
راي/ برهان 22-03-2026
لا يمكن فهم العدوان المتواصل على إيران، بعد 3 أسابيع من اندلاعه، في إطار قراءة جيوسياسية تقنية ضيقة تختزله في صراع نفوذ إقليمي أو تنافس تقليدي بين دول. ما يجري هو لحظة مكثفة من صراع أعمق يرتبط بالبنية التاريخية للنظام الرأسمالي العالمي نفسه، وبحاجته إلى إعادة إنتاج شروط الهيمنة كلما دخل طورًا جديدًا من أزماته البنيوية. فالإمبريالية هنا لا تظهر بوصفها مجرد سياسة خارجية لدولة كبرى، بل باعتبارها طورًا من تطور الرأسمالية العالمية تتداخل فيه مصالح رأس المال مع الدولة، وتتحول فيه القوة العسكرية إلى أداة مباشرة لضبط تدفق الموارد والأسواق وإعادة ترتيب موازين السيطرة على المجال العالمي.
وفي هذا الإطار، لا يمكن قراءة الدور الصهيوني باعتباره مجرد مشروع قومي استيطاني منفصل عن هذه البنية، بل باعتباره وظيفة عضوية داخل منظومة الهيمنة الإمبريالية في المنطقة. فالكيان الصهيوني لا يؤدي دور حليف عابر للولايات المتحدة بقدر ما يشكل قاعدة متقدمة لإدارة التوازنات الإقليمية بما يضمن استمرار اختلال ميزان القوة لصالح الرأسمالية العالمية، ويحمي مسارات الطاقة، ويؤمّن قدرة التدخل الدائم منخفض الكلفة مقارنة بالحروب المباشرة واسعة النطاق. لذلك فإن التحالف الأمريكي الصهيوني لا يعبّر عن تقاطع مصالح ظرفي، بل عن وحدة بنيوية داخل منظومة واحدة تعيد إنتاج السيطرة بأدوات متعددة، عسكرية وأمنية واقتصادية وإيديولوجية.
في هذا السياق، يصبح اللجوء إلى الحرب أحد الآليات الكلاسيكية التي تعتمدها الرأسمالية في مواجهة أزماتها الدورية. فالحرب لا تُستخدم فقط لحسم صراع سياسي مباشر، بل لإعادة توزيع النفوذ، وتدمير قوى إنتاج قائمة، وفتح مجالات جديدة للتراكم، وإعادة ضبط مناطق استراتيجية تشكل مفاصل أساسية في الاقتصاد العالمي. ومن هذه الزاوية يندرج العدوان على إيران ضمن محاولة لإعادة ترتيب المجال الإقليمي المحيط بأحد أهم مراكز الطاقة في العالم، ومنع تشكل أي قدرة مستقلة على التحكم في موارده أو توجيه مساراته خارج منطق الهيمنة الإمبريالية.
ومع ذلك، فإن إيران نفسها لا يمكن النظر إليها باعتبارها خارج النظام الرأسمالي العالمي أو في موقع القطيعة الجذرية معه، بل هي تعيش تناقضًا مركبًا داخله. فهي تسعى إلى هامش استقلال سياسي واستراتيجي يسمح لها بإعادة تعريف موقعها الإقليمي، دون أن تنفصل اقتصاديًا بصورة كاملة عن بنية الاقتصاد العالمي. وهذا التناقض بالذات هو ما يجعلها هدفًا دائمًا للضغط والاحتواء، لا لأنها تمثل بديلًا تحرريًا شاملاً، بل لأنها تربك آليات الضبط الإمبريالي وتسعى إلى تعديل موقعها داخلها بما يتجاوز الحدود المرسومة لها.
في المقابل، تمثل ممالك الخليج نموذجًا مختلفًا داخل المنظومة نفسها، إذ تشكل تعبيرًا عن برجوازيات ريعية نشأت ثروتها من موقعها داخل سوق الطاقة العالمي، لكنها بقيت مرتبطة عضويًا بالإمبريالية التي وفرت لها الحماية العسكرية والاندماج المالي وضمانات الاستقرار السياسي. غير أن هذا الاندماج لا يعكس قوة استراتيجية حقيقية بقدر ما يكشف هشاشة بنيوية عميقة، إذ تمتلك هذه الدول فائضًا هائلًا من الثروة دون أن تمتلك أدوات حمايته خارج الإرادة الإمبريالية التي تؤطر وجودها نفسه.
وفي هذا السياق تحديدًا يكتسب مسار التطبيع مع الكيان الصهيوني دلالته الاستراتيجية العميقة، إذ لا يتعلق الأمر بمجرد علاقات دبلوماسية عادية أو إعادة تموضع سياسي ظرفي، بل بعملية إعادة هندسة شاملة للمنطقة تبدأ بإعادة تشكيل الوعي قبل إعادة رسم الجغرافيا. فالتطبيع يعمل على تحويل الكيان الصهيوني من كيان مفروض بالقوة إلى شريك “طبيعي” في إدارة الإقليم، ويعيد تعريف اختلال ميزان القوة باعتباره معطى ينبغي التكيّف معه بدل مقاومته، كما يدمج الاقتصادات المحلية تدريجيًا في شبكات إقليمية تقودها مراكز الهيمنة العالمية، ويعيد تشكيل المجال الرمزي والسياسي بما يسمح بتمرير ما كان مرفوضًا تاريخيًا باعتباره واقعًا جديدًا لا بد من التعايش معه.
وفي الخليج تحديدًا، يتحول التطبيع من خيار سياسي إلى مسار استراتيجي طويل المدى يقوم على شراكات أمنية واستثمارات متبادلة وتنسيق إقليمي متصاعد، لكنه في الوقت نفسه يعمّق هشاشة هذه الدول بدل أن يعزز أمنها، لأنه يربط مصيرها أكثر فأكثر بمنظومة صراع مفتوحة قد تدفعها إلى قلب المواجهة بدل أن توفر لها الحماية منها. فالتطبيع، بهذا المعنى، ليس بديلًا عن الحرب، بل يمثل أحد وجوهها الأخرى، أي الوجه الذي يعيد إنتاج الهيمنة بوسائل ناعمة حين تعجز القوة العسكرية عن فرضها بصورة مباشرة.
غير أن هذا المشهد لا يمكن فهمه في إطار صراع دول فقط، لأن الحروب تُدار أساسًا فوق رؤوس الشعوب وعلى حسابها. فالطبقات الحاكمة، سواء في البلدان الراسمالية أو لدى البلدان التابعة، تدير الصراع بما يخدم إعادة إنتاج سلطتها ومواقعها داخل النظام العالمي، بينما تتحمل الجماهير كلفة الحروب والعقوبات والانهيارات الاقتصادية وإعادة توزيع الموارد خارج إرادتها. ويظهر ذلك بوضوح في المنطقة حيث تُستنزف الشعوب بالحروب والحصار، وتُعاد تدوير الثروات داخل الدوائر المالية العالمية، في غياب مشروع تحرري منظم قادر على كسر هذه الحلقة التاريخية المغلقة.
لذلك يبدو السيناريو الأرجح في المرحلة الراهنة ليس الحسم العسكري أو الاستقرار السياسي، بل استمرار التناقض المفتوح بين إمبريالية عاجزة عن فرض نظام إقليمي مستقر رغم تفوقها العسكري، وقوى إقليمية تسعى إلى تعديل مواقعها دون القدرة على بناء بديل متكامل، وشعوب لم تتحول بعد إلى فاعل تاريخي منظم قادر على إعادة صياغة معادلة الصراع. وهذه هي تحديدًا لحظة الأزمة المفتوحة في النظام العالمي، حيث تتعايش القدرة على التدمير مع العجز عن إعادة البناء، ويتواصل الصراع دون أن يصل إلى نقطة الحسم.
وما يكشفه العدوان على إيران في النهاية ليس مجرد صراع إقليمي جديد، بل حقيقة أعمق تتمثل في أن الإمبريالية والصهيونية ومسار التطبيع ليست عناصر منفصلة داخل المشهد السياسي للمنطقة، بل مكونات مترابطة داخل منظومة واحدة تعيد إنتاج السيطرة بأشكال متعددة ومتكاملة. وفي المقابل، تظل قوى المقاومة مجزأة، والتناقضات التاريخية غير محسومة، والصراع مفتوحًا على احتمالات طويلة الأمد تتجاوز حدود هذه الحرب نفسها.
السؤال الحاسم الذي تطرحه هذه اللحظة لا يتعلق فقط بنتائج المواجهة الجارية، بل بمدى قدرة شعوب المنطقة على تجاوز موقعها كموضوع للصراع والتحول إلى فاعل تاريخي داخله، أي الانتقال من موقع الضحية داخل النظام إلى موقع القوة القادرة على تفكيك بنيته. وإلى أن يتحقق ذلك ستظل الحروب تتكرر لا باعتبارها حوادث عابرة، بل بوصفها إحدى الآليات الدائمة التي يستخدمها النظام الرأسمالي العالمي لإعادة إنتاج نفسه في لحظات أزمته.
اكتشاف المزيد من WWW.Eddarb.COM
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
