حرب الخليج الثالثة، منعطف رئيسي في إعادة هيكلة الإقليم

راي/ *فتيحة دازي هاني- اوريون2021 – مارس 2026

ربطت مملكات الخليج أمنها بالحماية الغربية عبر وجود قواعد عسكرية أمريكية على أراضيها، الأمر الذي يضعها، في ظلّ التصعيد ضد إيران، في الخطّ الأمامي لحرب بذلت كل ما في وسعها لتجنّبها. وقد تجد نفسها مضطرة إلى إعادة التفكير في نموذجها الأمني.

لم تُمثّل الحرب “الإسرائيلية”-الأمريكية التي شُنّت على إيران في 28 فبراير/شباط 2026 مفاجأة حقيقية لمملكات الخليج، في ظلّ الحشد العسكري الأمريكي الضخم في المنطقة. غير أن دول مجلس التعاون الخليجي، ولا سيما السعودية وعُمان وقطر، تُقرّ اليوم بمرارة بأن صوتها لم يُسمَع من طرف حليفها الأمريكي، رغم الجهود الدبلوماسية التي بذلتها لتفادي اندلاع الحرب. ويزيد هذا الوضع من قلقها، إذ تخشى أن تجد نفسها مضطرة إلى تحمّل بمفردها، وعلى المدى الطويل، تداعيات نزاع فُرض عليها.

“اسرائيل”هي التي أرادت هذا الهجوم العسكري الواسع بالدرجة الأولى، وجرّت خلفها إدارة ترامب التي باتت معتادة على اتباع سياسة مزدوجة: الانخراط في مفاوضات مع تفضيل الخيار العسكري في نهاية المطاف. وقد سبق أن برز هذا النهج خلال “حرب الاثني عشر يوماً” في يونيو/حزيران 2025، وهو يتكرر اليوم.

تتمّيز حرب الخليج الثالثة هذه عن سابقتيها. فقد وضعت الحرب الأولى (1980-1988) عراق صدام حسين في مواجهة إيران بقيادة آية الله روح الله الخميني، بينما بدأت الثانية في أعقاب غزو العراق للكويت في 2 أغسطس/آب 1990، وانتهت ما بين 17 يناير/كانون الثاني و27 فبراير/شباط 1991، وهو تاريخ تحرير الأراضي الكويتية. وتُشعل هذه الحرب الثالثة المنطقة بأسرها، من إيران إلى العراق والأردن، واضعةً شبه الجزيرة العربية في قلب المواجهة – باستثناء لافت لليمن – حيث يظل الحوثيون، حتى الآن، في حالة ترقّب. كما ينخرط المشرق العربي مباشرة في هذا الصراع، مع “إسرائيل” ولبنان، الذي غرق مجدداً في أتون الحرب إثر إطلاق حزب الله صواريخ انتقاماً لاغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي.

يندرج هذا النزاع الجديد بدرجة أكبر في سياق حرب العراق التي أطلقتها إدارة جورج بوش الابن في 20 مارس/آذار 2003، وهي حرب شُنّت بصورة أحادية خارج الإطار القانوني للأمم المتحدة، على غرار الصراع الجاري اليوم. غير أنّ تداعيات هذه الحرب الجديدة قد تكون أعمق، ولا سيما فيما يتعلّق بإعادة تعريف بنية الأمن الإقليمي. وتشير كل المؤشرات إلى أنّه قد يطرأ تحوّل عميق على التوازن الاستراتيجي في الخليج، بل وفي الشرق الأوسط على نطاق أوسع.

هجوم عسكري بأهداف غير واضحة

جاءت الضربات “الإسرائيلية”-الأمريكية المكثفة الأولى على إيران في وقتٍ كانت فيه المفاوضات جارية بوساطة عُمانية. بل إن تحقيق هدف دبلوماسي كان يبدو قريب المنال. فقد بدأت ملامح تسوية تتشكل حول معالجة الملف النووي الإيراني، تقوم على نقل اليورانيوم المخصّب إلى دولة ثالثة، وعلى وضع سقف لتخصيبه عند مستوى 2٪، مقابل 3,67٪ في الاتفاق الموقّع عام 2015.

في هذا السياق، ساهمت المبرّرات التي قدّمها الرئيس دونالد ترامب لتفسير دخول الحرب ضد الجمهورية الإسلامية في تعميق الغموض الذي يحيط بالأهداف المنشودة. ففي البداية، طُرحت حجة تغيير النظام، وهو ما تجلى من خلال الضربات الأولى التي نُفّذت بدفعٍ” إسرائيلي”، والتي أدّت إلى قطع رأس جزء من النظام الإيراني، بما في ذلك مرشده الأعلى آية الله علي خامنئي. كما قُتل نحو أربعين من كبار المسؤولين العسكريين والسياسيين، من بينهم قائد الحرس الثوري، ورئيس هيئة الأركان، ووزير الدفاع.

وفي وقت لاحق، تراجع دونالد ترامب عن هذا الهدف، مؤكداً أنّ التدخّل يهدف بالأحرى إلى تفكيك البرنامج الصاروخي الإيراني ومنع تهديد نووي وشيك، وهو ادعاء نفته الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وفي مرحلة ثالثة، وعلى خطى رئيس الوزراء “الإسرائيلي”، أشار الرئيس ترامب إلى إمكانية تشجيع هجوم بري تقوده الجماعة الكردية الإيرانية اللاجئة في إقليم كردستان العراق. غير أنّ هذه الفرضية تُعدّ غير واقعية إلى حدّ كبير في نظر الخبراء العسكريين، سواء بسبب القيود العملياتية أو بسبب الشكوك المحيطة بمدى استعداد الأكراد – أو غيرهم من الأقليات الإيرانية مثل البلوش أو الأذريين أو عرب خوزستان – للانخراط في مغامرة من هذا النوع.

تندرج الاستراتيجية “الإسرائيلية” ضمن منطق يقوم على تفتيت البلاد وإضعاف الجهاز الأمني الإيراني إلى أقصى حد، انسجاماً مع استراتيجيتها الأوسع القائمة على تفكيك المنطقة وبثّ الفوضى فيها لفرض تفوّقها العسكري بشكل أفضل.

ويثير غياب رؤية استراتيجية لدى إدارة ترامب قلقاً عميقاً في صفوف قادة الخليج، غالباً ما يُعبَّر عنه بشكل غير مباشر، عبر شخصيات أكاديمية أو فاعلين مؤثرين في عالم المال والأعمال. ففي الإمارات العربية المتحدة، تشكّل الرسالة المفتوحة التي وجّهها رجل الأعمال خلف أحمد الحبتور إلى الرئيس ترامب، والمُنشورة في 5 مارس/آذار، تجسيداً صارخاً لهذا القلق. في هذا النص، يستفسر الرجل عن الأسباب التي أدت إلى تحويل المنطقة إلى ساحة معركة، على الرغم من تحذير دول الخليج من العواقب الفوضوية التي تترتب على مثل هذه الحرب. في مواجهة هذا الهجوم، سارعت إيران بالرد عبر سلسلة من الأعمال الانتقامية شديدة الكثافة، مستهدفةً المنشآت العسكرية الأمريكية في جميع أنحاء المنطقة. وطالت الضربات قواعد تقع في الأردن والعراق، وكذلك في دول مجلس التعاون الخليجي، حيث تعرضت أجهزة القيادة التابعة للأسطول الأمريكي الخامس المتمركز في المنامة بالبحرين لأضرار جسيمة. أما في قطر، فقد دُمّر نظاما رادار متطوران في قاعدة العديد التي تضم مقر القيادة المركزية الأمريكية للمنطقة (US CENTCOM).

تلعب هذه الرادارات دوراً جوهرياً في كشف إطلاق الصواريخ وإنذار أنظمة الدفاع الصاروخي، لا سيما بطاريات ثاد (THAAD) وباتريوت (Patriot). كما لحقت أضرار جسيمة بالقواعد في الكويت، حيث يمتلك الجيش الأمريكي مخزونات من المعدات المتموضعة مسبقاً في معسكر “عريفجان” — الذي يضم المكون البري للقيادة المركزية الأمريكية — وقاعدة علي السالم الجوية. وأخيراً، استُهدفت قاعدة الظفرة الجوية في أبو ظبي، بالإضافة إلى عدة منشآت أمريكية في كردستان العراق والأردن، فضلاً عن قاعدة الأمير سلطان في الخرج، بضواحي الرياض.

في قلب الردود الانتقامية

كانت هذه الدول تدرك أنّها ستكون في الخطوط الأمامية في حال اندلاع مواجهة مباشرة بين إيران والولايات المتحدة و”إسرائيل”. وقد حذرتها السلطات الإيرانية مراراً — رغم حالة الانفراج التي شهدتها العلاقات منذ استئناف الرياض علاقاتها الدبلوماسية مع طهران برعاية بكين في 10 مارس/آذار 2023— من أنّ القواعد العسكرية الأمريكية العديدة المتمركزة على أراضيها ستشكّل أهدافاً أولية في حال شنّ هجوم على الجمهورية الإسلامية.

مع ذلك، أدّت شدة الضربات الإيرانية إلى حالة من الذهول الحقيقي بين السكان وقادة المنطقة على حد سواء. ولم تقتصر الهجمات على المنشآت العسكرية فحسب، بل استهدفت أيضاً البنى التحتية المدنية، لا سيما في دولة الإمارات العربية المتحدة، التي تركزت فيها الحصة الأكبر من الضربات، والتي طالت عدداً من المواقع الرمزية، بما في ذلك فنادق فاخرة، والبنى التحتية للطرق والمطارات – لا سيما مطار دبي الدولي (DXB) ومطار آل مكتوم الدولي –، بالإضافة إلى منشآت مينائية استراتيجية، من بينها ميناء جبل علي في دبي، أحد أهم الموانئ العميقة في المنطقة، وميناء زايد القريب من القاعدة الفرنسية المشتركة، وميناء خليفة في أبو ظبي.

تُعدّ دولة الإمارات العربية المتحدة الهدف الأول من حيث الهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية الإيرانية، وفقاً لحساب الباحث اليمني إبراهيم جلال على منصة X، والذي ينشر بانتظام إحصاءات الهجمات الإيرانية على دول الخليج.

وفي 7 مارس/آذار، قدّم الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، في خطاب بثّه التلفزيون الرسمي، اعتذاره لدول الجوار عن الضربات التي طالتها منذ بداية الحرب، قائلاً: “أعتذر (…) لدى الدول المجاورة التي تعرّضت لهجمات من إيران”. وأكد أنّ طهران لا تستهدف جيرانها إلا عندما تتعرّض أولاً لهجوم من هذه الدول نفسها.

مع ذلك، لم تمنع هذه التصريحات الحرس الثوري من مواصلة الضربات، وهو ما قد يدلّ على حماس مفرط من أفراده الأكثر تشدداً، مقارنة بالإدارة السياسية الانتقالية. لكن قادة الخليج ليسوا سذجاً أمام هذا الخطاب المزدوج، والذي يصفونه بـ“دبلوماسية الابتسامة” عندما تنخرط إيران في مفاوضات، وبالتدخلية عندما يتعلق الأمر بتفعيل وكلائها الإقليميين.

معاقبة أبو ظبي

أقنع مقتل المرشد، الذي جدّ خلال الغارات “الإسرائيلية” الأولى، السلطات الإيرانية بضرورة الانتقام لـ “استشهاده”. وضمن هذا المنطق، اختارت الجمهورية الإسلامية تركيز جزء كبير من ردودها الانتقامية على دولة الإمارات العربية المتحدة، حتى قبل “إسرائيل”.

فبالنسبة لطهران، تدفع أبو ظبي ثمن خيارها الاستراتيجي بالمراهنة على تقارب أمني مع “إسرائيل”، وهو المسار الذي بدأ منذ توقيع اتفاقيات أبراهام في 15 سبتمبر/أيلول 2020. وقد تصاعد هذا التقارب بعد هجمات 7 أكتوبر 2023، والحرب الإقليمية التي شنّها رئيس الوزراء “الإسرائيلي” بنيامين نتنياهو على عدة جبهات – غزة، الضفة الغربية، لبنان، سوريا، إيران واليمن. وفي هذا السياق، طوّرت أبو ظبي تعاوناً وثيقاً مع تل أبيب في مجالات الأمن والاستخبارات والأمن السيبراني، لا سيما فيما يخصّ التقنيات المتقدمة. كما امتدّت هذه العلاقة لتشمل القطاعات الاقتصادية والثقافية والسياحية.

رغم الحرب المدمّرة التي شنّتها “إسرائيل على غزة، استمرّ التبادل التجاري بين دولة الإمارات العربية المتحدة و”إسرائيل” في النمو خلال العام 2024. وتعتمد الاستراتيجية الإيرانية الآن على ضرب النموذج الاقتصادي الإماراتي بشكل مباشر، باعتباره الركيزة الأساسية لقوتها الناعمة وجاذبيتها الدولية. وتُظهر العديد من مقاطع الفيديو المنتشرة على شبكات التواصل الاجتماعي انفجارات بالقرب من المواقع السياحية الرمزية في دبي، بالإضافة إلى قنابل استهدفت بنى تحتية أكثر استراتيجية.

إلى جانب الأضرار الاقتصادية الكبيرة التي تكبّدتها بالفعل، قد تكون لهذه الهجمات تداعيات طويلة الأمد على الصورة الدولية للاتحاد وعلى توجهاته السياسية. وتزداد مرارة القادة الإماراتيين حدةً لكونهم يلومون إدارة ترامب على غياب استراتيجية واضحة في إدارة الحرب.

غير أنّ إحباطهم موجّه أيضاً إلى شريكهم “الإسرائيلي”، الذي روّج عبر موقع صحيفة “يديعوت أحرونوت” (Ynet) خبراً كاذباً نسب إلى دولة الإمارات العربية المتحدة تنفيذ ضربة ضدّ محطة لتحلية المياه في إيران. وهي معلومة سارع علي النعيمي، رئيس لجنة الدفاع والداخلية والخارجية في المجلس الوطني الاتحادي الإماراتي، إلى نفيها فوراً في 8 مارس/آذار عبر منصة (X).

هكذا، تجد دولة الإمارات العربية المتحدة نفسها محاصرة في دوامة حرب فُرضت عليها، حيث لم يتردد حليفاها الأمريكي و”الإسرائيلي” في تقويض جهودها الرامية إلى خفض التصعيد، لا سيما من خلال السماح بتداول معلومات تشير إلى تورط مباشر لمملكات الخليج في هجمات استهدفت منشآت استراتيجية إيرانية.

وبالتوازي مع ذلك، تحاول بعض الأصوات في واشنطن دفع هذه الدول إلى الانخراط بصورة أكثر مباشرة في الهجوم” الإسرائيلي”-الأمريكي، كما تعكس ذلك تصريحات السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام على حسابه في منصةX . وقد ألمح هذا المؤيد المتحمّس لحرب ضد إيران إلى إمكانية إبرام اتفاقيات دفاع معزَّزة مع دول الخليج. غير أنّ هذه المبادرات تُحدث في الواقع أثراً معاكساً، إذ تعزّز إصرار قادة الخليج على عدم الانجرار إلى مواجهة مباشرة مع طهران. كما تسعى المملكة العربية السعودية، على وجه الخصوص، إلى إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع الجمهورية الإسلامية.

غياب التحضير السياسي “الإسرائيلي”-الأمريكي

بدأت التداعيات الاقتصادية للصراع تُلقي بظلالها الثقيلة بالفعل على دول الخليج. فقد ألحق القصف أضراراً بالعديد من المراكز اللوجستية الكبرى، ولا سيما البنى التحتية للموانئ والمطارات في أبو ظبي ودبي، فضلاً عن بعض المنشآت الطاقية الاستراتيجية. وتُعد مصفاة “رأس لفان” في قطر، التي تمثل وحدها قرابة 20% من الإنتاج العالمي للغاز الطبيعي المسال، من بين المنشآت المتضررة. ويُضاف إلى ذلك الإغلاق الجزئي لمضيق هرمز في المنطقة التي تسيطر عليها إيران، مما أدى إلى عرقلة شديدة في تدفقات الطاقة والتجارة.

تتجاوز آثار الحرب النطاق الإقليمي، حيث تأثر الاقتصاد العالمي هو الآخر بشكل كبير. فقد قفز سعر برميل النفط الخام إلى 102 دولاراً، بعد أن كان يقارب 60 دولاراً قبل أيام قليلة من اندلاع الأعمال العدائية. وبالتوازي مع ذلك، أدى توقف صادرات الغاز الطبيعي المسال القطري والاضطرابات في إمدادات بعض المواد الخام الحيوية – ولا سيما الألمنيوم – إلى تفاقم التوترات في الأسواق الدولية.

تمارس الحرب ضغوطاً متزايدة على مالية بلدان الخليج، لدرجة أنها دفعت بعض الحكومات إلى إعادة النظر في التزاماتها المالية الدولية. وقد تكون لهذه التطورات تداعيات تتجاوز حدود المنطقة، إذ تتحكم هذه الدول في بعض من أقوى الصناديق السيادية في العالم، وتُعدّ من بين أبرز المستثمرين الدوليين. ووفقاً لمقال نشرته صحيفة “فايننشال تايمز” في 5 مارس/آذار، فإن أكبر اقتصادات في الخليج – أي السعودية والإمارات وقطر – قد بدأت بالفعل مناقشات حول القيود التي ستضعها الموازنة نتيجة الضغوط التي يفرضها هذا الصراع على توازناتها المالية.

من جهتها، تبدو طهران مصمّمة على إطالة أمد النزاع من أجل إضعاف إدارة ترامب، التي لا يزال جزء من قاعدتها الانتخابية يعارض هذه الحرب. وتفسّر هذه الديناميكية تكاثر التصريحات الانتصارية في واشنطن، في وقت تجد فيه الإدارة الأمريكية صعوبة في إخفاء حرجها إزاء الموقف الدفاعي الصرف لدول الخليج.

تبذل هذه الدول قصارى جهدها لتجنب أي تورط مباشر في التصعيد العسكري إلى جانب “إسرائيل “والولايات المتحدة، إذ تواصل رفضها السماح لواشنطن باستخدام القواعد الموجودة على أراضيها لشنّ عمليات هجومية. ويعود هذا الرفض أيضاً إلى قيام واشنطن بسحب موظفيها من سفاراتها في الخليج وتوجيه الجزء الأكبر من مساعداتها لحماية “إسرائيل”.

استهداف محطة لتحلية المياه

علاوة على ذلك، تثير بعض الأهداف الأمريكية مخاوف شديدة في المنطقة. فقد شكّل استهداف مصفاة نفط في طهران – ما أدى إلى إغراق جزء من العاصمة في الظلام – وكذلك استهداف محطة لتحلية المياه تصعيداً بالغ الخطورة. وكانت إيران حتى الآن قد تجنّبت ضرب هذا النوع من البنى التحتية الحيوية.

غير أنّ دول مجلس التعاون الخليجي تمتلك نحو 400 محطة لتحلية المياه وتستحوذ على ما يقارب 60٪ من القدرات العالمية في هذا المجال. كما أنّ اعتمادها على هذه المنشآت هائل، إذ يأتي نحو 90٪ من مياه الشرب من التحلية في كلٍّ من دولة الإمارات العربية المتحدة والكويت، و86٪ في عُمان، ونحو 70٪ في المملكة العربية السعودية. أما فيما يتعلق ب”إسرائيل”، فما تزال المعلومات المتاحة محدودة للغاية. ومع ذلك، تشير مصادر متعددة متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي إلى وقوع أضرار جسيمة، لا سيما في منطقة تل أبيب، حيث تُظهر بعض مقاطع الفيديو انفجارات أصابت مناطق مينائية وأحياء سكنية وبنى تحتية استراتيجية للاتصالات.

ويتجلى الارتباك في تل أبيب من خلال سحب الكاميرات من عدة مدن “إسرائيلية” ومنع نشر أي لقطات للضربات التي تشير إلى وقوع ضحايا أو دمار. وقد لُوحظ نهج مماثل في دبي أيضاً، حيث حثت السلطات العديد من المؤثرين على الحد من نشر صور تُظهر الأضرار التي لحقت بـ “مدينة العالم”.

بنية أمنية إقليمية تحتاج إلى إعادة صياغة

تُسجل حرب الخليج الثالثة هذه، والتي لا يزال أمدها غير معروف، تحولاً جذرياً في تاريخ الهيكلية الأمنية الإقليمية. فمنذ عدة عقود، كان هذا النظام يرتكز بشكل أساسي على الضمانات الأمنية الأمريكية الممنوحة لدول شبه الجزيرة العربية. غير أن هذه الاستراتيجية، التي فشلت إلى حد كبير، تبدو اليوم موضع تساؤل من قبل النخبة الحاكمة في هذه الدول.

يلاحظ القادة الخليجيون، الذين ربطوا أمنهم بالحماية الغربية من خلال استضافة العديد من القواعد العسكرية على أراضيهم، أنّ هذه المنشآت باتت تُستخدم أساساً لدعم العمليات العسكرية “الإسرائيلية”. وتثير هذه المعطيات قلقاً متزايداً، يتمثل في رؤية مخزونات الذخيرة اللازمة لأنظمة دفاعهم الصاروخي تتلاشى، في حين يبدو أن الاحتياجات “الإسرائيلية” تحظى بالأولوية.

في هذه الظروف، يبدو أنّ الرهان “الإسرائيلي”-الأمريكي القائم على إعادة تشكيل المنطقة عبر التفوّق العسكري وحده، من دون وجود أجندة سياسية حقيقية، غير قادر على توفير قاعدة لأمن مستدام. لقد أصبحت الطموحات المتعلقة بتوسيع “اتفاقيات أبراهام” متجاوزة ومستهلكة الآن. فهذه الاتفاقيات، التي كان من المفترض أن تسهم في استقرار المنطقة، لم تنجح في تقليص التوترات الهيكلية في الشرق الأوسط، لا سيما في ظل غياب حل سياسي موثوق لقضية الدولة الفلسطينية.

وقد تبدأ ملامح بنية إقليمية جديدة في التبلور تدريجياً حول توازن للقوى بين الدول الأكثر صموداً في المنطقة. وستشكل المملكة العربية السعودية العمود الفقري السياسي لهذه البنية، بالتنسيق مع تركيا ومصر، في حين ستواصل سلطنة عمان لعب دور محوري كوسيط دبلوماسي. وعلى العكس من ذلك، ستشهد الدول الصغيرة في الخليج – بما في ذلك قطر والإمارات العربية المتحدة – تراجعاً في نفوذها. فهذه الدول، التي سعت لفترة طويلة إلى بسط نفوذها بما يتجاوز حجمها، تصطدم الآن بالحدود الهيكلية والقيود الجيواستراتيجية.

راهنَت قطر على دبلوماسية وساطة نشطة على مختلف الجبهات لتعزيز نفوذها الدولي، في حين انتهجت دولة الإمارات العربية المتحدة سياسة خارجية أكثر تدخلاً، ولا سيما في أفريقيا واليمن. غير أنّ الحرب الحالية تكشف أيضاً عن مواطن ضعفهما. وعلى غرار ما حدث للكويت بعد حرب الخليج الثانية، سيكون على الدوحة وأبو ظبي على الأرجح التفكير في أمنهما المستقبلي ضمن إطار مجلس تعاون خليجي أكثر تكاملاً.

ينبغي أن يترسخ هذا التعاون الإقليمي على المدى الطويل، وألا يقتصر على كونه مجرد ردّ فعل على أزمات ظرفية. فلن يكون أمام هذه الدول خيار سوى الانخراط بشكل أكبر في الديناميكية الإقليمية التي تقودها المملكة العربية السعودية حالياً. فمنذ هجمات السابع من أكتوبر 2023، يبدو أن الرياض تسعى لبناء توازن استراتيجي جديد من خلال تنسيق وثيق لعملها مع تركيا ومصر، مع تعزيز تعاونها العسكري مع باكستان، وذلك لخلق ثقل موازن للتفوق الإسرائيلي الذي يرتكز بشكل أساسي على القوة العسكرية.

في هذا السياق، يجد مجلس التعاون لدول الخليج العربية نفسه عالقاً بين قطبين متعارضين: من جهة، هيمنة عسكرية “إسرائيلية” معزَّزة بالدعم الأمريكي، ومن جهة أخرى إيران، التي يبقى مستقبلها غير واضح، لكنها لا تزال تحتفظ بالقدرة على إرباك التوازن الإقليمي على المدى الطويل، ولا سيما إذا ما انزلقت البلاد إلى فترة ممتدة من عدم الاستقرار.

ولهذا السبب، تدرك دول الخليج أنّ من مصلحتها البقاء على مسافة من الصراع الذي أشعلته “إسرائيل” والولايات المتحدة. فبعد انتهاء الحرب، تعلم هذه الدول أنّها ستضطر إلى التعامل بمفردها مع التداعيات الإقليمية، ومع تطورات جارٍ إيراني لا يزال مستقبله يكتنفه قدر كبير من الغموض.

*فتيحة دازي هاني:باحثة وأستاذة متخصصة في شبه الجزيرة العربية بمعهد البحوث الاستراتيجية بالمدرسة العسكرية ومعهد الدراسات السياسية بمدينة ليل بفرنسا

ترجم المقال من الفرنسية حميد العربي.


اكتشاف المزيد من WWW.Eddarb.COM

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليقاً