26 جانفي 1978: لحظة فرز لا تزال مفتوحة..

لم يكن 26 جانفي 1978 “احداث شغب” ولا انفلابا أمنيًا عابرًا كما روّجت السلطة آنذاك, بل كان إضرابًا عامًا وطنيًا دعا إليه الاتحاد العام التونسي للشغل دفاعًا عن الحق النقابي والعدالة الاجتماعية, في مواجهة نظام بدأ يضيق بكل تعبير مستقل عن المجتمع.

كان ذلك أول إضراب عام في تاريخ تونس “المستقلة”، وهو ذروة صراع اجتماعي-سياسي حاد بين سلطة تتجه نحو التصلّب والاستبداد، وحركة عمالية وشعبية رفضت التدجين والاحتواء.

جاء ردّ النظام عنيفًا: جيش في الشوارع، رصاص حي، شهداء وجرحى، اعتقالات ومحاكمات، واستهداف مباشر لقيادة الاتحاد. لم يكن الهدف إعادة “النظام”، بل كسر منظمة اعتُبرت خطرًا لأنها مثّلت آخر تعبير منظم عن إرادة شعبية مستقلة.

26 جانفي 1978 كانت لحظة فرز تاريخي.انقسم خلالها المجتمع بوضوح:بين سلطة استقوت بالسلاح وشعب يدفع ثمن الدفاع عن حقه في التنظيم والاحتجاج.وفي هذا الفرز، سقطت الأقنعة بين من انحاز للقمع، من صمت، ومن تكلّم ودفع الكلفة.

اليوم، وبعد 48 سنة، نعيش فرزًا شبيهًا وإن اختلفت الأدوات والخطابات.فالسلطة لا تواجه الاتحاد بالدبابات,لكنها تسعى الى تحييده او تدجينه او تهميشه او تفكيكه .بالتشويه وبالحصار وبالضغط من الداخل ومن الخارج.ويقدم ذلك,كما في الماضي باسم”انقاذ الدولة” وباسم”المصلحة الوطنية”,فيما يجرم الفعل النقابي ويختزل الصراع الاجتماعي في مسالة “امن”و “استقرار”.

كما في 1978، يتجدّد السؤال,.هل يبقى الاتحاد أداة نضال للشغالين والفئات الشعبية؟ أم يتحوّل إلى شريك صامت في إدارة الأزمة؟ أمالى وسيط اجتماعي يخفف الاحتقان بدل تنظيمه ومواجهته سياسيا؟ .

أزمة الاتحاد اليوم ليست معزولة عن مسار 25 جويلية، بل هي إحدى ساحاته الأساسية. فكل سلطة تسير في اتجاه تركيز القرار وتفريغ السياسة من مضمونها، لا يمكن إلا أن ترى في منظمة شغيلة مستقلة عائقًا يجب تطويعه أو كسره.والتاريخ يعلّمنا أن التراجع عن الموقع لا يحمي الاتحاد، بل يضعفه، ويضعف معه المجتمع كله.

26 جانفي 1978 يذكّرنا بأن استهداف الاتحاد لا يكون إلا حين تعجز السلطة عن فرض خياراتها اجتماعيًا.
ويذكّرنا أيضًا بأن الصمت ليس حيادًا، وأن “التكيّف” الدائم ليس حكمة، بل استنزاف للمنظمة ولمعناها التاريخي.

وكما فضح 26 جانفي أوهام “الدولة الراعية” و”الحوار الاجتماعي المزيّف”, يفضح اليوم أوهام “الاستثناء المنقذ” و”الإصلاح من فوق”.

الميزان واحد، والمعيار واحد.


اكتشاف المزيد من WWW.Eddarb.COM

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد