حرب ترامب “الغير مكلفة”..حين يدفع العرب فاتورة العدوان الصهيو-امريكي على ايران

الحروب في زمن الإمبريالية ليست مجرد صدامات عسكرية بين جيوش، بل هي قبل كل شيء معادلات اقتصادية وسياسية: من يقرر الحرب، ومن يخوضها، ومن يدفع كلفتها. وما يجري اليوم في الشرق الاوسط ومنطقة الخليج يكشف بوضوح فاضح إحدى أكثر صيغ الهيمنة وقاحة في التاريخ المعاصر.هي حرب تُدار استراتيجياً من واشنطن، تُنفَّذ عسكرياً في جزء كبير منها بواسطة العدو الصهيوني، بينما تُلقى فاتورتها المالية على عاتق أنظمة عربية. إنها، بتعبير دقيق، “الحرب الغير المكلفة” بالنسبة لواشنطن.

لم يعد هذا مجرد تحليل نظري أو قراءة أيديولوجية، بل واقع عبّر عنه دونالد ترامب نفسه بفظاظة رجل أعمال يرى العالم كله سوقاً للصفقات. فقد أعلن مراراً أن الحلفاء يجب أن “يدفعوا مقابل الحماية”. في قاموسه لا وجود لتحالفات قائمة على الالتزامات السياسية أو الأخلاقية، بل توجد فقط علاقات زبونية: حماية مقابل المال. وقد وجدت هذه الفلسفة أرضها الخصبة في أنظمة عربية ثرية بالموارد وفقيرة بالسيادة، مستعدة لدفع مئات المليارات مقابل البقاء تحت المظلة الأمريكية.

لكن فهم هذه الظاهرة لا يكتمل إذا حصرناها في شخصية ترامب أو في علاقات ثنائية بين واشنطن وبعض الأنظمة العربية. فالمسألة أعمق من ذلك بكثير. إنها مرتبطة مباشرة بأزمة الإمبريالية ومنذ عقود. فالإمبريالية الأمريكية، التي خرجت من الحرب الباردة باعتبارها القوة المهيمنة الوحيدة، وجدت نفسها خلال العقود الأخيرة أمام معضلة مزدوجة وهي الحاجة إلى الحفاظ على هيمنتها العالمية من جهة، والعجز المتزايد عن تحمّل الكلفة الهائلة لهذه الهيمنة من جهة أخرى.

لقد كشفت حروب أفغانستان والعراق حدود القوة الأمريكية. فهذه الحروب، رغم التفوق العسكري الساحق، استنزفت مئات المليارات من الدولارات وأضعفت الاقتصاد الأمريكي وأثارت انقسامات داخل المجتمع الأمريكي نفسه. منذ ذلك الحين بدأ التفكير الاستراتيجي في واشنطن يتجه نحو نموذج مختلف لإدارة الصراعات: تقليل الكلفة المباشرة على الولايات المتحدة، وتوزيع الأعباء على الحلفاء والتابعين.

وهكذا ظهر ما يمكن تسميته ب”نظام الحروب منخفضة الكلفة” في هذا النظام لا تتخلى الولايات المتحدة عن دورها القيادي، لكنها تحاول تقليص مشاركتها المباشرة في القتال وتحويل الحروب إلى صراعات بالوكالة أو صراعات ممولة من الخارج. القرار الاستراتيجي يبقى في واشنطن، لكن التنفيذ والتكاليف يتوزعان على أطراف أخرى.

في الشرق الأوسط يتجسد هذا النموذج بوضوح شبه مدرسي. فالكيان الصهيوني يمثل رأس الحربة العسكرية للمشروع الغربي في المنطقة، بينما تلعب الأنظمة النفطية دور المموّل المالي الأساسي. صفقات السلاح الضخمة، والاستثمارات الهائلة في الاقتصاد الأمريكي، وتمويل عمليات إعادة الإعمار بعد كل حرب على غزة، كلها أجزاء من منظومة مالية متكاملة تُبقي آلة الحرب تعمل دون أن تتحمل واشنطن كلفتها الكاملة.

يكفي التذكير بأن دول الخليج أصبحت خلال العقدين الأخيرين من أكبر مستوردي السلاح الأمريكي في العالم. مئات المليارات من الدولارات تُضخّ في شركات السلاح الأمريكية، مما يجعل المنطقة أحد أهم مصادر الأرباح للمجمّع الصناعي العسكري في الولايات المتحدة. وفي المفارقة الأكثر فجاجة، تتحول هذه الأموال نفسها إلى جزء من المنظومة العسكرية التي تضمن التفوق الصهيوني في المنطقة.

أما الحلقة الأكثر سريالية في هذه المعادلة فتظهر بعد كل جولة من العدوان على غزة. الكيان الصهيوني يدمّر البنية التحتية ويحوّل الأحياء إلى ركام، ثم تُعقد المؤتمرات الدولية لجمع الأموال لإعادة الإعمار. من يدفع؟ في الغالب دول عربية. وهكذا تتحول الحرب إلى دورة اقتصادية كاملة: تدمير عسكري صهيوني، أرباح صناعية أمريكية، وتمويل عربي لإعادة بناء ما دُمّر.

غير أن هذه المعادلة لا يمكن فهمها فقط في إطار الاقتصاد السياسي العالمي، بل أيضاً في إطار طبيعة الأنظمة العربية نفسها. فهذه الأنظمة، في جزء كبير منها، لا تستند إلى شرعية شعبية حقيقية، بل إلى توازنات إقليمية ودولية تحمي استمرارها. لذلك يصبح التحالف مع الولايات المتحدة بمثابة ضمانة استراتيجية لبقائها. ومن هنا استعدادها لدفع أثمان مالية وسياسية ضخمة مقابل هذه الحماية.

في هذه النقطة تحديداً يتقاطع العامل الداخلي مع العامل الإمبريالي. فالتبعية ليست مجرد نتيجة لضغط خارجي، بل أيضاً خيار تتبناه نخب حاكمة ترى في الهيمنة الأمريكية شرطاً لبقاء سلطتها. وهكذا تتحول الثروة النفطية، التي كان يمكن أن تكون أساساً لمشروع تنموي مستقل، إلى خزّان مالي يغذي النظام الإمبريالي العالمي.

ولذلك لم يكن التطبيع مع العدو الصهيوني مجرد انحراف دبلوماسي عابر، بل جزء من إعادة ترتيب جيوسياسية كاملة للمنطقة. شبكة من التحالفات الاقتصادية والأمنية والتكنولوجية تجعل بعض الأنظمة العربية جزءاً عضوياً من المنظومة التي تحمي التفوق الاستراتيجي للكيان الصهيوني. وفي هذه المنظومة يصبح المال العربي أحد الأعمدة التي يستند إليها هذا التفوق.

لكن خلف هذه الصورة يقبع تناقض تاريخي عميق. فالإمبريالية التي تحاول تقليل كلفة حروبها عبر تحويلها إلى حروب بالوكالة أو بالتمويل الخارجي إنما تفعل ذلك لأنها تعاني أزمة حقيقية في قدرتها على إدارة العالم بالقوة المباشرة كما فعلت في السابق. بمعنى آخر: “الحروب غير المكلفة” ليست علامة قوة مطلقة، بل أيضاً علامة أزمة.إنها محاولة لإطالة عمر الهيمنة عبر توزيع أعبائها على الآخرين.

غير أن التاريخ يعلّمنا أن مثل هذه المعادلات لا تدوم طويلاً. فحين تتحول منطقة كاملة إلى خزّان مالي للحروب الأجنبية، وحين تصبح الثروة الوطنية أداة لإدامة الهيمنة الخارجية، تتراكم التناقضات الاجتماعية والسياسية إلى حد الانفجار. عندها ينكشف المعنى الحقيقي لما يسمى “الحرب غير المكلفة”.فهي غير مكلفة فقط بالنسبة لمن يقرّرها.

أما كلفتها الحقيقية فتدفعها الشعوب. الفلسطينيون بدمائهم، والعرب بثرواتهم، والمنطقة كلها بمستقبلها.

وإذا كانت الإمبريالية قد نجحت مؤقتاً في تحويل حروبها إلى حروب بالوكالة والتمويل الخارجي، فإن السؤال الذي يطرحه التاريخ بإلحاح هو إلى متى يمكن لهذا النظام أن يستمر قبل أن تتحول فاتورة الحرب إلى شرارة انفجار أكبر؟


اكتشاف المزيد من WWW.Eddarb.COM

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليقاً