
راي/ برهان 23-12-2025
لم تكن استقالة الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل، نور الدين الطبوبي، حدثًا نقابيًا عاديًا ولا مجرّد خطوة شخصية فرضتها اعتبارات صحية أو تنظيمية، كما يحلو للبعض تقديمها. فالرجل، بحكم موقعه ودوره خلال السنوات الأخيرة، بات جزءًا من معادلة سياسية–اجتماعية أوسع، جعلت من استقالته لحظة كاشفة لأزمة أعمق: أزمة دور الاتحاد نفسه في السياق التونسي الراهن.
منذ 25 جويلية، وجد الاتحاد نفسه في وضعية ملتبسة. فمن جهة، عبّر عن رفضه الصريح لتفكيك الحوار الاجتماعي وتهميش المنظمات الوطنية، ومن جهة أخرى، اختار خطًّا حذرًا تجنّب فيه الصدام المباشر مع السلطة، مراهنًا على التفاوض وعلى ما تبقّى من تقاليد الوساطة الاجتماعية. غير أنّ هذه المراهنة أثبتت حدودها سريعًا، في ظل سلطة لا ترى في الاتحاد شريكًا، بل عائقًا ظرفيًا يمكن الالتفاف عليه أو تحييده.
هنا تحديدًا، تتجاوز استقالة الطبوبي شخصه، لتعبّر عن مأزق خيار كامل داخل القيادة النقابية: خيار إدارة الأزمة بدل مواجهتها، والتكيّف مع موازين قوى مختلّة بدل العمل على تغييرها. فقد وجد الاتحاد نفسه فاقدًا لأوراق الضغط الفعلية، بعد سنوات من استنزاف رصيده النضالي، وتآكل صورته كقوة اجتماعية قادرة على فرض توازن مع السلطة أو الدفاع عن مصالح الشغالين خارج منطق التسويات الدنيا.
في المقابل، لم ينجح هذا الخيار “الواقعي” في حماية الاتحاد من الضغوط. فالقواعد النقابية، خاصة في قطاعات التعليم والصحة والنقل، بدأت تعبّر بوضوح عن شعور متزايد بالخذلان، وعن قناعة بأن القيادة لم تعد تعبّر عن حجم التدهور الاجتماعي ولا عن مستوى الهجوم على الحقوق الاقتصادية والنقابية. وهكذا وجد الطبوبي نفسه محاصرًا بين سلطة لا تعترف بدور الاتحاد، وقواعد لم تعد ترى فيه أداة نضال حقيقية.
لكن الأخطر من ذلك، هو ما تكشفه هذه الاستقالة عن فراغ اجتماعي وسياسي آخذ في الاتساع. فالتحييد العملي للاتحاد، أو دفعه إلى الانكفاء الداخلي، لا يخدم فقط السلطة القائمة، بل يفتح الباب أمام الشعبوية والخيارات الفردانية، ويضعف أي إمكانية لبناء توازن اجتماعي حقيقي في مواجهة السياسات اللاشعبية والتقشفية.
كما أنّ اليسار، بمختلف تعبيراته، يتحمّل جزءًا من المسؤولية. فبدل خوض معركة فعلية من أجل إعادة بناء خط نقابي نضالي مستقل، انزلق في كثير من الأحيان إلى موقع التعليق الأخلاقي أو الاصطفاف الظرفي، دون القدرة على التأثير داخل الهياكل أو تقديم أفق بديل. وهكذا تكرّست أزمة مزدوجة: أزمة قيادة نقابية وأزمة قوى سياسية عاجزة عن تحويل السخط الاجتماعي إلى مشروع تغييري.
إنّ السؤال الحقيقي الذي تطرحه استقالة الطبوبي ليس من سيخلفه، بل أي اتحاد نريد؟ اتحادًا يكتفي بدور الوسيط التقني في زمن القطيعة الاجتماعية، أم اتحادًا يستعيد موقعه التاريخي كقوة دفاع عن الشغالين، وعن السيادة الاجتماعية، وعن الحد الأدنى من التوازن في علاقة المجتمع بالسلطة؟
دون حسم هذا السؤال، ستبقى كل استقالة أو تعيين مجرّد حلقة جديدة في مسلسل إدارة الأزمة، لا في مسار تجاوزها.
اكتشاف المزيد من WWW.Eddarb.COM
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
