إيران وحدود الهيمنة الأمريكية: من مفاوضات إسلام آباد إلى مرحلة الحرب المؤجّلة

راي/ 08-05-2026

فشل مفاوضات إسلام آباد بين الولايات المتحدة وإيران لا يمكن فهمه باعتباره تعثّرًا دبلوماسيًا عابرًا أو خلافًا تقنيًا حول تفاصيل البرنامج النووي الإيراني، بل هو تعبير مباشر عن مأزق استراتيجي عميق تعيشه المنظومة الإمبريالية الغربية في مواجهة قوة إقليمية صاعدة نجحت خلال السنوات الأخيرة في فرض نفسها لاعبًا مقرِّرًا في توازنات الشرق الأوسط، وفاعلًا لا يمكن احتواؤه بسهولة داخل منظومة الهيمنة الأمريكية.

لقد جاءت هذه المفاوضات بعد حرب الأربعين يومًا التي شكّلت لحظة مفصلية في إعادة تشكيل ميزان الردع في المنطقة. فالحرب التي كان يُفترض أن تنتهي بضربة ردعية قاصمة لإيران انتهت عمليًا إلى تثبيت معادلة جديدة: لا تستطيع الولايات المتحدة وحلفاؤها فرض شروطهم بالقوة، ولا تستطيع إيران بدورها الانتقال إلى مرحلة الحسم الاستراتيجي الشامل. وهكذا تحولت المفاوضات إلى محاولة لإدارة نتائج الحرب، لا لتسويتها.

المشكلة الأساسية التي واجهت مفاوضات إسلام آباد أنّها لم تكن مفاوضات بين طرفين متكافئين يسعيان إلى تسوية، بل كانت مفاوضات بين مشروعين متناقضين: مشروع أمريكي يريد إعادة فرض الانضباط الجيوسياسي في المنطقة، ومشروع إيراني يسعى إلى إعادة التفاوض القسري حول موقعه داخل النظام الإقليمي. فطهران لم تتحرك خلال العقود الأخيرة باعتبارها قوة ثورية أممية تعمل على تفكيك النظام العالمي القائم، بل باعتبارها دولة إقليمية كبيرة تحاول الانتقال من موقع الدولة المحاصَرة إلى موقع الدولة التي تفرض الاعتراف بها شريكًا إجباريًا في إدارة التوازنات الإقليمية. والمقصود هنا بالشراكة الإجبارية ليس التحالف مع الولايات المتحدة أو الاندماج في منظومتها الاستراتيجية، بل فرض معادلة جديدة في الشرق الأوسط مفادها أن استقرار الإقليم لم يعد ممكنًا دون أخذ المصالح الإيرانية بعين الاعتبار. وقد تبلورت هذه الاستراتيجية تدريجيًا منذ نهاية الحرب العراقية-الإيرانية، ثم تسارعت بعد احتلال العراق سنة 2003، حين أدركت طهران أن انهيار أحد أعمدة التوازن الإقليمي القديم فتح المجال أمام إعادة تشكيل موقعها الجيوسياسي. ومنذ ذلك الحين عملت إيران على بناء منظومة ردع إقليمية غير تقليدية تقوم على شبكة من التحالفات والقوى الحليفة الممتدة من العراق إلى لبنان وسوريا واليمن، لا بهدف بناء إمبراطورية إقليمية بالمعنى الكلاسيكي، بل بهدف منع عزلها استراتيجيًا ورفع كلفة استبعادها من معادلات الأمن الإقليمي. ولذلك لم يكن البرنامج النووي الإيراني هدفًا تقنيًا معزولًا عن سياقه السياسي، بل جزءًا من إستراتيجية أوسع تهدف إلى فرض الاعتراف الدولي بإيران قوةً لا يمكن احتواؤها بسهولة ولا تجاوزها في إعادة رسم خرائط التوازن في الشرق الأوسط.

ومن جهة أخرى، لا تنظر الولايات المتحدة إلى المشروع الإيراني باعتباره مجرد سياسة نفوذ إقليمي تقليدية يمكن احتواؤها ضمن قواعد التنافس المعتادة بين الدول، بل تعتبره تهديدًا بنيويًا للنظام الإقليمي الذي أسسته منذ نهاية الحرب الباردة. فالنظام الأمني الذي أعادت واشنطن بناءه في الشرق الأوسط بعد انهيار الاتحاد السوفييتي قام أساسًا على ثلاث ركائز مترابطة: تفوق الكيان الصهيوني عسكريًا، واحتكار الولايات المتحدة إدارة توازنات الخليج، وربط أمن الطاقة العالمي بمنظومة التحالفات الأمريكية. وقد مثّل صعود إيران بعد احتلال العراق سنة 2003، ثم تعاظم حضورها الإقليمي في لبنان وسوريا واليمن، اختراقًا تدريجيًا لهذه المعادلة، ليس فقط لأنه وسّع هامش الحركة الإيرانية داخل المجال العربي، بل لأنه فتح الباب أمام احتمال تشكّل توازنات إقليمية لا تكون الولايات المتحدة مركزها الوحيد. ومن هذا المنظور تحديدًا، تبدو “الشراكة الإجبارية” التي تسعى إيران إلى فرضها أقرب في نظر واشنطن إلى مشروع تقويض غير مباشر لمنظومة الهيمنة الإقليمية، لأنها تعني عمليًا الانتقال من نظام إقليمي قائم على التفوق الأحادي إلى نظام توازنات تفاوضية مركّبة تُفرض فيه على الولايات المتحدة حدود جديدة لقدرتها على التحكم في المجال الجيوسياسي للشرق الأوسط.

هذا التناقض البنيوي جعل من المفاوضات أقرب إلى مفاوضات اختبار نوايا متبادلة منها إلى مفاوضات تسوية فعلية، كما أن تجربة الاتفاق النووي لسنة 2015 لا تزال حاضرة بقوة في الوعي الاستراتيجي الإيراني. فالانسحاب الأمريكي من ذلك الاتفاق لم يكن مجرد خطوة سياسية عابرة، بل مثّل دليلًا عمليًا على أن أي اتفاق مع واشنطن يمكن أن يتحول إلى ورقة ضغط جديدة بدل أن يكون ضمانة استقرار. ولهذا السبب تعاملت طهران مع مفاوضات إسلام آباد بوصفها اختبارًا لإمكانية فرض قواعد تفاوض جديدة، لا بوصفها طريقًا سريعًا نحو تسوية نهائية.

فشل هذه المفاوضات لا يعني بالضرورة العودة الفورية إلى الحرب الشاملة، لكنه يعني الدخول في مرحلة أخطر: مرحلة الحرب المؤجّلة المفتوحة.

هذه المرحلة تتميّز بكونها حالة انتقالية بين الحرب والتسوية، حيث لا يستطيع أي طرف فرض الحسم، ولا يستطيع أي طرف القبول بالوضع القائم. وهي صيغة أصبحت تعكس طبيعة الصراع في النظام الدولي خلال مرحلة تراجع الهيمنة الأحادية الأمريكية وبداية تشكّل توازنات دولية جديدة أكثر تعقيدًا.

فالولايات المتحدة تدرك أن الحرب الشاملة مع إيران لن تكون حربًا محدودة يمكن التحكم في نتائجها. إغلاق مضيق هرمز وحده كفيل بإحداث صدمة طاقية عالمية، كما أن امتداد الحرب إلى جبهات لبنان والعراق واليمن والخليج سيحوّلها فورًا إلى حرب إقليمية واسعة قد تتجاوز السيطرة الأمريكية نفسها. ولهذا السبب تميل واشنطن إلى إدارة التصعيد بدل الذهاب إلى الحسم.

وفي المقابل، تدرك إيران أن تحويل الصمود العسكري إلى مكاسب استراتيجية يتطلب وقتًا، وأن تثبيت نتائج المواجهة الأخيرة أهم في هذه المرحلة من توسيعها. ولذلك تبدو طهران بدورها معنية بإدارة الصراع أكثر من اندفاعها نحو حرب شاملة جديدة.

غير أن أخطر ما كشفه فشل مفاوضات إسلام آباد هو أن الصراع بين الطرفين لم يعد يدور حول البرنامج النووي فقط، بل أصبح صراعًا حول مستقبل التوازنات الإقليمية نفسها، بل وحول موقع الشرق الأوسط داخل النظام الدولي القادم. فالشرق الأوسط لم يعد مجرد مجال نفوذ أمريكي كما كان طوال العقود الماضية، بل أصبح ساحة اختبار لقدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على موقعها القيادي في النظام الدولي. ولذلك فإن المواجهة مع إيران تتجاوز بعدها الإقليمي لتتحول إلى جزء من صراع أوسع حول شكل النظام العالمي المقبل وحدود القوة الإمبريالية في طور أزمتها البنيوية الحالية.

من هذه الزاوية تحديدًا يمكن فهم فشل مفاوضات إسلام آباد باعتباره لحظة انتقال من مرحلة إدارة الحرب إلى مرحلة إدارة الصراع الطويل. وهي مرحلة ستتميّز بتصعيد متدرّج، وضغوط اقتصادية متواصلة، وضربات محدودة، وتفاوض متقطع، دون الوصول إلى حرب شاملة أو تسوية نهائية في المدى المنظور.

إنها باختصار مرحلة الحرب المؤجّلة: حرب لم تقع بعد، لكنها لم تعد قابلة للإلغاء.


اكتشاف المزيد من WWW.Eddarb.COM

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليقاً