
راي/برهان27-12-2025
في اللحظات الفاصلة من الصراع الاجتماعي، لا يكون الصمت حيادًا، ولا يكون كل نقد فعل مقاومة. ثمة خطابات تُرفع فيها راية “الجذرية” بينما تؤدّي، موضوعيًا، وظيفة نقيضة: نزع الطابع السياسي عن الصراع، وتحويله إلى ملف أخلاقي داخلي، بما يخدم مسار الإخضاع والتفكيك. ومن هذا الموقع وبالذات يجب قراءة النصّ المعنون بـ“كفى عبثًا.. يجب إنقاذ الاتحاد”. للسياسي “جيلاني الهمامي” والمنشور على صفحته الخاصة فيسبوك بتاريخ 24 ديسمبر2025.
هذا النص، مهما بدا لاذعًا، لا ينتمي إلى تقليد النقد التقدمي، بل يندرج ضمن خطاب جلد ذاتي يُكتب في توقيت بالغ الخطورة، حيث يتعرّض الاتحاد العام التونسي للشغل إلى هجوم منظّم يستهدف دوره ومكانته ووجوده.
يعترف صاحب النص، على استحياء، بأن السلطة تستهدف الاتحاد، لكنه سرعان ما يُفرغ هذا الاعتراف من مضمونه، ليحوّل بوصلته كاملة نحو الداخل. لا نكاد نجد في النص تحليلًا لطبيعة السلطة القائمة، ولا لمسارها الاستبدادي، ولا لسياساتها الاجتماعية المعادية للعمال، ولا لاستراتيجيتها الرامية إلى تحييد آخر قوة منظّمة في البلاد. بهذا المعنى، لا يكون تغييب السلطة مجرّد نقص تحليلي، بل اختيارًا سياسيًا: اختيار تحميل النقابيين مسؤولية ما يجري، وتبرئة السياق العام، وكأن الاتحاد يتفكك من تلقاء نفسه، لا تحت ضغط قمعي ممنهج.
استعمال مفردات وعضية عوض التحليل السياسي في النص (مروءة”، “ضمير”، “شراهة”، “زعامة كاذبة”. وهي مفردات لا تشرح شيئًا، بل تشيطن الأشخاص وتُخفي البُنى. هكذا تُختزل أزمة الاتحاد في “سوء أخلاق” قيادات، لا في: اختلال ميزان القوى بين العمل ورأس المال، ولا في تفكيك منظومة الحماية الاجتماعية، ولا في ضرب الحق النقابي، ولا في سياق ما بعد 25 جويلية حيث يُعاد بناء الدولة على أسس سلطوية. هذا الانزلاق من السياسة إلى الأخلاق هو أحد أخطر أشكال الردّة الفكرية داخل اليسار نفسه.
ان الدعوة الصريحة إلى استقالة المكتب التنفيذي وتسليم “المفاتيح والسيارات” ليست فعلًا ثوريًا، بل طرح عدمي يتجاهل دروس التاريخ النقابي. فالمنظمات العمالية لا تُنقذ عبر الفراغ، ولا يعاد بناؤها عبر الإزاحة الفوقية، خاصة في سياق تُحاصر فيه الحريات ويُجرَّم فيه الإضراب. من يطالب بالاستقالات عليه أن يجيب بوضوح على الأسئلة التالية: من يقود المرحلة التالية؟ بأي برنامج؟ وبأي قدرة على الصدام مع السلطة؟ أما القفز فوق هذه الأسئلة، فهو مغامرة مكلفة لا يدفع ثمنها أصحاب الأقلام، بل القواعد العمالية نفسها.
إن الجيلاني الهمامي، بصفته كاتب هذا النص، يتحمّل مسؤولية سياسية مباشرة عن الخطاب الذي يروّجه. فاختياره مهاجمة الاتحاد من الداخل، في لحظة حصاره، دون بناء موقف صدامي واضح مع السلطة، يضعه موضوعيًا في خانة التقاء المصالح مع خطاب معادٍ للعمل النقابي.
لسنا أمام “رأي شجاع”، بل أمام خطاب: يهوّن من طبيعة الهجوم السلطوي، يشيطن الهياكل بدل تفكيك موازين القوى، ويمهّد نفسيًا وسياسيًا لفكرة أن الاتحاد عبء يجب التخلص منه. وهذا، مهما كانت النوايا، إسهام مباشر في مناخ التفكيك.
والحقيقة التي يحاول هذا الخطاب الالتفاف عليها هي أن الاتحاد، رغم أزماته، ما يزال عقبة حقيقية أمام مشروع إخضاع المجتمع. لذلك يُستهدف.
والنقد التقدمي الحقيقي لا يبدأ بالسؤال: “من يستقيل؟”، بل بالسؤال: كيف نعيد بناء الاتحاد كأداة صراع طبقي؟ كيف نستعيد المبادرة من القواعد؟ كيف نربط المعركة النقابية بالمعركة ضد الاستبداد؟ أما النقد الذي يفصل أزمة الاتحاد عن أزمة النظام السياسي، ويحوّل الغضب المشروع إلى سكين موجهة نحو الداخل، فهو نقد راديكالي في لغته، محافظ في وظيفته.
إن الاتحاد العام التونسي للشغل لا يحتاج إلى خطب تأنيب، بل إلى مشروع نضالي يعيد له دوره التاريخي كقوة اجتماعية مستقلة. وأي خطاب، مهما اشتدّت لغته، لا ينطلق من مواجهة السلطة، ولا يراهن على القواعد، ولا يطرح أفقًا للصراع، هو خطاب يشارك، عن وعي أو عن عجز، في إضعاف آخر حصون العمل المنظّم. وفي هذه اللحظة بالذات، ذلك ليس خطأً نظريًا… بل موقف سياسي كامل المسؤولية
اكتشاف المزيد من WWW.Eddarb.COM
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
