حزبي الشيوعي الحبيب

بقلم حسين مروة

كلمة ألقاها حسين مروة في2 كانون الثاني 1972 بمناسبة المؤتمر الثالث للحزب الشيوعي اللبناني

منذ عشرين عامًا اخترت أن أكون شيوعيًا في صفوفك… 
عمري عشرون عامًا… ولكن ولدت في الزمن عام 1910، ويقول البعض أنني ولدت قبل هذا التاريخ…
الفرق كبير بين عمري أنا، وعمر الزمن الذي إحتواني حتى الآن! الفرق أكثر من أربعين عامًأ.
نرى، هل أصدق ذلك الهاجس “الغريب” الذي يقول لي الآن: 
– أكثر من أربعين عامًا هدرتها من حياتك هدرًا، يا رجل!…
لا، لن أصدقه، هذا الهاجس “الغريب”… وهو غريب فعلاً عن قيامنا الشيوعية… 
لن أصدقه… لأنني شيوعي، أي لأن عمري الذي حييته شيوعيًا قد إمتد طولاً وعرضًا وعمقًا… إمتد في الماضي والحاضر معًا، وأمتد إلى المستقبل: المستقبل كله، القريب القريب والبعيد البعيد إلى غير النهاية… إمتد إلى أربعين عامًا التي سافرت مني في جدب الصحراء، فإذا بها قد عادت لي دون “اغتراب”… فلم تبقى في الجدب الوحش كما كانت قبل أن أكون شيوعيًا… فلم يهدر من حياتي، إذًا، ولا قطرة واحدة…
وصار عمري واحدًا لا يتجزأ، منذ ولدت في زمن عام 1910 حتى هذا الصباح المهيب، صباح مؤتمرك الثالث، يا حزبي الشيوعي الحبيب… كل لحظة من الزمن عبرت بي نهر الحياة حتى هذه اللحظات السعيدة من صباح المؤتمر الثالث – كلها قد أمطرتها حياتي الشيوعية سحابًا أخضر، سخيًّا، بهيًّا كقوس قزح، فإذا بها كلها لحظة واحدة تأبي الانقسام، لحظة واحدة متنوعة الألوان والوجوه والسمات… 
***
حزبيّ العزيز
قلت: منذ عشرين عامًا اخترت أن أكون شيوعيًا… ولكن، قبلها كان “آخرون” قد “اختاروا” لي، تطوعًا منهم، هذا الاسم العظيم… 
شكرًا لأولئك “الآخرين” على كل حال… شكرًا لهم مرتين: 
– مرة، لأنهم أحسنوا لي “الاختيار”… ولأنهم “حدسوا” لي حدسًا نبويًا أنني سأختار أنا لنفسي، باقتناع العقلي، وجداني، وطبقي… 
سأختار أنا لنفسي، بعيدًا تحرصاتهم الحمقاء… يا لحدسهم العبقريّ! 
أفهل كانوا يشهدون الغيب، فيرون أنني لن أختار، ذات حين، أنبل ولا أشرف من إسم “شيوعي”؟…
– ومرّةً ثانية، أشكرهم لأهم وصلوا – من حيث لا يقصدون – بين براءتي النقية قبل أن أكون شيوعيًا، وبين شيوعيتي الأكثر نقاء حين صرت شيوعيًا… وصلوا بينهما هذه المرة لا بالحدث الغيب، بل الحس الطبقي الذي لا يخدع – في الغالب – أهله… لقد أدركوا – بهذا الحس النفّاذ – أنني حين كنت أرفض طريقة تفكيرهم ومنهج سلوكهم ونظام علاقاتهم وتقاليد هذا النظام وهذه العلاقات، كنت أرفض لا عن فوضوية ولا عن نزعة فردية ذاتية، ولا عن رغبة في الرفض للرفض ذاته وحسب… أدركوا هذا، فلم يروا غير منهج الشيوعية منهجًا نيّرًا يهتدي به مثل هذا الرفض النقيّ الثوريّ الذي عرفوه بي حين ذلك، “فاختاروا لي، مشكورين، أسمي “الشيوعي” قبل أن يكون لي شرف الانتساب إلى هذا الاسم العظيم… 
***
حزبي الشيوعي الحبيب.
نحن، هذه اللحظة، في صباح مؤتمرك الثالث… قلوبنا ليست في صدورنا… إنها هنا وهناك تحوم في كل مكان يكون فيه المؤتمر حركة وظلال وأضواء وأنفاس حارة وأقلام تكتب وعقول تفكر وسواعد تدير وتنظم، وصفوف تطلع من قريب ومن بعيد… صفوف تسال وكأنها تجيب، تنتظر وكأنها تحتضن كل الذي تنتظره… هذه الصفوف تعرفك فتعرف أن مؤتمرًا نعقده في هذه الأيام بعد مؤتمرك الثاني التاريخي، وبعد دورة زمنية شهدت فيها وجودك ملء حياة الوطن وملء حياة الشعب، لا بد أن يكون هذه المرة مؤتمرًا من طراز جديد بكر في وطننا اللبناني، مؤتمرًا لا يقدم الوعود بوصفها وعدًا، بل يقدمها منهج عمل وطريق نضال لتحقيق هذه الوعود، ويقدم من كل وعد منها فكرًا يحلل، ورؤية علمية تنفذ إلى جوهر الأشياء عبر الظاهرات، وتاريخًا ينضح بعبق العرق والدم والاستشهاد في ميادين الكفاح الصامد الصابر، طوال نحو نصف قرن من الزمن.
قلوبنا الآن، يا حزبي العزيز، مهرجانات تتوزع فرحًا على كل شبرٍ من أرض الوطن عاش مع ترابه رفيق من رفاقنا المناضلين الأوفياء، أو عانق ترابه شهيد من شهداءنا الأبطال… 
***
حزبي العزيز.
كم أشتهي ان أهديك، في يوم مؤتمرك الثالث، شيئًا عزيزًا يكون أعز شيء في دنياي…
نحن الناس نقول ان الحياة وحدها هي هذا الشيء الأعز… وهنا صحيح، ولكن كيف أهديك هذا “الشيء” الأعز وأكون وليس ملكًا لي…
منذ اخترت أن أكون شيوعيًا، اخترت – بملء إرادتي واقتناعي فكريا ووجدانيًا وطبقيًا – أن تكون أنت الذي تملك حياتي… منذ اللحظة الأولى لهذا الاختيار وهذا الاقتناع نزلت عن حقيّ الفردي بملكية هذه الحياة، حياتي، نهائيًا… ولو أني لم أفعل ذلك، لما بقيّ يستحق أن يكون الأعز، بل لأصبح أتفه الأشياء وأحقر الأشياء…
لو لم أفعل ذلك لكنت احيي الآن لأعيش، لارتزق، وكفى!… لو لم أفعل ذلك لكانت حياتي الآن خشبة منخورة نخرها سوس الخوف والجبن والقلق واليأس والتمزق الروحي والاغتراب…
أهديتك حياتي منذ ذاك… ومن يومها صارت – بالفعل – هي “الشيء” الأعز، الأكرم، والاشرف… فهل، يمكن أن أهديها مرتين؟
دعني – يا حزبي العزيز – أجيب أنا عن هذا السؤال… يهمني جدًا أن أجيب: 
أقول: نعم،يمكن أن أهديك حياتي ذاتها لا مرتين وحسب، بل ألف مرة، بل كل يوم مرة وأكثر…
– كيف يمكن ذلك؟ 
المسالة واضحة عندي وبسيطة بقدر وضوح هذه الكلمات وبساطتها… المسألة هي حياتي لأني وهبتك إياها، طواعية واختيارا واقتناعا، قد عادت لي حياة جديدة لها معنى جديد… لقد وضعتها بيدك، فوجدتها قد تحولت في يدك حياة زاخرة بشرف معناك وروعته ونبالته وشهامته… معناك في مقولات الفكر والعلم ومفهومات العالم والحياة والمجتمع… معناك في القضية الإيديولوجية الطبقية وامتدادها الإنساني وإبعادها الوطنية الأممية مجتمعة متكاملة… معنى الكفاحية الثورية فيك، ومعنى الحرية في مفهومك الثوري… 
من هنا أقول لك، يا حزبي العزيز، ببساطة ووضح أيضًا: بقدر ما أشعر أن حياتي هي فعلا ملك لك، أشعر أن لي منها بالقدر نفسه حياة أغنى من كل غنى، وأشرف كل شرف، وأنبل من كل نبالة… ومن هنا أراني كلما شعرت أنك أكثر امتلاكًا لها شعرا أنني أنا أكثر امتلاكا لها واعتزازا بها…
وهكذا… كلما كانت حياتي لك، كانت لي كذلك بالمستوى ذاته… وهكذا إذن، أستطيع أن أهديك حياتي لا مرتين وحسب، بل ألف مرة، بل كل يوم مرة وأكثر… وهي اليوم، يوم مؤتمرك الثالث، أجدر بأن تكون هدية متواضعة لك من جديد على اسم المؤتمر العظيم… هي اليوم جديرة بهذا الشرف لان أيام المؤتمر كلها قد أغنتها بالحيوية والعافية، بالحب والفرح، بالأمل والتفاؤل، بالرؤية الاجتماعية والسياسة والفكرية الأكثر وضوحًا والأعمق ثورية والازخر طاقةً للكفاح في كل ميدان ينادينا نحن الشيوعيين للكفاح…
حزبي العزيز.
هذه هديتي على اسم مؤتمرنا، وأنك لتقبلها، لأنها منك واليك… وسلمت، والى النصر بعد النصر دائمًا تحت رايتنا ال الظافرة: راية الماركسية- اللينينية، راية الأممية البروليتارية.