رأي في طبيعة مرحلة الرأسمالية وما كتب حولها..

خاطرة:عبد المجيد بن قياس28-01-2026

تطور المجتمعات يخضع لتأثيرات متعددة ومتشابكة،داخلية وخارجية.بالتالي،هي حركة غير مستقيمة ومنتظمة وإن حاول البعض اعتماد بعض المحددات دون أخرى بهدف إخضاع التطور الى تلك المعادلة البسيطة التي تلغي محددات التسريع

بالتالي،فإن تطور المجتمعات لا يتوافق مع التصور الذي يعتبر أن التاريخ يتقدم في خط مستقيم.

لكن هذا لا ينفي أن تطور المجتمعات هو تطور لولبي تصاعدي،مما يجعل البعض يتصور أن دورته حلقة مفرغة.إن زاوية النظر مهمة لدى هذا التصور أو ذاك.إن النظر إلى التطور من مختلف الجوانب يسمح بإدراك الحركة اللولبية الصاعدة،أما إذا كانت زاوية النظر أحادية الجانب،من فوق أو من تحت،فإن الناظر لا يرى في التطور سوى أنه حركة دائرية لا نهائية.ثم،أن علوم الأحياء والمجرات والكواكب وعلوم الذرة أثبتت أنه لا مجال للنكوص إلى الوراء وأثبتت هذه العلوم أن التطور غير خطي ولكنه أيضا غير دائري ورجعي.

هذه المقدمة فرضها الاطلاع على عدة دراسات أو مقالات تعتبر أن المرحلة الحالية من وجهة نظر اقتصادية واجتماعية هي مرحلة نكوص للرأسمالية نحو مجتمع” اقطاعي حديث”عند البعض أو مرحلة رأسمالية آفلة ترتكز على رأس مال نوعي”:رأس مال-علم”

إن الرأي القائل ب”الإقطاع الحديث”يعتمد على المقارنة بين خاصيات الإقطاع،حيث يرى أن الأمر يتعلق باحتكار شروط العيش من طرف أقلية..أقلية تجبر أغلبية على العمل ضمن شروط لا تملك حق تغييرها..عامل مقيد بسوق العمل ورهينة مربوط بالحاجة..نسق انتاج لا يعتمد على خلق القيمة عبر العمل بل على استخلاصها عبر الإمتلاك..يراكم الأرباح بلا انتاج حقيقي،بلا جهد اجتماعي..حيث تلعب الشركات العابرة للحدود دور الاقطاعي،فهي السيطرة على سلاسل الانتاج وتفرض الشروط على الدول.

للاطلاع على مدى حقيقة هذه القواسم المشتركة يفترض الأمر التذكير بأهم خصائص الإقطاع الكلاسيكي،وهي:احتكار وسيلة الانتاج الأساسية (الأرض)…انتاج أساسيات الحياة المادية بالوكالة (مزارعين) مقابل ريع عقاري.لكن،هذا لا يقول بغياب العمل وتقسيم العمل،ولا ينفي دورة الانتاج والتداول السلعي،ولا ينكر محددات حجم الريع (انتاجية وسيلة الانتاج/ الأرض،موقعها من سوق التداول،مدى وفرة القوى العاملة (المزارعين)،ماهية المعادل العام للتبادل.. موضوعه منتوجات حقيقية،وإن كانت أغلبها معاشية/ حياتية،وهذا ما تختلف فيه مع منتوجات العصر الحالي،بعضها مادية/ معاشية،وأخرى مادية للرفاه،وكثير منها غير مادية/ خدمية.وإن كان لهذه الأخيرة نصيب هائل من السوق،فهذا لا يعطيها الأفضلية إلى حد نعت نمط الاقتصاد العالمي الحالي ب”اقتصاد الخدم” والى نعت نمط الانتاج العصري ب”إقطاع حديث”.

إن الاعتماد على مؤشرات كمية،من قبيل نسبة التشغيل القطاعي ونسبة المساهمة في الداخل الخام،او الإعتماد على آليات الانتاج والتداول العصرية (ذكاء اصطناعي،تداول رقمي…)،دفعت بالبعض الى استنتاجات معطوبة أو خاطئة.وهذه الاستنتاجات لها استتباعات سياسية من ذات الصفات.فالبشرية لم تكفٌ ولن تكفٌ يوما عن الطلب لما هو نافع للمعيشة وإعادة انتاج ذاتها (غذاء،كساء،بناء،دواء)،وهذه تتطلب توفير المواد الأولية الضرورية لذلك فهي تتطلب وفرة الأراضي والتقنيين واليد العاملة،أي ضرورة المحافظة على صيرورة الانتاج الحقيقي حتى وإن استعملت كل الأساليب الحديثة من الذكاء الاصطناعي في المجال الزراعي والتطبيقات التكنولوجية لانتاجها…وسائل التداول المبتكرة حديثا،لا يمكن أن تمنع الحاجة إلى عمال وتقنيين وغيرهم،باعتبارهم يمثلون القطب الثاني من دورة الانتاج الرأسمالي،أي أنهم جزء مهم من قوة الانتاج (طور التداول الأول) وجزء أساسي في طور ما بعد الانتاج،أي في طور التداول الثاني(السوق/ استهلاك).وما انخفاض وتيرة اللجوء الى الوسائل التكنولوجية وتأجيل انتاج بعضها أو عدم استعمالها إلا دليلا على المأزق الذي آلت إليه الأزمة الرأسمالية،فهي من ناحية تريد التوسع والاستثمار ومزيد من مراكمة الأرباح،لكن،من ناحية ثانية،فهذا غير ممكن بدون توفر الكم الهائل من المستهلكين(عائلات ووحدات انتاج وخدمات) الممكن اقصائهم من وحدات الانتاج باستعمال التكنولوجيا العصرية.وهؤلاء(أشخاص ومؤسسات انتاج ووحدات للخدمات)غير ممكن أن يستهلكوا دون مداخيل،وبالتالي دون عمل ودون انتاج القيمة المضافة.ومن يقول ب”انتهاء مرحلة الحاجة إلى العمل”فهو يرتكب خطأ فادح يعود إلى قصور نسبي في تصوره الى دورة رأس المال.فالرأسمالية نسق شامل،تطلبت منهجية تفسيرها عدة مفاهيم،كما تطلبت هذه ضرورة تجزئة المنظومة الرأسمالية للانتاج والتداول.مثال،إن تفسير تحديدات الأجور بوقت العمل الضروري اجتماعيا،وهذا بحجم المواد المعيشية الضرورية،المتغيرة من مجتمع الى آخر ومن قطاع الى آخر،فهذا لا ينفي تطور تلك الحاجيات المعيشية حيث تجاوزت المنتجات المادية الى غيرها من متطلبات التعليم والرفاه..وإن تطلب تفسير دورة رأس المال وماهية الفضاء حيث تنتج القيمة وفائض القيمة وماهية الفضاء حيث يتم تحقيقها،بتجزئتها إلى ثلاثة أطوار فإن هذا لا يؤدي إلى نفي طور من الأطوار،مثلا،نفي طور الانتاج بتعلة “انتفاء زمن العمل”وبالتالي”انتفاء قانون القيمة”،وهو ما يؤدي آليا إلى نفي ظاهرة الاستغلال والصراع بين رأس المال والعمل،ويستتبع ذلك رأي حول تغير بنية المجتمع وظهور سحابة اجتماعية جديدة ستقوم بعملية التغيير الثوري بما يلائم عصر السحابة الإلكترونية،يسميها أحدهم”طليعة جديدة”فيما يسميها آخر”طبقة رابعة”.

إن القول ب”انكماش أفق الرأسمالية المعاصرة”،رأي صائب حسب رأيي،لكن لا يذهب إلى حد أنها قد أعادت ترتيب أولوياتها،لأن الأولوية المطلقة تبقى إيجاد حل لتعطل دورة رأس المال،أي البحث عن حل ضد تعطل مراكمة الأرباح.والحل لا يكمن في الاكتناز،ولو ظرفي،لأنه آلية توقف دورة الربح،ولا يكمن الحل أيضا في”إدارة الحياة اليومية للأثرياء”لأنه،كما يقول المثل الشعبي”إجبد إجبد الجبال تتهد”

الخاتمة

بنية رأس المال في حالة تغيٌر مستمرة،والغاية هي التوسع في الانتاج قدر الإمكان ومزيد من التداول لمراكمة الأرباح..وضمان التداول يعني ملائمة العرض والطلب،وهو ما يعني بالضرورة توفر المستهلكين القادرين على الشراء،وهذا غير ممكن في مجتمع ب”لا عمل منتج للقيمة”..

ان يُنعت هذا العصر بهذا أو ذلك من النعوت،أو أن تنعت الفئات والشرائح والطبقات الاجتماعية بإحدى النعوت،فهذا أمر لا يهم كثيرا،لكن أن تنحصر زاوية النظر إلى حد التنظير بانتفاء الصراع الطبقي أو بانتفاء العمٌال من مسرح الانتاج والتداول فهذا ما لا يستسيغه عاقل،لأنه نفي لا لحركة مستقيمة ومنتظمة فقط،بل نفي لكل حركة تاريخية ونفي لمكونات التناقض والصراع،عناوين الحياة والتغيير والحركة،وهو إنكار لعناصر التطور اللولبي التصاعدي وإن كان في اتجاه منظومة زمكانية جديدة أو نحو ثقب أسود شافط.


اكتشاف المزيد من WWW.Eddarb.COM

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليقاً