ايمن العلوي..”استحضار شكري بلعيد في ذكرى اغتياله ..لحظة فكرية لفحص معنى المناضل العضوي”

ايمن العلوي 03-02-2026

حرصت و أحرص دائما ان لا يكون استحضار شكري بلعيد في ذكرى اغتياله مجرّد فعل وفاء عاطفي أو طقس رمزي، بل لحظة فكرية لفحص معنى “المناضل العضوي” في سياق تونسي وعربي مازوم، ولمساءلة ما تبقى من السياسة في هذا الممر التاريخي.

شكري بلعيد لم يكن سياسيا تقنيا ولا زعيما انتخابيا بالمعنى الضيق، بل كان مثقفا ، مارس السياسة باعتبارها التزاما أخلاقيا ومعرفياً في آن، منحازا بوضوح إلى قضية التحرر الوطني بوصفها شرطا ديمقراطيا حقيقيا، لا ملحقاً خطابيا لها.

تحرر وطني، في تصوره وممارسته، لا ينفصل عن تفكيك البنى السائدة، ولا عن مقاومة أشكال الهيمنة القديمة والمتجددة، سواء أتت في لباس الاستبداد العاري أو في هيئة سلطات رجعية من اي نوع أو جنس لتأبيد ذات العلاقات الاجتماعية

. من هنا كان انحيازه للديمقراطية و للحرية جذرياً لا إجرائيا؛ ديمقراطية تساوي حق الاعلبية في الفعل والتقرير، لا مجرد تداول نخب على السلطة داخل نفس الأطر الطبقية.

الحرية التي دافع عنها لم تكن شعاراً أخلاقياً عاماً، بل كانت ممارسة يومية: حرية الفكر ضد التكفير، حرية التنظيم ضد القمع، وحرية السياسة ضد تحويلها إلى تقنية إدارية أو أداة إخضاع.

هكذا صغنا خطا سياسيا مع شكري ؛ خط يشير بوضوح للخصوم؛ للسلطات الرجعية والطبقات الحاكمة..، لا بوصفها أشخاصاً أو حكومات عابرة، بل باعتبارها منظومة مصالح تاريخية تعيد إنتاج السيطرة عبر الدولة، والإعلام، والدين، والسوق…… هذا الوضوح بالذات و بالضبط هو ما جعله هدفا، وهو أيضا ما جعله “مناضلاً عضويا و مثقفاً لا يقف فوق المجتمع بل داخل تناقضاته، يعبر عنها، ويصوغ لها لغة وموقفاً، ويدفع ثمن ذلك

في هذه الذكرى الثالثة عشر مر بخاطري فيلم أحببته كثيراً ،” le 13 guerrier ” وتداعت افكاري في أوجه الالتقاء بين شكري بلعيد وفكرة “المحارب الثالث عشر” في التاريخ والأسطورة.هذا المحارب الذي لم يكن الأقوى جسداً ولا الأرفع مقاماً، بل ذاك الذي يظهر حين يختل التوازن، ويصبح وجوده ضرورة أخلاقية قبل أن تكون قتالية هو الفرد الذي يخرج من الصفوف الهامشية ليعيد للمعركة معناها، لا ليضمن النصر بالضرورة، بل ليمنع الهزيمة المعنوية.

شكري بلعيد المحارب الذي دخل معركة غير متكافئة، مدركاً كلفتها، ومواصلاً رغم ذلك، لا بدافع البطولة الفردية، بل بدافع الواجب تجاه الجماعة كاسرا الصمت، مشيرا للعدو، ورافضا التكيّف مع ميزان قوى يُراد له أن يُقدم كقدر.

كذلك كان شكري بلعيد خارج منطق السلطة وهو يمارس السياسة. قوته لم تكن في ما يملك، بل في ما يقول، وفي قدرته على الربط بين التحرر الوطني، والديمقراطية، والصراع الطبقي…، دون اختزال أو مواربة.

بعد ثلاثة عشر عاماً، يتأكد أن اغتياله لم يكن استهدافاً لشخصه فقط، بل لمحاولة ممارسة سياسة واضحة في زمن الالتباس.

للاسف كثير من الذين يستحضرونه اليوم بتقديسه و تحويله إلى أيقونة جامدة يهملون و يدوسون روح ما طرح و جوهر ما كان عليه من قيم و التزام مرددين شذرات من أفكاره بلا معنى و على غير منهج,غير عابئين بمنسوب العبث و الاساءة التي يلحقونها بدم بهذا الوضوح الذي لا يحتاج لمعجم طبقي على راي مظفر النواب


اكتشاف المزيد من WWW.Eddarb.COM

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليقاً