
راي/15-10-2026
ليس ما يجري في أوروبا هذا الخريف مجرد سلسلة من الاحتجاجات المتفرقة التي يمكن اختزالها في غضب عابر من حكومة هنا أو قرار اقتصادي هناك.
وراء الشوارع التي تتحرك، والمدارس التي تحتج، والنقابات التي تعبّئ، يتشكل شيء أعمق: عودة التناقضات الاجتماعية إلى الواجهة بعد سنوات حاولت خلالها الطبقات الحاكمة الأوروبية إخفاء أزمة نموذجها الاقتصادي والاجتماعي خلف خطاب الاستقرار، والديمقراطية، والقدرة الأوروبية على تجاوز الأزمات.
من فرنسا إلى إسبانيا، ومن قطاعات الشباب والتلاميذ إلى العمال والموظفين، يتقدم سؤال اجتماعي بسيط في ظاهره لكنه شديد العمق سياسياً: من سيدفع ثمن الأزمة؟.?
في فرنسا، لا يمكن النظر إلى احتجاجات التلاميذ والشباب باعتبارها مجرد رد فعل على إجراءات محددة. فالشباب الذي يدخل الشارع اليوم يواجه مستقبلاً مختلفاً جذرياً عن ذلك الذي وعدت به أوروبا في العقود السابقة: سوق عمل أكثر هشاشة، سكن أكثر كلفة، خدمات عمومية تتآكل، تعليم يعاني من نقص الموارد، وشعور متزايد بأن المستقبل الذي يُطلب منهم الاستعداد له سيكون أقل أمناً وأقل عدلاً من ماضي آبائهم..
وفي إسبانيا، تتقاطع الاحتجاجات الاجتماعية مع أزمة السكن وارتفاع كلفة الحياة وتدهور القدرة الشرائية. لم يعد الحصول على مسكن لائق، بالنسبة إلى قطاعات واسعة من الشباب والأجراء، مسألة مرتبطة فقط بالدخل الفردي، بل أصبح سؤالاً طبقياً بامتياز. فالمدينة الأوروبية التي تحولت فيها الأرض والسكن إلى مجال واسع للمضاربة والاستثمار لا يمكنها في الوقت نفسه أن تواصل الحديث عن “الاندماج الاجتماعي”وكأن شيئاً لم يتغير.
وهنا تكمن المسألة الأساسية: أوروبا لا تعاني فقط من أزمة حكومات، بل من أزمة نموذج..
فالنموذج الاجتماعي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، رغم حدوده الطبقية والاستعمارية، كان يقوم على تسوية تاريخية معينة: نمو اقتصادي مرتفع، خدمات عمومية واسعة، حقوق اجتماعية، أجور قادرة نسبياً على تأمين مستوى من الاستقرار، ونقابات تمتلك قدرة فعلية على انتزاع المكاسب. أما اليوم فقد أخذت هذه التسوية تتآكل منذ عقود تحت ضغط سياسات الخصخصة، والليبرالية الجديدة، وتحرير الأسواق، وتراجع الضرائب على رأس المال، وإضعاف العمل النقابي، وتحويل قطاعات واسعة من الخدمات الأساسية إلى مجالات للربح.
ثم جاءت الأزمات المتلاحقة لتكشف هشاشة البناء: الأزمة المالية، جائحة كورونا، أزمة الطاقة، التضخم، الحرب في أوكرانيا، وأخيراً موجة إعادة التسلح الأوروبية التي يجري تقديمها باعتبارها ضرورة أمنية مطلقة.
. لكن السؤال الذي لا تريد المؤسسات الأوروبية طرحه هو: من سيدفع ثمن هذه الحرب وهذه الأسلحة وهذه الاستعدادات العسكرية؟
حين تخصص الحكومات مليارات إضافية للتسلح، فإن المال لا يأتي من فراغ. وحين تُطلب من الشعوب “التضحيات” فإن التضحيات لا تتوزع بالتساوي. هناك دائماً من يملك ومن يربح ومن يستطيع نقل أمواله واستثماراته، وهناك من يدفع من أجره، ومن سكنه، ومن خدماته العمومية، ومن مستقبله. لذلك فإن الصراع الاجتماعي الأوروبي لا يمكن فصله عن الخيارات السياسية والاقتصادية التي تتخذها الطبقات الحاكمة الأوروبية في مواجهة أزمة الرأسمالية العالمية. أوروبا تريد أن تعيد بناء قوتها العسكرية، وأن تنافس الولايات المتحدة والصين، وأن تحمي مصالحها الاقتصادية في العالم، وأن تحافظ على موقعها داخل النظام الإمبريالي العالمي؛ لكنها تريد في الوقت نفسه أن تجعل الطبقات الشعبية تتحمل الجزء الأكبر من كلفة هذا المشروع. وهنا يعود الشارع.
عودة الشارع ,او الازمة الاجتماعية لا تنتج بالضرورة وآلياً وعياً طبقياً أو مشروعاً تقدمياً. فهي ومن الممكن ان تمكن اليمين من استثمار الغضب الاجتماعي، كما يمكن ان تمكن الشعبوية اليمينية من تحويل التناقضات الطبقية إلى صراع بين السكان الاوروبيين والمهاجرين، أو بين الشعب والنخب، بينما تترك الملكية والثروة ومصالح رأس المال خارج دائرة السؤال. وهذا هو التحدي الحقيقي أمام القوى التقدمية في اوروبا: هل يترك الغضب الاجتماعي نهباً لليمين ولليمين المتطرف، أم تستطيع أن تمنحه مضموناً طبقياً وسياسياً واضحاً؟ فالمشكلة ليست في المهاجر الذي يبحث عن حياة أفضل، وليست في العامل الأجنبي الذي ينافس العامل المحلي على وظيفة، وليست في التلميذ الذي يرفض مستقبلاً بلا أفق. المشكلة في نظام اقتصادي يجعل العمال والشباب والمهاجرين يتنافسون فيما بينهم على حصة متناقصة من الثروة، بينما تتراكم الثروة في القمة.
ومن هنا فإن مواجهة اليمين لا تمر فقط عبر الخطاب الأخلاقي أو الدفاع المجرد عن الديمقراطية. إنها تمر قبل كل شيء باستعادة مضمون اجتماعي للصراع السياسي: الدفاع عن الأجور، والسكن، والتعليم والصحة العمومية، والحقوق النقابية، وتقليص ساعات العمل، وفرض الضرائب على الثروة ورأس المال، ورفض تحويل الميزانيات الاجتماعية إلى خزائن مفتوحة لصناعة السلاح.
إن “خريف أوروبا” قد يكون بداية موسم طويل من الصراع الاجتماعي، لكنه لن يصبح تحولاً تاريخياً إلا إذا تمكنت القوى العمالية والشعبية من تحويل الاحتجاج من رد فعل إلى قوة سياسية، ومن الغضب إلى برنامج، ومن الشارع إلى مشروع بديل.
وهنا بالذات تكمن أهمية ما يجري. فالأزمة الأوروبية لا تعني فقط أن حكومات تواجه احتجاجات. إنها تعني أن التسوية الاجتماعية التي حكمت أوروبا لعقود أصبحت عاجزة عن إعادة إنتاج نفسها. وحين يعجز النظام عن تقديم المستقبل، يبدأ الناس في البحث عنه بأنفسهم. التلاميذ الذين ينزلون إلى الشوارع، والشباب الذين يرفضون تحويل حياتهم إلى انتظار دائم، والعمال الذين يقاومون تراجع أجورهم وحقوقهم، وسكان المدن الذين يرفضون أن تتحول مساكنهم إلى سلعة للمضاربة، كل هؤلاء لا يقدمون بالضرورة، حتى الآن، جواباً سياسياً موحداً. لكنهم يطرحون السؤال الذي حاولت أوروبا الرسمية طويلاً تأجيله: أي أوروبا نريد؟ أوروبا رأس المال والحرب والتقشف، أم أوروبا الشعوب والعمل والعدالة الاجتماعية؟ إنه ليس سؤالاً أوروبياً داخلياً فقط. فأوروبا التي تطلب من شعوبها دفع ثمن إعادة التسلح والحرب هي نفسها أوروبا التي تمارس سياسات اقتصادية وتجارية وإمبريالية تجاه شعوب العالم. ولذلك فإن الصراع من أجل العدالة الاجتماعية داخل أوروبا لا ينفصل عن الصراع ضد الإمبريالية وخياراتها في العالم..
قد يكون هذا الخريف مجرد بداية. لكن التاريخ يعلمنا أن الأنظمة لا تبدأ في السقوط عندما يعلن أحد سقوطها، بل عندما يفقد الناس استعدادهم لقبول الطريقة التي يُدار بها حاضرهم ومستقبلهم.
خريف أوروبا قد يكون، بهذا المعنى، بداية عودة السؤال الطبقي إلى الشارع..
اكتشاف المزيد من WWW.Eddarb.COM
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
