
في اليوم الثالث والثلاثين من حرب العدوان الصهيو- أمريكي على إيران، اطل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ليعلن في جكاب متلفز للشعب الأمريكي وللعالم أن الولايات المتحدة تستعد لتوجيه ضربات “بقوة شديدة” إلى ايران خلال الأسبوعين إلى الثلاثة أسابيع المقبلة.
لم يكن هذا التصريح مجرد تهديد عسكري جديد في سياق حرب مفتوحة، بل كان اعترافًا سياسيًا كثيف الدلالات بأن الحرب التي رُسم لها أن تكون ضربة خاطفة تحولت إلى مواجهة استنزاف، وأن مشروع الحسم السريع قد تعثّر أمام صمود دولة مستهدفة منذ عقود بالعقوبات والحصار والاغتيالات والحروب غير المباشرة.
منذ اللحظة الأولى للعدوان، حاولت واشنطن ومعها الكيان الصهيوني تقديم الحرب باعتبارها عملية محدودة تستهدف البرنامج النووي الايراني، أي عملية جراحية دقيقة تُنهي التهديد دون الانزلاق إلى حرب واسعة. لكن مرور أكثر من شهر على المواجهة دون حسم استراتيجي واضح في بنية الدولة الإيرانية، كشف أن ما يجري ليس مجرد حملة ردع، بل اختبار إرادات على مستوى النظام الدولي نفسه. وعندما تعلن القوة الإمبريالية الأولى في العالم أنها تحتاج إلى “أسبوعين أو ثلاثة أسابيع إضافية من الضربات الشديدة”، فإن ذلك لا يعني اقتراب الحسم بقدر ما يعني تعقّد الحرب واتساعها.
في الحروب الإمبريالية الحديثة، لا تُعلن المهل الزمنية عادةً إلا عندما تصبح القيادة السياسية مضطرة إلى طمأنة الداخل قبل الخارج. لذلك فإن خطاب ترامب موجّه”
– أولًا إلى المجتمع الأمريكي الذي بدأ يدفع ثمن الحرب اقتصاديًا وسياسيًا.
– ثانيًا إلى الحلفاء القلقين من تحوّل الحرب إلى صراع إقليمي مفتوح.
– ثالثًا إلى الخصوم الدوليين الذين يراقبون قدرة واشنطن على فرض إرادتها بالقوة في لحظة تشهد فيها الهيمنة الأمريكية تآكلًا متسارعًا.
الأخطر في التصريح ليس التهديد نفسه، بل ما يكشفه من انتقال محتمل في طبيعة الحرب. فالحديث عن ضربات “بقوة شديدة” خلال أسابيع يعني عمليًا توسيع بنك الأهداف من المنشآت العسكرية إلى البنية التحتية الإستراتيجية، أي الانتقال من منطق تحييد القدرات إلى منطق كسر الدولة. وهذا التحول، إذا حدث، لن يكون مجرد تصعيد عسكري تقني، بل خطوة نحو حرب شاملة ضد المجتمع الإيراني، بما يفتح الباب أمام ردود إقليمية متدحرجة قد تشمل مضائق الطاقة ومراكز التموضع العسكري الأمريكي في المنطقة بأسرها.
لكن التصريح يكشف أيضًا مأزقًا أعمق من الحسابات العسكرية المباشرة. فالحرب على إيران ليست مجرد مواجهة مع دولة إقليمية صاعدة، بل هي جزء من محاولة أمريكية-صهيونية لإعادة ضبط ميزان القوى في الشرق الأوسط بعد أن فشل مشروع الهيمنة عبر الحروب بالوكالة والعقوبات والضغوطات السياسية في كسر محور المقاومة أو إعادة تشكيل المنطقة وفق شروط واشنطن. لذلك فإن التصعيد الجاري اليوم يعكس أزمة إستراتيجية داخل المشروع الإمبريالي نفسه، لا مجرد خلاف جيوسياسي عابر.
في هذا السياق، يصبح التناقض الظاهر في خطاب ترامب – بين الحديث عن اقتراب تحقيق الأهداف وبين التهديد بتصعيد الضربات – تعبيرًا عن أزمة قرار داخل القيادة الإمبريالية: فهي لا تستطيع التراجع دون خسارة الهيبة، ولا تستطيع التصعيد دون مخاطر الانزلاق إلى حرب إقليمية كبرى. وهذا هو المأزق الكلاسيكي للقوى الإمبريالية عندما تفشل الضربة الأولى في فرض الاستسلام.
كما يكشف توقيت التصريح أن الحرب تجاوزت إطارها الأصلي كعملية “ردع نووي” لتتحول إلى معركة لإعادة فرض الهيمنة الأمريكية في لحظة تتسارع فيها التحولات داخل النظام الدولي، حيث لم تعد واشنطن قادرة على إدارة الصراعات الكبرى بنفس السهولة التي كانت تفعلها في العقود السابقة. لذلك فإن التهديد بتوسيع الضربات خلال أسابيع ليس إعلان ثقة بقدر ما هو محاولة استعادة زمام المبادرة في حرب أخذت تتجه تدريجيًا نحو منطق الاستنزاف الاستراتيجي.
وإذا كان الهدف المعلن هو إخضاع إيران، فإن الهدف غير المعلن هو توجيه رسالة إلى العالم كله مفادها أن الولايات المتحدة ما تزال قادرة على استخدام القوة العسكرية كأداة مركزية في إدارة النظام الدولي. لكن المفارقة أن كل يوم إضافي من صمود إيران يضعف هذه الرسالة بدل أن يعززها، ويحوّل الحرب تدريجيًا من استعراض قوة إلى اختبار للقوة.
لهذا السبب بالذات، فإن إعلان مهلة “الأسبوعين إلى الثلاثة أسابيع” لا يمكن قراءته كجدول عمليات عسكري بقدر ما يجب فهمه باعتباره مؤشرًا على دخول الحرب مرحلة سياسية حاسمة. إما تصعيد واسع لمحاولة فرض الاستسلام بالقوة، أو استخدام التهديد بالتدمير الشامل كأداة ضغط لفرض تسوية بشروط أمريكية-صهيونية. وفي الحالتين معًا، يكشف التصريح أن الحرب لم تعد مجرد مواجهة عسكرية محدودة، بل أصبحت لحظة فاصلة في الصراع على شكل النظام الإقليمي ومستقبل الهيمنة الإمبريالية في الشرق الأوسط.
اكتشاف المزيد من WWW.Eddarb.COM
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
