حول الاجراءات المتخذة لمجابهة ازمة الكورونا : كيف تتحول الازمة الى فرصة لارضاء جشع الكمبرادور الرث

الدكتور مصطفى الجويلي عضو المكتب
السياسي لحزب الوطنيين الديمقراطيين
الموحد

مع تفشي وباء الكورونا تصاعد الخطاب الليبرالي  ليحول هذه الأزمة إلى فرصة لإنقاذ الشركات الرأسمالية من أزمة تتواصل منذ سنوات و لم يكن كورونا سببا لها بل فقط الشرارة التي أبرزتها بشكل واضح.  هذا الخطاب عبرت عنه بكل وضوح  افتتاحية مجلة “التايمز” البريطانية بتاريخ 19/03/2020 و التي ورد فيها ما يلي ” هناك أهدافا حيوية لصناع السياسة يمكنهم وبواقعية التركيز عليها، أولا: عليهم منع هذا التدهور الاقتصادي من التحول إلى حالة كساد اقتصادي، وثانيا، عليهم إثبات أن الأسواق الحرة والتجارة المفتوحة هما النموذج الاقتصادي الأفضل القادر على توليد الثروة وتحسين حياة البشرية، وإن فشلوا في هذين الهدفين وغيرهما فإنهم سيسمحون للأفكار الخطيرة، مثل الحمائية التجارية والدولة الاشتراكية، بالبروز”.

لم تكن الإجراءات “الاقتصادية و الاجتماعية”  المتخذة في تونس و التي أعلن عنها رئيس الحكومة خارجة عن هذا السياق. الكلمة التي ألقاها مؤخرا رئيس الحكومة كان من المفروض، كما سوق لها، أن تكون تفسيرا  للإجراءات المنبثقة عن قرار ” الحجر الصحي الشامل” الذي أعلن عنه رئيس الدولة. و لم يكن من باب الصدفة أن تستبق القنوات التلفزية الخاصة هذا “التفسير” و تفسح المجال لبعض رموز لوبيات المال و التجارة الذين تحدثوا مطولا عن “تضحياتهم”  و “الحظر الذي يهدد مؤسساتهم ” بما يستوجب تدخل الدولة لإنقاذهم  رافضين في نفس الوقت أي مساهمة في تعبئة الموارد الضرورية لمواجهة الأزمة. لذلك كانت الإجراءات التي أقرتها الحكومة، في جزئها الأكبر، حماية لمصالحهم و إرضاء لجشعهم.

في الكلمة التي ألقاها يوم 21 مارس 2020 ، و بعد مقدمة إنشائية مطولة حول “خطورة الأزمة” و “أثارها على الاقتصاد” و”التضامن الجماعي” و “الوحدة الوطنية” ، استعرض رئيس الحكومة  جملة من “الإجراءات الاقتصادية و الاجتماعية” قدرت  كلفتها الجملية بـ 2500 مليون دينار.  و سنحاول في هذا المقال الرجوع على هذه الإجراءات لكشف زيف الخطاب الحكومي و المقولات الواهية التي يتستر خلفها.

في باب “الإجراءات الاجتماعية”، إلى جانب تأجيل أقساط خلاص القروض البنكية بستة أشهر بالنسبة للأجراء الذين لا يتجاوز دخلهم 1000 دينار شهريا،  تم تخصيص 450 مليون دينار موزعة بين 300 مليون دينار كمساعدات لفائدة العمال المحالين على البطالة الفنية و 150  مليون دينار كاعتمادات  استثنائية لفائدة الفئات الهشة و محدودي الدخل و ذوي الاحتياجات الخصوصية.

لم يكن من باب الصدفة أن يقع التركيز، عند استعراض هذه الإجراءات و التسويق لها ،  على المبالغ في صيغتها الجملية (300 م.د و150 م.د) فهي لغير المختصين و غير المعتادين على التعاطي مع الأرقام (وهم غالبية من التونسيين) تبدو “مبالغ ضخمة” و تعبر عن “مجهود جبار” تقوم به الحكومة لحماية الفئات الهشة. إلا أن الوقوف عند التفاصيل يكشف زيف الخطاب الحكومي و يبين أن الاعتمادات المرصودة  ليست سوى فتات و مسكنات توظفها الحكومة للدعاية لا غير.

بالنسبة للاعتمادات المرصودة  لفائدة الفئات الهشة و محدودي الدخل و ذوي الاحتياجات الخصوصية (150 مليون دينار) فهي تتوزع كما يلي : مساعدة لفائدة 623 ألف عائلة محدودة الدخل بمعدل 200 دينار لكل عائلة و مساعدة لفائدة 26 ألف عائلة معوزة بقيمة 50 دينار لكل عائلة. إذا ما اعتمدنا إذن على المساعدة المخصصة لكل عائلة تبدو المبالغ ضئيلة جدا خاصة و أن واقع الأزمة و إجراءات الحجر الصحي ستنتج ضرورة نفقات إضافية نتيجة للاحتكار و ارتفاع الأسعار و الكلفة المنجرة عن الوقاية. حتى بالنسبة للعائلات ذات الدخل المحدود أي الدخل الغير قار،  التي تبدو المنحة المسندة لها (200 د) مقبولة نسبيا، فان هذه العائلات ستفقد دخلها (المحدود) بفعل الأزمة و ستجد نفسها مجبرة على الإيفاء بكل حاجياتها اعتمادا على المساعدة الممنوحة فقط. لكن الأهم، أن هذه المساعدة ستسند لمرة واحدة فقط في ضل أزمة قد تستمر لعدة أشهر.

من ناحية أخرى تم تخصيص 300 مليون دينار كمساعدات لفائدة العمال المحالين على البطالة الفنية أي البطالة المنجرة عن إيقاف نشاط المؤسسات الخاصة و لكن دون تقديم أي تفصيل حول منهجية  تقدير هذا المبلغ واليات توزيعه و حجم المساعدة المخصصة لكل عامل يجد نفسه في وضع البطالة الفنية. منطقيا، تكون المنهجية المتبعة في مثل هذه الحالة معاكسة تماما إذ يقع أولا تحديد المبلغ الضروري الذي يؤمن الحد الأدنى المعيشي للعامل و عائلته (مثلا اعتمادا على الأجر الأدنى المضمون)، هذا المبلغ يمثل المنحة أو المساعدة الشهرية التي تعوض العامل عن راتبه في حالة البطالة الفنية و طيلة مدة البطالة. بالتالي لا يمكن تحديد الاعتماد الجملي مسبقا بل لاحقا باعتبار عدد العمال المحالين على البطالة الفنية و مدة بطالتهم. في فرنسا مثلا تم اعتماد آلية “البطالة الجزئية” (chômage partiel)  حيث يتكمن كل عامل توقفت المؤسسة التي تشغله عن النشاط بسبب فيروس الكورونا من منحة شهرية تعادل 84 % من أجره الشهري الصافي. هذه المنحة تتكفل بها المؤسسات ثم تتدخل الدولة لاحقا لتعويضها. أما المبلغ الجملي للتعويضات فهو يرتبط بعدد المحالين على البطالة الفنية و مدة بطالتهم.

في تونس، يشغل القطاع الخاص حوالي مليون و 500 ألف أجير، إلا إن الحكومة لم تحدد آليات توزيع المبلغ المرصود و لا المنحة المسندة لكل عامل و لا أيضا مدة التمتع بهذه المنحة و هو ما يطرح إشكاليات جدية في علاقة بإمكانية تطبيق الحجر الشامل. إذا اعتبرنا مثلا أن المنحة المسندة لكل عامل في وضع بطالة فنية تعادل الأجر الأدنى (حوالي 400 د) و لشهر واحد فقط، و اعتمادا على المبلغ الجملي المرصود (300 مليون دينار) فان عدد العمال المحالين على البطالة الفنية سيكون في حدود 75000 عامل، أما البقية (750000) فهم مجبرون على مواصلة العمل أي أنهم غير معنيين بالحجر الصحي هذا طبعا دون اعتبار أن الأزمة قد تطول لأكثر من شهر.هذا يعني انه لنؤمن الحد الأدنى المعيشي لجزء من العمال يجب أن لا يتوقف الجزء الأكبر عن العمل ، بكل ما في ذلك من مخاطر عليهم و على عائلاتهم، و بذلك يصبح الحجر الصحي لا معنى له. بلغة أخرى نحن أما خيارين : إما حماية أرواح العمال و عائلاتهم و إما أن تواصل المؤسسات الخاصة نشاطها لضمان أرباحها  ولكن  و أمام  محدودية الاعتماد المرصودة يبدو أن أرباح الشركات أهم، لدى الحكومة، من أرواح الأجراء.   

 أما بخصوص “الإجراءات الاقتصادية” أي الموجهة للمؤسسات فقد تضمنت حزمة أولى تمثلت في تأجيل دفع الاداءات لمدة ثلاث أشهر، تأجيل خلاص أقساط القروض البنكية لمدة ستة أشهر، التمكين من استرجاع فائض الأداء على القيمة المضافة في اجل أقصاه شهر، إعفاء المؤسسات التي أبرمت صفقات عمومية من خطايا التأخير لمدة أقصاها ستة أشهر.  تبدو هذه الإجراءات عموما مقبولة حيث تمكن المؤسسات من السيولة الضرورية لمواصلة نشاطها دون تأثير كبير على موارد ميزانية الدولة. لكن كان لا بد من إرفاقها بجملة من الشروط  وهى أساسا: حصر التمتع بهذه الإجراءات على المؤسسات الصغيرة و المتوسطة نظرا لهشاشتها و ضعف مواردها المالية، استثناء كل المؤسسات المتخلدة بذمتها ديون جبائية أو ديوانية و أخيرا وضع آلية لجدولة تسديد الاداءات و أقساط القروض المتأخرة بعد انتهاء مدة التأجيل حتى لا تجد هذه المؤسسات (الصغرى و المتوسطة) مجبرة على تسديد المستحقات المتخلدة بذمتها في فترة وجيزة و تتعقد بذلك وضعيتها المالية.  أما الحزمة الثانية من الإجراءات، الموجهة تحديدا للمؤسسات الكبرى، فهي الأكثر أهمية و الأكثر خطورة لذلك  سنتناولها بأكثر تفصيل.       

أول الإجراءات يتمثل في جدولة الديون الجبائية و الديوانية لمدة سبع سنوات . حسب تقديرات وزارة المالية فان حجم هذه الديون يبلغ 10.000 مليون دينار أي ما يعادل 21 % من مجمل ميزانية الدولة و 27 % من الموارد الذاتية و 31 % من الموارد الذاتية لسنة 2020 و أربع مرات حجم الاعتمادات المرصودة لمجمل الإجراءات (2500 مليون دينار). لكن السؤال الذي يطرح هنا : ما هي علاقة هذا الإجراء بأزمة الكورونا ؟  هل أن تفشي وباء الكورونا هو من منع هؤلاء على تسديد ديونهم الجبائية و الديوانية ؟  طبعا لا علاقة لازمة الكورونا بكل هذه الديون المتخلدة منذ سنوات و التي تترجم تهرب اللوبيات من الإيفاء بتعهداتها تجاه الدولة. بل أكثر من ذلك، لولا تهرب هذه اللوبيات لكانت الدولة أكثر قدرة على دعم المرفق العمومي (الصحة العمومية خاصة) و لكنا أكثر قدرة على مجابهة هذا الظرف الاستثنائي. وتكفي الإشارة فقط أننا نواجه هذه الأزمة بقطاع صحة عمومية مترهل (400 سيارة إسعاف و 240 سرير إنعاش) في حين تبلغ الديون المتخلدة بذمة اللوبيات 10000 مليون دينار. أي أن تهربهم هو احد أسباب الأزمة و ليس نتيجة لها. كان من المفروض إذن و نحن نمر بظرف استثنائي أن يقع إجبار المتهربين على تسديد و لو جزء من الديون المتخلدة بذمتهم . إلا أن حكومة الكمبرادور الرث ارتأت غير ذلك و كافأت لوبيات التهرب الضريبي بإعادة جدولة هذه الديون و الأدهى لمدة  سبع سنوات في حين أن الأزمة لن تتجاوزه بضعة أشهر على أقصى تقدير. ليس هذا الإجراء في الواقع إلا تشجيعا على التهرب الضريبي و مكافأة للمتهربين، أما تمديد مدة الجدولة إلى حدود سبع سنوات فليس إلا تحضيرا لإسقاط هذه الديون نهائيا وهو ما يطالب الكمبرادور الرث منذ سنوات.     

الإجراء الثاني يتمثل في إحداث خط ضمان بـ 500 مليون دينار لتمكين المؤسسات من قروض جديدة  وهو إجراء يطرح بدوره العديد من الإشكاليات. أولا إن تحديد حجم القروض الجديدة يتوقف على تحديد الحاجيات المالية للمؤسسات أي بعد تجاوز الأزمة و تقييم أثارها و لذلك فان تحديده مسبقا لا يستند إلى أي منطق و قد يفتح المجال لعمليات التلاعب و الفساد و تضخيم المؤسسات لاحتياجاتها المالية. ثانيا، لماذا وقع استثناء المؤسسات العمومية و لم يخصص أي إجراء لفائدتها و كأنها لن تتأثر بهذه الأزمة. ثالثا، هذه القروض ستكون موجهة للتصرف و الأشغال أي انه لن ينجر عنها استثمار أو خلق للثروة و مواطن الشغل. أما الإشكال الرابع  فان هذا الأجراء سيمكن المؤسسات من الحصول على قروض بضمان الدولة وهو ما يعيد إلى الذاكرة ذلك الحجم الهائل من القروض التي نهبها رجال الأعمال و تم تسديدها على حساب ميزانية الدولة أي على حساب دافعي الضرائب تحت غطاء إعادة رسملة البنوك العمومية.  أخيرا، حسب معطيات البنك المركزي، بلغ حجم القروض البنكية المسداة للقطاع الخاص سنة 2018 ما يعادل 60 مليار دينار (مقابل 5 مليار دينار فقط للمؤسسات العمومية) و لكن الأهم أن حوالي 34 مليار دينار استحوذت عليها المجموعات الكبرى أي أن خمس عائلات نافذة استحوذت على 57 % من القروض البنكية في حين مثلا أن القطاع ألفلاحي على أهميته لم ينل سوى 4 % من مجموع هذه القروض. من المؤكد إذن  أن نفس هذه العائلات النافذة هي التي ستستحوذ على الجزء الأكبر من خط الضمان هذا و بالطبع لن تسدد هذه القروض وككل مرة ستتحمل الشرائح المهمشة و المفقرة الكلفة.          

الإجراء الثالث يتمثل في إحداث صندوق بـ 700 مليون دينار لهيكلة و رسملة المؤسسات المتضررة و يطرح هذا الإجراء نفس الإشكاليات السابقة من حيث استثنائه للمؤسسات العمومية و التحديد المسبق لحجم الأضرار كما انه لا يضع أية آلية لتقييم هذه الأضرار و لا يحدد الجهة المسؤولة عن التقييم و لا أيضا الفترة المرجعية لهذا التقييم ولا يضع شروطا محددة للانتفاع بهذا الإجراء هو ما يفتح الباب أمام كل أشكال المحاباة و الفساد و التلاعب بالمال العام. لكن الأهم أن هذا الإجراء يأتي في ضل وجود آلية أخرى لدعم الاستثمار الخاص المتمثلة في “قانون الاستثمار”. و للتذكير فان المنح المسندة تحت غطاء تشجيع الاستثمار تقدر بـ 2850 مليون دينار سنويا و لو احتسبنا فقط الفترة 2011-2019 سيكون المبلغ الجملي 25650 مليون دينار أي تقريبا 42 % من مجمل الديون التي اقترضتها الدولة في نفس الفترة. هذا دون اعتبار الإعفاءات الجبائية و تكفل الدولة بالأعباء الاجتماعية و تهيئة المناطق الصناعية و…. هذا مع العلم أن 10% من الشركات (المجموعات الكبرى و الشركات الأجنبية ) استحوذت على 90 % من المنح، أما المؤسسات الصغرى اللي تساهم أكثر في التشغيل و تنتج لتلبية حاجيات التونسيين فلم يبقى لها سوى الفتات. عموما تجاوزت نسبة التحفيز 45 %  أي أن  حوالي نصف ما يحتسب استثمارا خاصا هو في واقع الأمر تمويل من الدولة . و رغم كل هذه الحوافز لم ترتفع نسبة الاستثمار و لم يساهم الخاص بشكل جدي في خلق مواطن شغل و يعود هذا إلى الطبيعة الطفيلية للكمبرادور الرث الذي يجني أرباحه أساسا من المنح و الامتيازات و الإعفاءات الجبائية.  لن يتغير الأمر مع  إحداث هذا الصندوق الجديد، نفس اللوبيات و العائلات النافذة ستستحوذ على الجزء الأكبر و سيتحول هذا الصندوق إلى امتياز إضافي يمنح للكمبرادور الرث علاوة على الامتيازات المضمنة في قانون الاستثمار.            

الإجراء الرابع يتمثل في تمكين المؤسسات من إعادة تقييم العقارات المبنية و الغير مبنية حسب قيمتها الحقيقية في موازناتها. يبدو هذا الإجراء في ظاهره “تقنيا” و لا تأثير له على ميزانية الدولة  إلا انه  في الحقيقة  قد يكون من اخطر الإجراءات التي تم اتخاذها و أكثرها تشجيعا للتهرب الضريبي. لنكشف جوهر هذا الإجراء سنتوخى  قليلا من التبسيط

لنفترض على سبيل المثال أن شركة ما انطلقت في نشاطها سنة 2010 و تمتلك هذه الشركة عقارا بقيمة 100 ألف دينار سنة 2010.  في موازناتها المالية تسجل الشركة ” الاستهلاك السنوي”  (Amortissement)   في خانة الأعباء. لنفترض أيضا أن استهلاك هذا العقار يمتد لمدة 10 سنوات أي أن الشركة تسجل 10 ألاف دينار سنويا كعبء ناجم عن هذا العقار.

في سنة 2020 (أي بعد عشر سنوات) تنتهي المدة الجملية لاستهلاك العقار وهو ما يترتب عنه في موازنات الشركة ما يلي

·         لن تسجل الشركة في موازناتها أي عبء ناجم عن استغلال العقار أي أن ربحها السنوي سيرتفع بـ 10 ألاف دينار (على اعتبار أن عناصر الموازنة الأخرى لا تتغير). و إذا اعتبرنا أن الشركة خاضعة للأداء على أرباح الشركات  بنسبة 35 % فهذا يعني أنها ستدفع أداء  إضافيا بـ  3500 دينار.

·         القيمة المحاسبية الصافية (valeur comptable nette) تعادل قيمة العقار (سنة 2010) تخصم منه مجموع الاستهلاكات السنوية.  في سنة 2020   تصبح هذه القيمة المحاسبية الصافية  100 ألف دينار  تخصم منها 100 ألف دينار(10 ألاف عن كل سنة )  أي صفر.

·         إذا قررت الشركة بيع العقار المذكور فإنها تحقق ربحا استثنائيا يعادل ثمن البيع تخصم منه القيمة المحاسبية الصافية.  إذا كان ثمن البيع مثلا 200 ألف دينار فان الربح الاستثنائي =  200 ألف دينار – 0  = 200 ألف دينار و هو ما ينجر عنه  دفع  أداء على الربح بنفس النسبة العامة (35 % )  أي 70  ألف دينار.

إذا أخذنا الآن بعين الاعتبار الإجراء المتمثل في تمكين الشركة من إعادة تقييم العقار حسب قيمته الحقيقية (كيف يتم تحديدها ؟ من يحددها ؟) و إذا افترضنا أن هذه القيمة تعادل 200 ألف دينار سنة 2020 فان الوضعية ستتغير كما يلي:

·         تصبح القيمة المحاسبية الصافية = 200 ألف دينار – 100 ألف دينار (10 ألاف عن كل سنة) = 100 ألف دينار

·         إذا قررت الشركة التفويت في العقار فان الربح الاستثنائي = ثمن البيع –  القيمة المحاسبية الصافية = 100 ألف د

·         في هذه الحالة ستدفع الشركة أداء يقدر بـ 35000 د ( 35 % من الربح الاستثنائي 100 ألف د) عوضا عن 70 ألف دينار في غياب هذا الإجراء.

صحيح أن المذكرة التفصيلية لهذا الإجراء الصادرة عن وزارة المالية اشترطت عدم التفويت و لكن دون تحديد أي مدة لهذا الشرط.  و لكن حتى في صورة عدم التفويت في العقار فان الشركة المعنية ستحقق إرباحا إضافية متمثلة في التخفيض من الأداء الواجب دفعه. و يمكن تفسير ذلك، اعتمادا على نفس المثال،  كما يلي

·         في غياب الإجراء، تعتبر الشركة في موازناتها قيمة العقار في 2010 أي 100 ألف دينار وهو كما بينا سابقا  يمكنها من تسجيل عبء سنوي بـ 10 ألاف دينار  لمدة عشر سنوات تنتهي سنة 2020. بداية من 2021 لا يمكن لهذه الشركة أن تسجل أي عبء ناجم عن العقار وهو ما يعني أنها ستدفع سنويا أداء إضافيا على الأرباح يعادل 3500 دينار

·         بدخول الإجراء حيز التنفيذ ستصبح قيمة العقار الممكن تسجيلها في الموازنة 200 ألف دينار و هو ما سيمكن الشركة من التمديد في مدة الاستهلاك (amortissement) و تسجيل أعباء سنوية بـ 10 ألاف دينار لمدة عشر سنوات إضافية. في هذه الحالة ستتخلص الشركة من دفع أداء يعادل 3500 دينار عن كل سنة.

للضرورة البيداغوجية،  اعتمدنا لتفسير هذا الإجراء على مثال مبسط و لكن هذا لا يمنع أن نستنتج  أن مثل هذا الإجراء لن يساهم إلا في تضخيم أرباح بعض المؤسسات و تقليص موارد الدولة و هو ليس إلا إعفاءا مقنعا لهذه المؤسسات من أداء الواجب الضريبي. في الحقيقة، هذا الإجراء موجه تحديدا للبنوك و شركات التأمين و الشركات الصناعية الكبرى و الفضاءات التجارية التي تحتكم على عقارات تقدر بمئات أن لم تكن بآلاف المليارات. و للقارئ أن يتخيل حجم الأرباح التي ستراكمها هذه اللوبيات و في المقابل حجم الخسائر التي ستتكبدها ميزانية الدولة.  من ناحية أخرى، لا يمكن تبرير هذا الإجراء بأي شكل من الأشكال، فلا  القيمة الأصلية للعقارات و لا أيضا قيمتها الراهنة لها علاقة بأزمة الكورونا. لذلك فان هذا الإجراء ليس في جوهره إلا توظيفا للازمة في اتجاه تمكين اللوبيات و العائلات النافذة من مراكمة الأرباح على حساب ميزانية الدولة و على حساب الفئات و الجهات المفقرة و المهمشة التي ستتحمل الكلفة في نهاية الأمر.           

الإجراء الأخير يتمثل في السماح للشركات المصدرة كليا بالترفيع في نسبة البيع على السوق الداخلية من 30% إلى 50%. أولا تجدر الإشارة إلى أن الصعوبات التي تعرفها هذه الشركات لا ترتبط بأزمة الكورونا بل باشتداد المنافسة و تراجع الطلب في الأسواق العالمية نتيجة للازمة التي تعرفها المنظومة الرأسمالية منذ سنوات. لذلك فان هذا الإجراء ليس إلا توظيفا  لازمة الكورونا لتمكين هذه الشركات من تصريف فوائضها وهو ما قد يؤثر سلبا على المؤسسات المنتجة للسوق المحلية (الصغرى و المتوسطة) مع العلم أن الشركات المصدرة كليا معفاة من الأداء على الربح وهو  ما يجعلها أكثر قدرة تنافسية. من ناحية أخرى تنقسم الشركات المصدرة كليا إلى نوعين : المقيمة و الغير المقيمة.  هذه الأخيرة بالإضافة إلى أنها ملزمة على إدخال العملة الصعبة الناتجة عن صادراتها فهي تتمنع بمقتضى قانون الاستثمار بحرية تحويل أرباحه إلى الخارج بما في ذلك المحققة في السوق الداخلية. لذلك فان الترفيع في نسبة البيع على السوق الداخلية بالنسبة لهذه الشركات، بالإضافة لانعكاساته السلبية على المؤسسات المحلية فانه يشكل استنزافا للعملة في ظرف استثناء نحتاج فيه إلى تامين توريد المواد الأساسية  الغذائية و الطبية تحديدا.

من خلال استعراضنا لمجمل الإجراءات يبدو جليا انه مقابل الفتات الذي رصد للأجراء و الفئات الهشة و لحماية حياة التونسيين عموما كانت الحكومة  سخية إلى ابعد الحدود مع المؤسسات الكبرى و اللوبيات المتنفذة . لذلك فان “الوحدة الوطنية” و “التضامن الاجتماعي” التي ترفعها الحكومة ليست سوى شعارات زائفة يتخفى ورائها انحيازها التام  لهذه اللوبيات على حساب فئات الشعب المهمشة و المفقرة. من ناحية أخرى و نحن في مواجهة وباء الكورونا فمن المفروض أن الهدف الرئيسي و الذي يجب أن ترصد له كل الاعتمادات هو حماية أرواح التونسيين. صحيح أن هذه الأزمة ستكون لها تأثيرات اقتصادية و ستلحق الضرر ببعض المؤسسات لكن هذه مسألة يمكن إرجاؤها إلى حين الخروج من الأزمة و التصدي للوباء.  إلا أن الحكومة ارتأت غير ذلك و رصدت الجزء الأكبر من الاعتمادات “لحماية المؤسسات” بل مكنت اللوبيات من جملة من الامتيازات لا يمكن تبريرها، كما رأينا، بأزمة وباء الكورونا وهو ما يعني أن هذه الحكومة لم تقم في نهاية الأمر سوى بتوظيف الأزمة لإرضاء جشع الكمبرادور الرث أما حماية أرواح التونسيين فهي مسألة متروكة للقدر. 

ينكشف جوهر الاجراءات الحكومية و انحيازها للوبيات المتنفذة  أكثر إذا ما تطرقنا لمسألة التمويل :  كيف سيتم تمويل الاعتمادات المرصودة (2500 مليون) وهي اعتمادات استثنائية أي غير مبرمجة في ميزانية الدولة ؟

كان من المفروض إحداث ضريبة استثنائية على المؤسسات الكبرى و خاصة البنوك و شركات التأمين و المساحات التجارية الكبرى. هذه المؤسسات التي تحقق أرباحا هائلة رغم الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد منذ سنوات و ذلك نظرا للامتيازات التي تمتعت بها و السياسات و القوانين  الاقتصادية التي كانت في اغلبها موجهة لحماية مصالحها. إلا أن الحكومة اختارت نهج “التسول” و التعويل على “التبرعات” و تحولت العملية إلى مشهد فلكلوري يسعى فيه البعض إلى تلميع صورته بالتبرع بمبلغ كان قد لهف أضعاف أضعافه على حساب ميزانية الدولة. مهما يكن الأمر، الدولة ليست جمعية خيرية و لا يمكن أن تبني برامجها على التبرعات بل على موارد واضحة و ثابتة. و مهما كان حجم هذه التبرعات  فلن تفي بالحاجة و ستطرح ضرورة مسالة تمويل جملة الاجراءات المتخذة. لكن أمام انحياز الحكومة الواضح للوبيات المال و التجارة تبدو الحلول محدودة بين تجميد الأجور أو الاقتطاع منها خاصة و أن البيروقراطية النقابية مهدت لهذا الحل، التفويت في بعض المؤسسات العمومية، الترفيع في الاداءات الغير مباشرة و ما يعنيه ذلك من تدهور للمقدرة الشرائية لعموم التونسيين  او المزيد من التداين الذي بلغ بطبيعته نسبا مخيفة. عموما الإجابة كانت واضحة عند رئيس الحكومة الذي اختتم كلمته بالقول اننا بعد مرور الازمة سنكون أقوى للقيام بكل الاصلاحات الكبرى و ليست هذه الاصلاحات سوى الاملاءات التي تعهد بتنفيذها لدى المؤسسات المالية العالمية.

ختاما، مما لا شك فيه ان هذا الفيروس بالغ الخطورة و لكن المشكل يكمن أساسا في القدرة على المقاومة أي في مدى جاهزية قطاع الصحة العمومية. هذا القطاع الذي يواجه أزمة بهذه الخطورة بنقص فادح في الموارد البشرية و وسائل الوقاية و التجهيزات (400 سيارة إسعاف و 331 سرير إسعاف أي سرير واحد لأكثر من 300 ألف مواطن ). في كلمته أشار رئيس الحكومة بكل وضوح إلى ضعف قطاع الصحة العمومية و ضعف قدرته على المجابهة إلا انه تناسى ان هذا الضعف ليس إلا نتيجة للسياسات التي دمرت المرفق العمومي برمته و ليس قطاع الصحة فحسب. هذه السياسات التي تمنح الامتيازات بسخاء للكمبرادور الرث و يكفي هنا ان نذكر فقط ان المستثمر الخاص في قطاع الصحة يتحصل بمقتضى قانون الاستثمار على منحة قد تصل إلى 30 % من كل الاستثمار في الوقت الذي تتحجج فيه الحكومة بقلة الموارد كلما تعلق الأمر بتجهزيز المستشفيات العمومية . لذلك فان المعركة ضد وباء الكورونا هي في نفس الوقت معركة ضد الخيارات المعادية للشعب ،  ضد الكمبرادور الرث و كل المدافعين عن مصالحه.

مصطفى الجويلي عضو المكتب السياسي لحزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد و الخبير الاقتصادي: ” حكومة الفخفاخ…حكومة الخط الثوري