتهمة برعايتها للقوى الارهابية والتحريض على الاعتداء على الشهيد شكري بلعيد…

ورغم انفراط عقد هذا التحالف الظرفي بفعل اختلاف التوجهات والنوايا والهدنة المعلنة بين شيخ النهضة وشيخ نداء تونس …فقد تواصل الشد والجذب والاستقطاب  بين قطبي النهضة وحلفاؤها من ناحية وحزب  “نداء تونس” وحلفائه من ناحية اخرى اضافة الى  الجبهة الشعبية التي اصبحت منارة يهتدي بها ويأمل في الخلاص بواسطتها  طيف واسع من التقدميين …..

وعموما  فقد كانت الرياح تهب في صالح مراكب  الجبهة الشعبية  في هذا السياق الداعم للتخلص من رجوع النهضة الى سدة الحكم وحيازتها للأغلبية فترك لليسار والجبهة الشعبية منفذ هام للتقدم خاصة وان الرصيد النضالي  والتعاطف الشعبي لم ينضبا بعد. كما ان بعض الشخصيات الفاعلة عبرت عن امنيتها ان تحوز الجبهة الشعبية على عدد لا يستهان به من المقاعد البرلمانية لتمثل حليفا لها لتكوين اغلبية برلمانية تحكم البلاد . ولكن ليس اكثر.

اضافة الى ذلك فان بعض الصحف التونسية واخص بالذكر – فيما اذكر-صحيفة يومية ذات انتشار واسع اعتادت  منذ اواسط الثمانينات من القرن الماضي ان ” تميل حيث تميل النعماء” وتكيل المديح لولي نعمتها الوزير الاول محمد مزالي اثناء صراعه المرير مع شق من الحزب الحاكم وقتئذ. كانت هذه الصحيفة تتكرم من حين لآخر بمقال وتحاليل غير عدائية تجاه الجبهة الشعبية.

الا ان الجبهة الشعبية  رغم هذا السياق الايجابي ورغم حفاضها على تماسكها النسبي لم تستغل الفرصة كما ينبغي وحصدت 15 نائبا وهو عدد  اقل ما كان منتظرا منها وذلك بفعل تنامي العقلية السكتارية والتشبث بالمحاصصة الحزبية التي حالت دون الانفتاح على شخصيات تقدمية مستقلة فاعلة واصرار البعض على فرض بعض الوجوه الحزبية العديمة الاشعاع والتأثير في محيطها المحلي والجهوي وحتى القطاعي.

وعوض تعزيز هذا الانتصار الجزئي  بإجراءات شجاعة تعزز البناء التنظيمي للجبهة وتفعل هياكله لتنتشر في الارض- كما كان مقررا لها – وتصنع حاضنة شعبية لمشروعها حتى تجدها سندا سواء خلال الانتخابات او عند اي هبة شعبية….عادت الحسابات الحزبية الضيقة الى السطح فقبر مشروع الحزب اليساري مباشرة بعد ندوة نظمت للغرض[1] وتعطلت “مؤسسات ” الجبهة و”هياكلها” عن العمل قبل ان ترى النور فعليا…وحين اصبح من العسير ثم من المستحيل عقد “ندوة وطنية” للجبهة والاتفاق على صيغ جديدة للتسيير واستحالة الاتفاق على مرشح للانتخابات الرئاسية…الخ…انفرط العقد  وتنازع الخصوم على اليافطة ثم تقدموا الى الانتخابات التشريعية متفرقين….فحلت الكارثة ولم  تثمر الشجرة المهملة  الا تفاحة واحدة لا غير….

الا ان ذلك لا يمكن ان يحجب العمل الهام الذي قامت به كتلة الجبهة الشعبية بالبرلمان فقد حاولت بكل الوسائل المتاحة ادراج قوانين تنتصر للحريات وتدافع عن الخيارات الوطنية والشعبية كما لم تتوان لحظة في تعطيل او الحد من فرض قوانين مالية جائرة تخدم مصالح المتنفذين واصحاب رؤوس الاموال المتهربين….

فاين يكمن الداء…هل في شكل الهيكلة….في الذوات القائدة….في الاطروحات ام ماذا…. اسالة حارقة على الجميع ان ينكب علي الاجابة عنها دون تعالي او سلك سياسة النعامة .

في الحقيقة فان ازمة الجبهة الشعبية تكمن ايضا وربما خاصة في ازمة الاحزاب المكونة لها. فإضافة الى ان  العديد من ” المستقلين'” قد هجروا  صفوف الجبهة فان اهم الاحزاب المكونة لها كانت ومازالت تشكو من عدة هنات على المستوى التنظيمي والفكري  وانهكتها الصراعات الداخلية هذا دون اعتبار ان بقية الاحزاب المكونة للجبهة لا اثر في الحقيقة على وجود لها على ارض الواقع….

اضافة الى ذلك فان تعنت بعض ” القيادات” ومكابرتهم واصرارهم على وضع الجبهة تحت مضلة عباءتهم الحزبية بشتى الوسائل المعلنة والخفية ضاربين بعرض الحائط اسس العمل الجبهوي القائم على التشاور الدائم عند اتخاذ القرارات والتداول على ادارة المؤسسات. وبالمقابل فان تردد البعض الاخر في حسم المسائل التنظيمية  وعدم وضوح رؤياه قد اثر بدوره على سلوك الجبهة وعلى المسار الذي الت اليه .

افضى هذا التشتت والمكابرة والفشل  الى فسح المجال  لأطروحات اخرى كي ترى النور وتتصدر لا فقط ساحة النقاش بل ساحة الفعل بما ان انصارها قد وجدوا في المرشح للرئاسية قيس سعيد ضالتهم ليصيغوا تحالفات وتكتيكات اتت اكلها بفعل عدة ظروف ومستجدات .

IIالبناء من فوق او من تحت

نفضت الانتخابات الرئاسية لسنة 2019 بتونس  الغبار عن نقاش قديم داخل اوساط اليسار بين دعاة المركزية التي تصر على تشكيل النسيج الاجتماعي والسياسي والحزبي من اعلى السلطة الى اسفله مرورا بحلقات وسيطة وبين دعاة تشكيل هذا النسيج من الاسفل الى اعلى الهرم…من المحلي الى المركزي.

وقد ظهر ذاك الخلاف على السطح خاصة بعد انتفاضة  11-10-2010/ 14-01-2011 التى افضت الى الهروب المفاجئ لبن علي وتصدع البناء التنظيمي والفوقي لجهاز الحكم فتفتحت القرائح وتعددت المبادرات السياسية. وعلى سبيل المثال لا الحصر فلئن بادر الشهيد شكري بلعيد – على عجل- بتأسيس ” حركة الوطنيين الديمقراطيين” التي ضمت كوادر ومناضلين ممن ينتسبون الى تجارب وحلقات تنتمي الى التيار الوطني الديمقراطي واعتمدت على هيكلة مركزية مرنة نسبيا بما انها اعطت هامشا من الصلوحيات  والمبادرة للرابطات الجهوية. (انظر النظام الداخلي لكل من “حركة الوطنيين الديمقراطيين ” و ” حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد”) …..فان “حزب العمال ” الشيوعي وقتئذ والذي يعود تأسيسه الى اواسط الثمانينات من القرن الماضي كان ومازال يعتمد على مركزية مفرطة راس حربتها ” هيئة الاركان” كما يطلق عليها قادتهم والتي  لا تترك الا هامشا ضئيلا من  للجان الجهوية والمحلية.

في هذا الخضم من الحراك والمبادرات طلع علينا رضا المكي الملقب ب” لينين” منذ ان كان احد ابرز قادة الحركة الطلابية اواخر السبعينات وبداية الثمانينات من القرن الماضي…طلع علينا بعد غياب وصمت دام اكثر من عشريتين  بمشروع مغاير باسم مجموعة اطلق عليها اسم ” قوى تونس الحرة” تطرح عموما تغيير نمط الحكم وهيكلته من ” الاسفل” الى “الاعلى” والانتخاب على الافراد لا على القوائم …وهي من اهم النقاط التي تقاطع معها المرشح للانتخابات الرئاسية والرئيس الحالي قيس سعيد وذلك في اطار مشروع فكري وسياسي ينهل من  الاطروحات المجالسية ويتقاطع مع  مفهوم ” الكتلة التاريخية” الذي ابتدعه المفكر والمناضل  الايطالي الماركسي انطونيو غرامشي ( انظر نص: هل تمثل فكرة – الكتلة التاريخية – مخرجا لتعطل الثورة التونسية؟ لرضا شهاب المكي بموقع الحوار المتمدن).

والحقيقة فان هذه الاطروحات التي تحاول ان تقدم  ”  مشروعا وطنيا جامعا” [2] يمساهم  في     إيجاد ” مخرج لتعطل الثورة التونسية” المعطلة حقا..وان كان يقع توصيف ارضيته الاجتماعية و ” الطبقية بعبارات عامة وفضفاضة احيانا فانه لا يختلف كثيرا عن مشروع الجمهورية الديمقراطية الاجتماعية كما حدد معالمه الشهيد شكري بلعيد في نض يعود تاريخه الى 2001 ووقع تفصيله في وثائق حركة الوطد وحزب الوطد الموحد كما تم تضمين اهم محاوره في الارضية السياسية للجبهة الشعبية.

 الا ان هذا المشروع – مشروع الكتلة التاريخية”-  ورغم  اغراءاته ” التشاركية”  و”المجالسية  ” الرامية الى  دك اسفين في صرح  هيكلة ” المركزية الديمقراطية”  التي سرعان ما  تتحول  – وللأسف- الى مركزية بيروقراطية قاتلة ومدمرة  يطرح عدة اشكالات ومطبات في نسخته التونسية اهمها:

– القطع مع الخلافات والصراعات الأيدولوجية بين اليمين واليسار بعنوان التغيرات الحاصلة على مستوى دولي.[3]

– توصيف التمايزات الاجتماعية والصراعات الطبقية بمفاهيم هلامية على شاكلة ” الكلي- الجزئي- الاكثر ضعفا والاقل…الخ…( راجع النص المشار اليه سابقا)…وعموما فهي تؤسس لمرحلة جديدة لا وجود فيها لليسار بمفهومه التقليدي الذي ولى زمنه وانتهى حسب زعم صاحب النص.

– تحميل المسؤولية للجميع وبنفس القدر يثير عدة تساؤلات عن الخلفية السياسية لهذا المشروع…اذ كيف يساوي بين من انصار المنظومة القديمة  ودعاة التكفير والسحل والمشاريع القروسطية التي ارغمت عن التنازل قسرا عن عزمها كتابة دستور على قياسها مع من كافحوا بكل جهدهم وتنظمهم وعفويتهم وصعفهم ضد هذه المجاميع  فدفعوا شهداء اغتيلوا غدرا في واضحة النهار[4]  ولم يكلف السيد رضا نفسه مجرد الاشارة الى ذلك حرصا على ان يجد مشروعه الكتلوي التاريخي رضى الجميع.

III– في موت اليسار او ضرورة تجديده

ان يتمنى طيف من السياسيين سواء من المنافسين او من الاعداء ” موت اليسار” واندثاره

فذاك امر عادي بل انه جزء لا يتجزأ من مخطط الشيطنة للقوى الحقيقية للثورة لتسهل علىهم اقتسام الكعكة والمضي قدما في نهب خيرات البلاد وتفقيرها بمباركة من القوى الاقليمية والدولية الحليفة . ولكن ان يصل الحد ببعض ” الاخباريين” chroniqueurs إلى ان يلتحقوا بهذه الجوقة الحاقدة والبغيضة في تبخيس اليسار والتشهير به ضاربين عرض الحائط بالحد الادنى من اخلاقيات المهنة الصحفية فذاك ما يدعو الى التساؤل حول مدى احقية الشك في نظرية المؤامرة.

وفي ذات السياق شمر بعض ادعياء ” الطهورية” و ” النقاوة” على سواعدهم وامسكوا بسياطهم لجلد ” اليسار” والعمل على التعجيل بدفنه والحال ان اغلبهم لم يكلفوا انفسهم عناء البحث والعمل اما على الانخراط في المشاريع القائمة والعمل على تطويرها او ابتداع طرق واساليب جديدة للعمل والتنظيم علهم يساهمون في انارة السبيل.

فما الذي يريد هؤلاء ؟ان يعدل اليسار اوتاره على المنظومة النيوليبرالية ويتخلى بالتالي عن شرط وجوده السياسي والاجتماعي ؟ ام ان يغير عناوينه ويشطب ” المعجم الطبقي” الذي ينير سبيله ليتبنى معجم ” نهاية  الإيديولوجيا” الذي تنكر له اخيرا  فكوياما ؟.

فهل نسي هؤلاء ان الصراع الطبقي هو معطى موضوعي لم يكتشفه اليسار ولا حتى ماركس.

بعيدا عن النكسة:  الممكن والافاق

حين تقرا الكتب” القديمة” ذات المضامين التقدمية والثورية في غير سياقها التاريخي ( السياسي –الاجتماعي-الثقافي والأنثروبولوجي عموما) وعدم تنزيلها في سياقنا التاريخي المعقد بفعل التخلف و”التسلط الشرقي” تتكلس هذه المضامين وتفقد بريقها وتصبح غير ذات جدوى.

حين نتشبث بأشكال تنظيمية  فرضتها سياقات تاريخية وحضارية مختلفة واثبتت بما لا يدع مجالا للشك حدود افاقها ومساهمتها – بالتفاعل مع عوامل اخرى طبعا- في اعادة انتاج انظمة اجتماعية بالية ومدمرة  سيتواصل الدوران في حلقة مفرغة ولن تتراءى اي نقطة ضوء في اخر الافق.

 حين تسطو ” قيادات” الاحزاب الثورية و” دستة الاذكياء” على الذكاء الجماعي وتهمشه ثم تقصيه بعنوان ” المصلحة العامة” والحفاظ على التراتبية الحزبية تحول  ” القائد” الى سيد بيده الملك يفعل ما يشاء هو صاحب الحل والعقد في كل التفاصيل المملة وهو على كل شيء قدير.

حينها تذبل زهرات الحديقة ويغرد فيها البوم.

ولكن حين تصبح الاحزاب او الجبهات القائمة او المنتظرة -لا يهم- فضاءات للإبداع والحرية تزهر فيها الافكار والمبدرات الخلاقة. فضاءات يكون فيها البناء الافقي فاعلا ومحددا للتوجهات والمسارات في حين يكون البناء المركزي – الجماعي- collégial منسقا ومتفاعلا  interactif حين يصبح الفعل السياسي  l’acte politique الاستراتيجي والتكتيكي    حلقة من حلقات سلسلة   يتساوى فيها الفعل الاجتماعي والنقابي والثقافي لبناء حاضنة اجتماعية عميقة تفتح مجالا اوسع للهيمنة الثقافية والفكرية التي تعوزنا الى ابعد الحدود.

حينها فقط يمكن ان نفكر في الانتصارات .

وحينها ايضا يمكن ان يكون لعنوان قصيدة نزار قباني ” هوامش على دفتر النكسة” – الذي استعرته لعنونة هذا المقال – معنى مجازي.


[1] الندوة كان عنوانها: “وحدة اليسار مهمة للإنجاز” نظمها حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد بمناسبة احياء الذكرى الثالثة لاغتيال الشهيد شكري بلعيد وكان لي شرف المساهمة في الاعداد لها وتقديم مداخلة.

[2] يحتاج المشروع المجتمعي والسياسي الجامع لأوسع طيف وطني الى تشخيص دقيق للمصالح المتنافرة والمتكاملة داخل الفئات الاجتماعية الأكثر تضررا وداخل الفئات الأقل تضررا من المنظومة السياسية والاجتماعية القديمة حتى يقدر على تسكينها في مشروع وطني شامل وجامع             

[3] . لم يعد، تبعا لذلك، مشروع الانتقال الثوري (بالمعنى التاريخي) الى مجتمع ودولة جديدتين في حاجة الى جدل الهوية، والى جدل اليمين واليسار، والى جدل الحزب الطليعي والحزب الانتخابي، والى جدل الحكم والمعارضة؛ اذ لم يعد يعكس كل جدل من هذه الجدالات الا مصالح ذاتية متقوقعة لا تقدر على الدفع الى مجتمع جديد ودولة جديدة بعدما بدأ يتأكد تآكل المجتمع القديم ودولته القديمة واتجاههما الى الانهيار وبعد ما بدآ يفقدان شروط استمرارهما التاريخي.

[4] تأسست مختلف التكتلات طوال السنوات الأربع الماضية على شعارات لم ترتق ولا يمكن لها ان ترتقي الى مصاف الانتقالات النوعية المجتمعية منها والسياسية والثقافية؛ فهي تشترك في “التخاصم” حول “الهوية” في المجتمع و”الهوية” في الدولة وهي شعارات لا نجد لها صدى في التشكل الاجتماعي الحقيقي لدى الطبقة الاجتماعية السائدة او لدى الطبقات التي تدور في فلكها والتي تتمصلح معها وترتقي اجتماعيا بفضلها

الكورونا التي فضحتكم…

في تدوينه نشرها ايمن العلوي عضو المكتب السياسي لحزب الوطنيين الموحد على صفحته الحاصة فايسبوك

كتب. “…اعلام السيستام ينصح التونسيين بعدم الدخول في هيستيريا او في المبالغة في الخوف . اي بعبارة اخرى يريدون من التونسيين ان لا يكونو منطقيين ، علميين ، ان يدفعو دفعا الى مقاربات الشعوذة و الخرافة .
الكلكم تابعتو ماذا قال العلم و الاطباء عن كيفية انتقال العدوى . اذن ؟ كيفاش تحبو التوانسة ما يخافوش !!! و هوما يشوفو في حالة كيرانهم و ترينواتهم و ميترواتهم و لواجاتهم و تاكسياتهم الجماعية ، حالة اكتضاضها و قذارتها و غياب ادنى شروط السلامة في هكذا ظروف خطيرة ، كيفاش ما يخافوش و هوما يعرفو حال سبيطاراتهم و تجهيزاتها و امكانياتها ، يعرفو حال مدارس اولادهم و معاهدهم و جامعاتهم اللي ما تنجمش تتعامل مع جرح صغير ما بالك بهكذا ظواهر ، و هوما يعرفو حال فضائاتهم العامة : مقاهي ، مطاعم ، محلات ، فضائات تجارية ، مساجد ، حانات …و غياب اي رقابة صحية فيها و اي نوع من انواع الاستنفار او الاجراءات الاستثنائية ، والاهم انهم يعرفون جيدا من يحكمونهم ، و انهم لا يأبهون مطلقا ان عاشو او ماتو فهم يوفرون لهم الف سبب و سبب للموت في البحر و في الطريق و في المدرسة و في الحقل و ربما الموت مباشرة بعد الولادة .
انتم تمنعون خوفا منطقيا و عقلانيا عن شعبنا لانه يكشف عورتكم و يفضح دجلكم.
“لتحيا #الكورونا التي فضحتكم .

اليسار والثورة نحو الخروج من الزاوية

نص المداخلة التي قدمها الرفيق محمد عمامي, خلال الندوة السياسية التي نظمها حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد يوم 6 فيفري, بمناسبة الذكرى السابعة لاغتيال الرفيق الشهيد شكري بلعيد

بقلم محمد عمامي

شكرا لكل الحاضرين الذين لبوا الدعوة لمواكبة هذه الندوة؛ شكرا لحزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد الذي بادر بالدعوة؛ تحية لروح صديقنا ورفيقنا الفقيد شكري بلعيد في هذه الذكرى الأليمة، ذكرى اغتياله يوم 6 فيفري 2013. وبعد يومين من فاجعتنا تلك فجعنا في الثورة نفسها (8 فيفري 2013)، ذلك اليوم الذي يمثل لحظة قصوى وحاسمة في مسار الثورة التونسية وهي لحظة تاريخية فاصلة بين أفقين محتملين إما انتصار الثورة واندحار الثورة المضادة أو العكس. ومع الأسف أهدرت تلك اللحظة وانفتحت حقبة هيمنت فيها الثورة المضادة وتشكلت في ائتلاف رجعي استولى على السلطة وبدأ في قضم المكتسبات الهشة التي تحققت إلى حد ذلك الحين.

في هذه المداخلة سأسوق بعض الملاحظات التقييمية التي أرجو أن تكون مساهمة أولية في نقاش معمق وثري يفضي إلى تبين سبل التجاوز والخروج من حالة الجمود والتقلص والضمور التي ما فتأت تصيب اليسار بصفة عامة والقوى الثورية خصوصا. وهو نقاش لا يمكن لمناسبة أو بضع مناسبات أن تستوفيه، غير أنّ الانطلاق بعدُ في وضعه على جدول الأعمال هو في حد ذاته أمر شديد الأهمية. سأحاول، طوال هذه المداخلة الإجابة بالخصوص على سؤال أراه حارقا: ما الذي جعل تنظيمات اليسار (أحزابا وجبهات) تُعزل أو تنعزل وتبقى على هامش الثورة في الوقت الذي كان مناضلوها ونشطاؤها فاعلين أساسيين في تفجيرها، وقادة ميدانيين لمسارها وشحم مدافعها؟  

لن يكون في مقدوري في بضعة دقائق أن ألم بمجمل العوامل والمؤثرات التي تفاعلت وتتفاعل لتنتج هذا الوضع غير أنني سأركز على بعض النقاط التي تبدو لي هامة ووازنة في عزلة اليسار وتفككه وهامشيته في وضع كان من المفروض أن يساعده على التطور ولعب دور أساسي في المسار الثوري. كثيرا ما نرى “تقييمات” متسرعة وانفعالية وذاتية وتبريرية بالنسبة للبعض، تقصر الأمر على خيانة فلان أو تخاذل علان أو نرجسية هذا أو عصبوية ذاك. غير أن مثل هذه التقييمات لا تتجاوز سطح الأمور ولا تنفث للعمق. فإذا كان للأفراد دورهم في دفع أو تعطيل تطور حركة سياسية واجتماعية ما، فإن ذلك الدور لا يمكن أن يفسر وحده ما وصل اليه اليسار من وهن وتذرر لا فقط في تونس والمنطقة العربية بل أيضا على المستوى العالمي. لذلك حاولت أن أفكر في تشابك العوامل التي تفاعلت وتتفاعل كي تؤدي لما نحن عليه اليوم.

1 التصور العام للثورة

ينظر اليسار للثورة على أنها مخطط حزبي ومشروع متكامل يعدّ سلفا في أطر وهياكل ومقار الأحزاب/الجبهات الثورية ويقع الدعاية له حتى يتشبع به أكثر ما يمكن من الطبقات والشرائح الاجتماعية المؤهلة أو الموكول لها الثورة. والثورة إذن، حسب هذا التصور، تبدأ نظرية وتنتهي تطبيقا لتلك النظرية بأكثر ما أمكن من وفاء ومنطقية. وكثيرا ما تؤوّل مقولة لينين المشهورة “لا حركة ثورية بدون نظرية ثورية” على أنها “لا ثورة بدون نظرية ثورية”. وهذا الخلط بين الحركة الثورية التي تتضمن منظمات وأحزاب وجبهات سياسية ثورية وبين الثورة في حد ذاتها ساهم في جمود نظرة اليسار للثورة بوصفها منتوج مخبري لعلماء الثورة لا فعل جماهيري وحركة ذاتية للطبقات والفئات الثورية. لذلك غرق جزء من اليسار في نقاشات وتحديدات من نوع “انتفاضة أم هبة شعبية أم ثورة؟”. ووجد هؤلاء أنفسهم أمام حيرة بين واقع حي لا يخضع لقالب النظرية وبين جمود النظرية التي نقلت جاهزة منذ أن صيغت في القرن 19 وبداية الق 20. بدت إذن الثورة فعلا مرتجلا مفاجئا ومتصاعدا، انفجر أولا في مجالات محلية ضيقة ومحدودة جغرافيا (مدينة، قرية، حي سكني، قطاع، جهة) ثم اتسعت فجأة وبشكل تلقائي غير مدروس ولا مخطط له كي تشمل بلدا كاملا وبنفس الفجائية والتلقائية امتد تأثيرها على مستوى إقليمي وعالمي. فالثورة، إذن، لا تعترف بلوحة خصائص (configuration) ثابتة ونمطية مثل ما يتوهم جزء هام من اليسار، وهو وهم جعله يتخذ مواقف متباطئة وانتظارية تجاه الأحداث، رغم الحضور المكثف لمناضليه وتفاعلهم مع المسار الثوري بدون التأثير على أجهزة منظماتهم أو أحزابهم حتى أنهم خضعوا إلى موجة العداء البدائي لكل تنظيم سياسي ولكل مناضل متحزب ولكل “ايديلوجيا” وساهموا في نزع التسيس عن الحراك الثوري وهو العمل الذي استثمرته الثورة المضادة في ما بعد مقدمة الأمر على أن الجميع بدون استثناء كان معنيا بثورة “الياسمين” ولا أحد يحق له احتكارها أو الزعم كونه أكثر ثورية من غيره.

2 ثورة وطنية ديمقراطية (جزئية) أم ثورة اجتماعية شاملة.

+ أية وطنية؟

مع تدخل اليسار في مجرى المسار الثوري بدأت تبرز شيئا فشيئا شعارات الثورة الوطنية الديمقراطية باعتبارها أولوية الثورة في المرحلة الأولى وألحقت بعض المطالب الاجتماعية بهذا المنظور ولكن بوصفها مطالب من درجة ثانية أمام أولوية حل مسألة “الشرعية” وتأسيس الجمهورية الثانية عن طريق المجلس التأسيسي الذي اعتبره اليسار فاتحة ومعبرا ضروريا لإعادة تشكيل نظام سياسي وأمني أكثر ديمقراطية واستقرارا، تستطيع بموجبه شرعية جديدة أن تنجز مهام “الانتقال الديمقراطي” الذي عوض بهدوء وبصمت الثورة الوطنية الديمقراطية (سنعود لهذا المفهوم في ما بعد) كما بدأ التأكيد على السيادة الوطنية التي تعني بالنسبة لليسار سيادة السلطة المركزية (برلمان وحكومة ورئاسة) على القرار (مراجعة الاتفاقيات المهينة) والثروات (تدخل الدولة التعديلي ومقاومة الفساد والتهرب الضريبي والنهب والتهريب) وفي أقصى الحالات تأميم بعض القطاعات الاستراتيجية بوضعها تحت تصرف الحكومة المركزية، أي بين أيدي من فرطوا فيها أو من هم على شاكلتهم، رغم ما رصّع ذلك الخطاب بتنصيب “كفاءات وطنية” أو تكنوقراط أو حكومة انقاذ، وهي كلها تسميات لمسمى واحد. ولقد رفض اليسار بشدة مسار الثورة الاجتماعية التي تشمل تشابك المهام الثورية ذات الطابع الاقتصادي/الاجتماعي والسياسي والثقافي وتشمل في ما تشمل المهام الوطنية والديمقراطية الذي جسدته الحركات الاجتماعية في جهات عديدة وفئات وشرائح اجتماعية لم تكن ضمن أولويات اليسار.

تقدم الثورة الوطنية الديمقراطية على أنها ثورة سابقة عن الثورة الاجتماعية وذات مهام مفصولة عنها. وأكثر من ذلك، يرتهن المرور الى الثورة الثانية بمدى النجاح في الإنجاز التام لمهام الأولى. وعلى مستوى القوى الاجتماعية المعنية بهذه الثورة يبشر اليسار بجبهة عريضة تشمل الشغالين والبرجوازيبة الصغيرة (الريفية والمدينية) و”البرجوازية الوطنية” المعنية حسب رأيهم بتطوير نظام “وطني”؟ واقتصاد وطني؟! ورغم اغفال تحديد طبيعته الطبقية، يعلم الجميع استنادا لمرجعيات يسارنا، أن المقصود نظاما رأسماليا “وطنيا” أسوة بالرأسمال في طوره الأول حين كان تراكمه وتطوره مشروطا بحماية السوق الداخلية والسيادة على مجاله أي داخل حدود الدولة القومية.

لقد ظل هذا التصور حبيس أنماط تفكير ستاتيكية ترفض الاعتراف بتطور المجتمعات الرأسمالية المحيطية منذ قرنين وتشعب العلاقات وتشابكها مع مراكز الرأسمال المعولم وتنوعها وإعادة صياغة أشكال وآليات الاستعمار طوال قرنين ونيف. وهو يغفل أنّ مع عولمة الرأسمال تغير الأمر جذريا وأصبحت أوليات مصلحة الرأسمال “الوطني” (ورفعا لكل التباس أخيّر مفهوم “برجوازية محلية” الذي اقترحه نيكوس بولانتزاس منذ سبعينات القرن العشرين على الإيهام بوطنية طبقة أصبحت معولمة منذ عقود طويلة وتضاربت مصلحتها مع حماية الحدود الوطنية إذ تحول مفهوم الوطنية (القومية بالنسبة للبلدان التي صهرت قسرا القوميات الأقلية في قومية مهيمنة)، تحول إذن مفهوم الوطنية إلى توصيف عاطفي يقدم البرجوازية المحلية كمحبة للوطن ومضحية من أجله وهو مغالطة ما بعدها مغالطة.

إن هذا التصور يخلط بين بلدان ترزح تحت الاحتلال الاستعماري المباشر وخاضت (تخوض) حروب تحرير وطني تجبر فيها على التحالف مع قطاعات ليست بالضرورة جذرية في مواجهة الاستعمار ولكن مع الحفاظ على الاستقلالية تجاه هؤلاء الحلفاء وتصون حرية نقدهم وإنهاء التحالف معهم ما إن يقلبوا ظهر المجن. وحتى في هذه الحالة فالمبدأ دوما ربط التحرر الوطني بالانعتاق الاجتماعي وهو ما يخلق مساحة نزاع يخمد ويبرز حسب أطوار المواجهة مع العدو الخارجي.

وعلى كل حال لا تعيش تونس هذه الحالة من الاحتلال الذي يفرض التحالف العابر للطبقات والصاهر للقوى الوطنية لمواجهة احتلال خارجي بل أصبح الاستعمار في شكله الجديد يمر عبر برجوازيتنا المحلية بالتحديد وكذلك عبر بيروقراطية الدولة التي تأمن بنفسها مصالح “شريكها” المستعمر بوسائل عديدة لا تستثني القمع المفتوح والرشاوي والاستعانة بفئات بيروقراطية أخرى ليس أقلها البيروقراطية النقابية وبيروقراطية المنظمات غير الحكومية وبعض الأحزاب المعارضة لأن في تأمين مصالحه تأمين لمصالحها هي.

 إنّ مواجهة الاستعمار الجديد، إذن، تتجسد عمليا وبصورة مباشرة عبر مواجهة ممثليه المحليين من رأسماليين وبيروقراطيين وفرض الإطاحة بالمنظومة الرأسمالية المتشابكة مستوياتها محليا وإقليميا ومحليا. نفس الطبقة ونفس المصالح وكل له من الأرباح نصيب يكبر أو يصغر حسب شروط الشراكة. وهذا ما يحملنا على التنبيه إلى أن السيادة الوطنية الحقيقية هي اليوم مشروطة بالخروج من الرأسمالية، وأنّ استعادتها يندمج ضمن تشابك المهام التي على الثورة الاجتماعية حلها دون الوقوع في المرحلية وفصل الوطني عن الاجتماعي.

 ويكفي أن نلقي نظرة على البلدان التي شهدت ثورات تحرر وطني في القرن العشرين حتى نلاحظ أن البلدان الوحيدة التي حافظت على استقلالها وطورت اقتصادات مستقلة وحمت ثرواتها وسيادتها على قراراتها هي تلك التي لم تفصل الثورتين بل بنت نظاما اشتراكيا كتتويج لحركة تحرر وطني رغم نصائح الكومنترن ثم الأخ الأكبر (الاتحاد السوفياتي) والضغط عليها وتعرضها لتهمة التروتسكية من نظام الكرملين (الصين، الفيتنام كوريا الشمالية، كوبا…) وضمنت بذلك استقلالها وتحررها من الاخطبوط الرأسمالي رغم تأخرها وضعف بعضها وصغر حجمها في بعض الأحيان (ولو أنها تكشفت عن دكتاتوريات اشتراكية الدولة ولكن ليس هذا مجال نقاش تلك المسألة). من جهة أخرى تسرب الرأسمال من جديد ومعه التبعية والاستعمار بشكله الجديد في بقية البلدان عن طريق ثوار الأمس بالذات (بيروقراطيي دول ما بعد الاستعمار المباشر) لأنها وجدت نفسها مربوطة به عضويا ولا فكاك لها منه طالما هي جزء من نفس المنظومة الاقتصادية/الاجتماعية (الرأسمالية) وتتطور بنفس الآليات وضمن نفس المنطق الرأسمالي المعولم (وهو حال أنظمتنا القومية العربية والشبيهة بها).

 لا تحرر، إذن، من الاستعمار في ظل الرأسمالية المعولمة لأن الاستعمار من طبيعتها وتنتجه ميكانيزماتها ولا يمكن فصله عنها أو اختراع رأسمال من طبيعة مغايرة. وهكذا تصبح السيادة الوطنية ضرورةً سيادة شعبية على القرار والثروات والمرافق الاجتماعية… وذلك بعدم توكيل الحكومة المركزية المتواطئة حتما بل بمشركة الإنتاج والتوزيع والخدمات العمومية تحت تسيير ذاتي تؤمنه هياكل منتخبة انتخابا مباشر انطلاقا من المحلي والقطاعي والجهوي قابلة للعزل، وتتفدرل بصورة ديمقراطية بمساهمة ممثلين عنها في تشكيل مجلس وطني ينتخب من صلبه حكومة (هيكل تنفيذي) تنفذ قراراته وتخضع لرقابته وقابلة للعزل جماعيا أو فرديا. سأعود لهذا المقترح بالتفصيل في ما بعد.

+ وأية ديمقراطية؟

بالنسبة لليسار، الديمقراطية تعني الديمقراطية النيابية أو البرلمانية، أي ما يسمى الديمقراطية البرجوازية؛ وكأنه لا توجد أنواع أخرى. غير أنّ الديمقراطية ديمقراطيات منها ديمقراطية المساهمة (participative)، وديمقراطية شبه مباشرة (يحدد الدستور بعض القوانين التي لا يمكن اتخاذها بالديمقراطية النيابية ويشرط اتخاذها باستفتاء)، وكذلك ديمقراطية مباشرة، تلك الديمقراطية التي تبرز في كل ثورة في اللحظة الحاسمة من بدء تفكيك السلطات القديمة والاستعاضة عنها بهياكل تنتخب في خضم الحراك الثوري أي من صلب “الحركة الذاتية للجماهير” حسب عبارة روزا لكسمبورغ. وهو أمر عادة ما يستهجنه “علماء الثورة”، ويعتبرونه أمرا “عفويا” لا بد من مقاومته والدفاع عن “الدولة الوطنية” أي عن تلك الصفوة من المتنفذين المنصّبين ذاتيا، الذين اغتصبوا السلطة ووضعوا عليها حراسا مسلحين وأعوان تخبيل ومخاتلة يحمون نظامها ويؤبّدون قدرية الدولة القائمة وقدسية النظام العام.

 والديمقراطية المباشرة كانت تتويجا طبيعيا لكل ثورات القرن العشرين، تلك الثورات التي شهدت بروز هياكل تسيير ذاتي محلية وقطاعية وجهوية تفاعلت وترابطت وتضامنت كي تخلق نظاما فدراليا اجتماعيا يتوج بمجلس وطني يتقاسم الصلاحيات مع الهياكل الأقرب إلى حياة المواطن، فيختص هو بما هو عام (وطني) وتختص الهياكل المحلية بتسيير ما هو خاص بمجالها وتفوض مندوبيها لمؤتمرات واجتماعات المجلس الوطني وتراقبهم حتى إذا جنح للدفاع عن رأي لا يمثل ناخبيه عزل بكل بساطة بأغلبية أصوات ناخبيه.

تمثل كومونة باريس أولى التجارب الحديثة لمثل هذه الديمقراطية قبل أن تهزم وينتهي الأمر إلى حكم البرجوازية وتسود الدولة اليعقوبية شديدة المركزية.  ولقد تعززت الرؤيا وتوضحت أكثر مع النظام السوفياتي الذي مع الأسف سريعا ما انقلب عليه الحزب/الدولة الذي ارساه البلاشفة وأفرغوا السوفياتات من محتواها والحقوها بسلطتهم. نفس الشيء وقع في عديد البلدان التي واجهت الأحزاب الاشتراكية (المانيا بقيادة فريديريتش ايبرت) اسبانيا والمجر والبرتغال بتحالف الجمهوريين (الاشتراكيين والشيوعيين) وأخرها تونس التي شهدت بداية تشكل لجان حماية الثورة فعارضها اليسار بمجلس وطني لحماية الثورة هو عبارة عن شراكة حزبية ومنظماتية تمتد من الخوانجية وما تبقى من الدساترة الى بيروقراطية الاتحاد العام التونسي للشغل وباقي المنظمات وأحزاب اليسار. ولقد تصدى اليسار لمحاولة فدرلة لجان حماية الثورة في نابل افريل 2011 وأجبرها على الانكفاء الى هياكل مفرغة مجرد استشارية لأعوان الدولة (معتمدين وولاة) المنصبين من قبل حكومة مؤقتة (السبسي/مبزع) لا شرعية لها سوى ما أغدق عليها الاتحاد العام واليسار الذي ضحى ببرنامجه المخفي في الرفوف لينصهر في ما سمي بـ “المسار الانتقال الديمقراطي”” الذي نعرف أطواره وتبعاته.

المركزية المشطة كأسلوب عمل وتفكير وبناء

          يعتقد بعض منتقدي مركزية الأحزاب اليسارية أنها مجرد مركزية تنظيمية وتكفي دمقرطة الحياة الداخلية للتنظيمات حتى يقع تجاوز تلك النقيصة. ولكن الأمر أعمق من ذلك بكثير. فالمركزية تحكم كل أوجه النشاط السياسي والتسيير والتصورات. طبعا المركزية التنظيمية ولكن أيضا المركزية السياسية أو ما يعبر عنها، بلغة عسكرية، بالاستراتيجيات، تلك الخطة العامة التي تفضي إلى مهمة مركزية أولية ألا وهي استيلاء الحزب على سلطة الدولة كبديل عن الجماهير الثائرة وكحاكم لها منذ ذلك الحين عوضا عن الفريق الحاكم القديم. وطبعا تعود الدولة نفسها، بوصفها جهاز أجهزة ممركزة، لتتولى مهامها المعتادة في فرض النظام العام بالضبط إن أمكن وبالقمع إن لزم الأمر. لذلك يحتاج الحزب للدولة القائمة ويرفض تفكيكها ويدافع عنها وعن “الأمن الوطني” و”الجيش الوطني” و”السيادة الوطنية” التي تتجسد في مراكز السلطة السياسية الثلاثة: الرئاسة والحكومة والبرلمان.

          تجد مركزية اليسار تفسيرها أولا في الثقافة السياسية التي تربى عليها وهي اللينينية بوصفها مرجعية تقود مجمل اليسار التونسي؛ ولكن أيضا في تربية مدرسية وجامعية لزعاماته وكوادره وفي تربية نقابية في صلب الاتحاد العام التونسي للشغل، وهو قمة المركزية وشاهد على طغيان أقلية بيروقراطية على مجمل هياكله وأطره وممتلكاته ومناضليه. فالاتحاد العام التونسي للشغل يعيش مفارقة غريبة تبدو أمرا طبيعيا لكونها دامت عقودا طويلة فاكتسبت مشروعية. 15 عضوا يكوّنون المكتب التنفيذي يحكمون 750.000 نقابي بقطاعاتهم وجهاتهم ومحلياتهم المختلفة لأنهم يبدون أكثر “شرعية” بعد المؤتمر من كل الهياكل بما فيها أكثرهم تمثيلية وقدرة على اتخاذ القرارات العامة مثل المجلس الوطني والهيئة الإدارية الوطنية التي من المفروض أن يكون المكتب التنفيذي نفسه تابعا لها بالنظر. ولكن لكونه منتخبا من قبل المؤتمر العام، يصبح المكتب التنفيذي الهيكل الأهم والأكثر مشروعية وسلطة بين مؤتمرين. وهكذا لا تستطيع الهيئة الإدارية حتى الاجتماع ما لم يدعها المكتب التنفيذي؛ ولا تكون قراراتها نافذة وشرعية ما لم يصادق عليها المكتب التنفيذي وبالخصوص الأمين العام، وهو الحاكم الناهي حتى أن بقية الأعضاء هم مجرد مساعدين له.

والاتحاد العام التونسي للشغل ليس إلا مرآة عاكسة لحزب الدستور. فمنذ تولي بورقيبة زعامة الحزب الحر الدستوري (ثم الحزب الاشتراكي الدستوري) تطورت في صلبه مركزية بيروقراطية وصلت إلى حد الحكم الفردي وعبادة الشخصية حتى تحول ذلك الحزب إلى ميليشيات تابعة للزعيم وبطانته. وذلك ما سهل على بن علي، إثر انقلابه على بورقيبة، إخضاعه لنظامه البوليسي وجعله مجرد شبكة من الوشاة في خدمة أجهزة الداخلية بعد أن أحال قياداته على التقاعد الإجباري وغير إسمه ونصّب نفسه رئيسا عليه.

          ولقد تأثر اليسار أيضا بهرمية الاتحاد العام لطلبة تونس الذي ورث قيادته عن حزب الدستور نفسه منذ بداية السبعينات، فضلا عن تأثره بالتيارات القومية المتمركسة وغير المتمركسة التي كانت دوما منهلا من مناهل الثقافة السياسية لليسار التونسي والعربي عموما. ونعرف كم كانت ولا زالت الحركة القومية بمختلف فصائلها شديدة المركزة والهرمية وذات نزعة عسكرية. ويكفي أن نشير هنا إلى أنّ ما يصح على الأحزاب اليسارية والاتحاد العام التونسي للشغل يصح على كثير من المنظمات غير الحكومية والجمعيات التي تدور في فلك اليسار وما يسمى بالحركة التقدمية. فالثقافة مشتركة والهدف واحد والأساليب تتقارب.  ولا غرو أن نجد أجزاء هامة من اليسار التونسي منبهرة بالأنظمة القومية العربية العسكرية والدكتاتورية الحمائية كنظام صدام حسين أو القذافي، والأسد وأكثر منهما، نظام الجنرالات في الجزائر. وهي تطمح إلى بناء دولة “قوية” تكثف صفات الدولة الأب/العرف/الراعي/الكافل لمنظوريه.

الفدرالية الاجتماعية عوضا عن المركزية البيروقراطية

ربما يذهب الكثير، عند الكلام عن الفدرالية، إلى الشكل الأبسط والذي استهلكته الرأسمالية أكثر من غيره أي الفدرالية الترابية أو الجغرافيه. غير أنّ الفدرالية أنواع ومستويات. هناك فدرالية عقائدية (دينية، طائفية (لبنان مثالا) … وهناك فدرالية أثنية وفدرالية قومية. ولكن الثورات طرحت أيضا منذ كومونة باريس وثورات القرن العشرين الفدرالية الاقتصادية/الاجتماعية والسياسية. فالثورة الروسية مثلا تضمنت 3 أصناف من الفدرالية: المجالية الجغرافية (توحيد مناطق ومستعمرات قديمة للإمبراطورية القيصرية توحيدا طوعيا وفيدرالية قومية (توحيد طوعي لقوميات مختلفة ضمن مبدإ حق تقرير المصير (حرية الانفصال والتوحد) وكذلك فدرالية اجتماعية عبرت عنها السوفياتات التي توجت باتحاد سوفياتي فدرالي تتوزع فيه السلطات بين الهياكل المحلية والقطاعية والجهوية والمناطقية التي خلقت من رحم الثورة وتوسعت وتفدرلت لتكون الاتحاد السوفياتي كسلطة سلطات أي سلطة جامعة تهتم بما هو عام وتترك الصلاحيات للمجالس المحلية والقطاعية والجهوية تسير ما هو تحت تصرفها (هنا يدور الحديث طبعا حول الحكم السوفياتي في الثلاث سنوات الأولى).

هل من الممكن لنظام من هذا النوع أن يقوم في ظل دولة رأسمالية توحيدية قسرية تقوم على المركزية الهرمية وتصهر التناقضات الاجتماعية والأثنية والقومية… ضمن “وحدة وطنية” صماء تتحكم فيها أوليغارشيا عسكرية و/أو مدنية؟ قطعا لا. لننظر إلى مسار الثورة التونسية لنتبين بروز وحدود هذا الأفق. منذ أيامها الأولى ومع موجات المسار الثوري تلازم شعار “ديقاج” المرفوع في وجه منصبي الدولة البوليسية (عمد، معتمدين، ولاة، مجالس بلدية، مدراء عامين) مع إرساء لجان حماية الثورة التي تصرفت في الأحياء والمدن والقرى كبديل عن سلطة الدولة ونظمت الحياة اليومية والتضامن الاجتماعي والدفاع الذاتي في مواجهة البوليس وميليشيات نظام بن علي.

غير أنها واجهت بطريقة متفاوتة، لا فقط الدولة البوليسية، بل العالم السياسي القديم برمته (معارضة ليبرالية، يسار، مركزية نقابية ومنظمات غير حكومية الخ). لذلك لم تتحول إلى هياكل دائمة لسلطات بديلة عبر تأسيس نظام انتخابي مباشر وخاص بها، ولم تتصد لمهمة استعادة المنهوب العمومي والتصرف فيه وفرض نفسها كحكم على مجالها (قرية، مدينة، حي، وحدات انتاج) رغم المحاولات العديدة في جهات عدة (الحوض المنجمي، الكامور، الفوار…). والتجربة الوحيدة التي نجحت في تلك المهمة هي لجنة حماية الثورة بجمنة التي تحولت إلى جمعية محلية (حصنت نفسها بإطار قانوني) ورغم كل الضغوطات والقلاقل رفضت بشدة تقسيم الملك العمومي بعد استعادته. وفرضت على الدولة والمجتمع كاملا (الى حد الآن) رغم الحصار والقمع، نظام تسيير ذاتي يقوم على ديمقراطية مباشرة تقرر فيه الجلسة العامة المجتمعة في ساحة عمومية مخصصة لذلك وسط القرية. وهو أسلوب حكم وتسيير محليين لا يخضع لمنظومة الخوصصة والتوظيف وتقاسم الأرباح بل يقوم على استغلال المنتوج للصالح العام وتشغيل الشباب وتنمية الجهة من مختلف جوانب التنمية (بنية تحتية، خدمات اجتماعية أساسية، نشاطات ثقافية ورياضية، رعاية اجتماعية لذوي الحاجات الخصوصية والمرضى الخ…)

وتحاول جمنة أن تربط علاقات تبادل وتفاعل وتعاون وتضامن مع عديد الهياكل المحلية والجهوية وما بعد الجهوية. إنّ الفدرلة الاجتماعية تعني بالضبط توسع وتنوع وتفاعل وتشابك مثل هذه الهياكل ومشاركتها وتمثلها في مستويات أوسع وأكثر مركزية حتى يكون القرار جماعيا ديمقراطيا وشفافا. إن جمنة هي شاهد على ما ستكون عليه السلطات العمومية المحلية التي من الطبيعي أن تنخرط في تشابك سلطات أخرى تفضي إلى فدرالية اجتماعية على المستوى الوطني. ويمكن للتنظم الذاتي ولهياكل التسيير أن تتخذ أشكالا قانونية عديدة مثل الجمعيات أو التعاونيات أو البلديات (mairies أي حكومات محلية مصغرة وليست بلديات تختص في “الزبلة والخروبة” كما هو حال بلدياتنا) … إنّ الديمقراطية المباشرة تفترض نظاما انتخابيا متصاعدا يبدأ من الدائرات الأصغر (دوار، مؤسسة إنتاجية، حي، قرية، مدينة…) إلى الدائرات الأوسع والأكثر مركزية لا العكس، وهو ما يجعل كل المستويات ممثلة بمفوضيها في جميع المؤسسات الوطنية.

مسار ثوري أم مسار انتقال ديمقراطي

منذ منعرج القصبة 2 وتبني المجلس التأسيسي وإفشال مؤتمر نابل (أفريل 2011) عوض المسار الثوري بـ”مسار الانتقال الديمقراطي” المعد سلفا من “خبراء” الاتحاد الأوروبي والذي أجهض ثورات أوروبا الشرقية وأدمجها في الديمقراطية الليبرالية. وبرعاية الأمم المتحدة وبتمويل مؤسسات أوروبية وعالمية، تحول ذلك المخطط إلى وصفة نمطية (standard) يواجه بها الرأسمال المعولم جميع الثورات في العالم وعلى راسها الثورة التونسية بما يعني ذلك التمشي من مرافقة وتمويل وتخطيط من قبل سبونصورات ثورة فوقية تلعب فيها بيروقراطيات المجتمع المدني الدولي والمحلي وإدارات النظم المتهاوية دور الحاضنة “للانتقال نحو الديمقراطية”. وهو “انتقال” يقدم نفسه على أنه وليد الثورة نفسها وينتحل صفة بديل عن الدكتاتوريات الساقطة.

 وطبعا يحصر “المسار الديمقراطي” مهام “الثورة المدنية السلمة” في رسكلة وإعادة تشكيل النظم السائدة بتطعيمها بمسوخ ديمقراطية يقودها ما أطلق عليهم اسم “كفاءات وطنية” أو “تكنوقراط”. ويقوم ذات المسار على شراكة توافقية بين لوبيات رجال الأعمال ودولتهم وبين المنظمات التي تنسب نفسها للثورة أو التي رافقت المسارات الثورية من موقع الناصح الراعي وحامية الثورة من الراديكالية والعنف، أي من نفسها! وهكذا انتصرت الثورة الفوقية، ثورة البيروقراطيات على ثورة التحت، ثورة المهمشين والمحرومين (الشبيبة المعطلة والمقصية (متعلمة وغير متعلمة)، النساء المضطهدات الرازحات تحت كلاكل المجتمع الذكوري والمستغلات استغلالا مضاعفا ومواطني أحزمة البؤس في المدن والقرى والأرياف.

 مقابل هذا الاختزال للثورة الاجتماعية في “انتقال ديمقراطي” تطورت موجات المسار الثوري من المحليات وانتشرت عبر الجهات والمدن والقرى لتعمّ البلاد وتفرز حركات اجتماعية ركزت بوضوح عن مطالب طرحتها للإنجاز بوصفها مهام الثورة التي يطمحون لتحققها. ولقد حاولت تلك الحركات وسط معارضة جميع التشكيلات السياسية أن تمر إلى الفعل فكانت عرضة لقمع بوليسي وعسكري مفتوح. لقد هال محترفو السياسة من كل المشارب إصرار الحركات الاجتماعية على تدخلها في طرح قضية الملكية والتصرف في الثروات والمقدّرات والمرافق العمومية واسترجاع المنهوب منها. وبدا كأنها تعدت الخط الأحمر واستفزت كل أطراف التوافق السياسي بما في ذلك اليسار والاتحاد العام التونسي للشغل الذي كان يسارع دوما للوساطة وحصر الأمر في تشغيل الشباب الثائر وإنقاذ ملكية النهابين واستقرار حكومتهم.

 لم تتجاوز ثورة المهمشين طاقة استيعاب اليسار فقط في ما طرحته من مهام اجتماعية ومن مفهوم جديد للسيادة الوطنية وللتحرر من طغيان السلطة المركزية والمشاركة في القرار والتسيير، بل أيضا في أشكال التنظم الذاتي وتسيير الخلافات بكل ديمقراطية ونقاش علني مفتوح للجميع وبأشكال نضالية مبتدعة وفنية. باختصار لم ينتبه اليسار إلى كون الثورة الاجتماعية هي ثورة شاملة تقلب التصورات القديمة في جميع المجالات راسا على عقب وتخلق ثقافتها وديمقراطيتها ومنظومتها الاقتصادية الاجتماعية وطرق عيشها وتعايشها.

” القوى الوطنية الثورية : الواقع و آفاق التجاوز “

نص المداخلة التي قدمها الرفيق زياد الأخضر, الأمين العام لحزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد, خلال الندوة السياسية التي نظمها الحزب يوم 6 فيفري, بمناسبة الذكرى السابعة لاغتيال الرفيق الشهيد شكري بلعيد

بقلم زياد الاخضرأمين عام حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد

ينظم حزبنا هذه الندوة السياسية الفكرية في ذكرى اغتيال الشهيد شكري بلعيد ايمانا منا بان الوفاء للشهداء لا يتطلب البكاء والعويل والترديد الببغائي لمواقفهم وانما التفكير والنقد والعمل من أجل انتصار المشروع الذي ضحوا من أجله.
تنعقد هذه الندوة بعد هزيمة انتخابية مني بها حزبنا في انتخابات 2019 وقد سبق للجنة المركزية للحزب أن أعلنت بوضوح أن قيادة الحزب تتحمل مسؤولية ذلك وهو ما يعني أننا نعترف بأن أوضاعنا الحالية ناتجة أساسا عن أسباب تتعلق بنا في مستوى تفكيرنا وفهمنا للواقع وممارستنا السياسية بعيدا عن تبريرات الفشل عبر اتهام الاعلام الموجه واللوبيات النافذة أو بعض شركائنا السابقين الذين اختلفوا معنا .
إن النظر في واقع القوى الوطنية الثورية وآفاق تطورها يتطلب أولا النظر في ممارستها السياسية في ضوء فكرها الذي به تفهم الواقع ومدى قدرته على  التجذر في مسار الثورة وعلى استباق التجربة بعين النظرية على حد قول الشهيد مهدي عامل . وللحقيقة فإن هذا الأمر يتطلب معرفة وجرأة يسندها اقتناع عميق  بأنه ليس لدينا مصالح خاصة ندافع عنها وأن دورنا هو دعم كل حركة ثورية تناضل ضد النظام الاجتماعي  والسياسي القائم .

يجدر بنا التأكيد بأن مسارات  ثورية انطلقت في مناطق متعددة من العالم وبالأخص في منطقتنا العربية في سياق الأزمة العميقة للنظام الرأسمالي   التي تنعكس بشكل كارثي على الاقتصاديات التابعة والهشة مخلفة تصاعد البطالة خاصة في صفوف الشباب ، و توسعا لدائرة الفقر والتهميش،و تصفية متسارعة للخدمات الاجتماعية الأساسية، (التعليم والصحة، السكن الاجتماعي والنقل). وانتشارا واسعا للفساد في مختلف أجهزة الدولة والمجتمع.وسأقتصر في هذه المداخلة على رصد بعض المواقف والممارسات لهذه القوى في علاقة بمسار الثورة الذي تفجر في 17 ديسمبر  وادى الى اسقاط رأس النظام الدكتاتوري العميل  في 14 جانفي 2011ومن ثمة تفكيك مؤسساته التمثيلية وحل أداته الحزبية و تذرير مكوناتها وهو ما سمح لنا ولغيرنا من القوى السياسية بالنشاط السياسي وطرح برامجنا السياسية على الشعب علنا.
 
1/ لقد تكبدت هذه الأطراف سنة 2011 في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي الذي كانت من الأطراف المنادية به هزيمة ثقيلة وفي محاولاتها لتقييم الأداء في هذه المحطة فإنها توقفت عند ضعف قدراتها التنظيمية وقلة إمكانياتها المالية وتشرذمها  .
في حين أنها لم تقم بتفحص ونقد :
ـ القبول المعلن او الضمني بحل اعتصام القصبة 2 الذي شكل  أهم سلاح في يد القوى الشعبية المعنية بالتغيير مقابل رحيل حكومة الغنوشي الثانية وحل المؤسسات الصورية والتعهد بإنجاز انتخابات المجلس التأسيسي
ـ التركيز على انتخابات المجلس الوطني التأسيسي واعتبارها المدخل للتقدم بالمسار الثوري وتحقيق مطالب الشعب, في ظل عدم تحييد المؤسسة الأمنية وتفاقم تأثير المال الفاسد والتدخلات الخارجية المشبوهة  وفي ظل موازين قوى اقليمية ومحلية لم نقدرها جيدا
ويهمنا ان نتساءل ألا يعكس ذلك في الحقيقة تخليها عمليا في وضع الغليان الاجتماعي عن مهمة التنظيم المباشر للجماهير وتسليحها بالوعي الثوري بما يسمح لها ان تكون قاطرة لتحالف شعبي وطني رغم التصريحات المتكررة باعتماد النضال الجماهيري الواسع  من أجل تجاوز السائد .
فالبورجوازية العميلة وممثليها السياسيين لم يكونوا يأبهون بالمجلس التأسيسي في حد ذاته بل بمواصلة هيمنة أعوانها على مفاصل الدولة والاقتصاد من ناحية وبتوقف حالة التعبئة الشعبية التي كان يمكن أن تتطور الى حالة أرقى تهدد هيمنتها ومصالحها الحيوية .لقد كانت معنية بإضعاف أعدائها وشل حركتهم تحت يافطة استقرار البلاد والمحافظة على الدولة وتم التهليل للادارة التي شكلت بيروقراطيتها وما زالت النواة الصلبة التي ساهمت في  تمكين التحالف الطبقي الرجعي العميل  والأحزاب الطامحة لتمثيله من  استرجاع زمام المبادرة والقدرة على المناورة ومواصلة نفس السياسات اللا شعبية .
2/ فشل هذه الفصائل رغم كل الجهود المبذولة في الانغراس في الأوساط الشعبية وهي التي تعي جيدا أن علاقة الاحزاب والجبهات الثورية بالجماهير الشعبية تشبه علاقة السمكة بالماء الذي يمدها بأسباب البقاء والنمو .
ولعل أهم المشكلات التي أدّت بهذه الفصائل إلى هذا الوضع:
ـ عدم قدرتها على إنتاج وعي مطابق لحركة الواقع المجتمعي و اعتمادها بالدرجة الأولى على استعارة مقولات نظرية جاهزة، أنتجتها الحركة الشيوعية العالمية وإسقاطها على واقعنا، دون النظر في متطلبات هذا الواقع وإشكالاته وهو ما يعني عدم اهتمامها بالناس مثلما هم وإنما مثلما يجب أن يكونوا وفقا للمقولات الجاهزة  .
ـ غياب الربط الدقيق بين العمل الجماهيري والعمل السياسي والتنظيمي، بين العمل والنضال من أجل المطالب الآنية والأهداف الاستراتيجية . كما بقي هذا العمل يتسم بالمناسباتية والفوقية عوض الالتصاق بهموم الفئات الشعبية ومساعدتها على أخذ شؤونها بيدها، فالفئات الشعبية لا تثور ضد مفاهيم نظرية  انطلاقا من اقتناعها بقانون تاريخي ما يقود نحو واقع جديد وإنما تثور انطلاقا من حاجياتها ومشاكلها المرتبطة بتوقها  للعدالة والحرية .
ـ فشل هذه القوى منذ 2011 في التصدي للأجندات المشبوهة الساعية إلى تأجيج الصراعات العقائدية والهووية وايجاد تقاطب حداثي /اسلامي مغشوش يطمس جوهر الصراع . بل إنها وجدت نفسها منساقة الى خوض هذه الصراعات وفقا لرؤية مغايرة لخلفيتها رغم ما يسببه لها ذلك من رفض وتشويه لدى الفئات الاكثر تضررا من التفقير والتهميش والاضطهاد .
والجدير بالذكر أن هذه الفصائل وغيرها كانت ولا زالت تحاول تجاوز هذا القصور بالدخول في تحالفات  هي عموما تجميع لعناوين سياسية  تعاني مشاكل عديدة وبذلك يصبح التحالف فضاء تحاول أن تصدر له مشاكلها وأزماتها  بل و به يستطيع بعضها مواصلة البقاء.
وما تعالي الأصوات المنادية بالوحدة اليوم  إلا محاولة جديدة للهروب من مواجهة الإشكاليات الحقيقية والأسئلة الحارقة.
3/ فشل هذه القوى في مواجهة الهيمنة الفكرية السياسية لما يسمى بالعائلة الوسطية وهي تقريبا “الوسط الراديكالي ” الذي تحدث عنه كتاب عديدون وهو قائم على الايمان بنهاية الايديولوجيا واعتبار أن مفاهيم اليسار واليمين قد عفى عليها الزمن وأن العولمة النيوليبيرالية قدر محتوم علينا القبول بها وعليه تصبح  السياسة ادارة محايدة للشؤون العامة بعيدا عن الصراعات الحزبية .  وتتحول القضايا السياسية الى مجرد مشكلات تقنية يجب أن يتولى حلها خبراء تكنوقراطيين .
وللحقيقة فان هذه الهيمنةاستمدت بعض قوتها من مفهوم التوافق الذي انخرطت فيه الفصائل الوطنية الثورية تحت وطئة الأحداث.
واليوم جني نتائج ذلك مجسدة في انعدام الثقة في المؤسسات المنتخبة والأحزاب والسياسيين الذي تكشفه تراجع نسب التصويت في الانتخابات من محطة الى أخرى.
4/ ضعف القدرة على تحليل الواقع وتعقيداته من أجل طرح بدائل لتغييره نظرا لغياب مراكز دراسية جدية تسمح لهذه الأطراف بالاستشراف وتعديل الخطط للاستجابة لمقتضيات التغيير في المجتمع.
فعلى سبيل المثال لم تتمكن هذه القوى من فهم ما يجري في الساحة السياسية طيلة السنوات الخامسة الماضية وتفاجأت عندما احتل قيس سعيد المرتبة الأولى في الدور الأول للانتخابات الرئاسية في حين أن العالم يشهد صعود القوى الشعبوية اليسارية منها واليمينية . 
5/ اذا كان الثوريون قد ابدعوا الأشكال التنظيمية المناسبة لانجاز المهام المنوطة بعهدتهم في ظروف موضوعية محددة لم يختاروها فإننا نعتقد بأننا مطالبون بإعادة النظر في هذه الأشكال على ضوء دروس التاريخ واحتياجات التقدم بالمسار الثوري في مرحلة تطورت فيها وسائل الاتصال
آفاق التجاوز
بما اننا بصدد التفكير في اوضاعنا من أجل تغييرها في لحضة يعود فيها الاستقطاب الثنائي بين الاخوان المسلمين وحلفائهم والدساترة والتجمعيين فاننا نعلن بوضوح اننا مطالبون اليوم بالاجابة على سؤال ما العمل من أجل كسر هذا الاستقطاب للتقدم في انجاز برنامج الثورة
باتجاه خلق أغلبية شعبية قادرة على الوصول الى السلطة ببرنامجها المعبر عن مصالحها المشتركة إن ذلك يتطلب تفعيل عملية التفكير والبحث ، بكثير من الهدوء والعمق بهدف ايجاد آلية حوار فكري من على الأرضية النظرية للاشتراكية العلمية ، حول كل القضايا السياسية والاقتصادية والمجتمعية ، رغم كل الصعوبات التي يفرضها الهجوم العدواني الامبريالي الصهيوني ووكلاءهم المحليين على شعوبنا من جهة ، ورغم ما يعتري هذه المرحلة من ادعاءات القوى الليبرالية الكاذبة تجاه ضرورات الفكر الثوري وراهنيته من الجهة الأخرى…فتح نقاش عميق وهادئ لا يستثني إلا من استثنى نفسه بممارسته أو بمواقفه المتخاذلة أو المعادية للثورة ولمصالح الشعب فإننا ندعوكم إلى أن يكون ذلك في منبر يحمل اسم الشهيد شكري بلعيد وما ذلك بعزيز على رفاقه وأحبته فرسان الفكر والانحياز لقضايا الوطن والشعب.