الحريات في تونس: لا سيادة مع القمع ولا حرية مع الارتهان..

راي/ برهان19-12-2025

لم يعد الجدال حول الحريات في تونس نقاشًا مبدئيًا حول الحقوق والكرامة الإنسانية، بل تحوّل إلى ساحة اصطفاف وتخوين. فبين من يقدّم الحريات باعتبارها خطرًا على مناعة الوطن، ومن يرفعها شعارًا مجرّدًا ومعزولًا عن سياقها الاجتماعي والاقتصادي، يُدفع التونسيون مرة أخرى إلى خيارات زائفة لا تحلّ الأزمة بل تعمّقها.

يُقال اليوم إن الحريات “ترف” يمكن تأجيله باسم المعركة الوطنية والسيادة، ويُقال في المقابل إن الحريات هي المدخل الوحيد لكل الإصلاحات، وكأن الفقر والبطالة والارتهان للخارج مجرّد تفاصيل ثانوية. في الحالتين، نحن أمام إعادة إنتاج لجدل أصبح وسمًا تونسيًا  خالصًا, على غرار الاستقطاب الثنائي بين “المدني الحداثي” و“الرجعي العميل”، ذلك الاستقطاب الذي وسم الساحة السياسية خلال عشرية السواد.

في تونس، وخاصة منذ 25 جويلية، يُعاد إنتاج هذا الوسم بأقنعة جديدة. تُرفع السيادة لتبرير التضييق على الحريات، وتأجيل الحقوق الأساسية، وتجفيف المجال العام باسم “المرحلة”. ويُطلب من المجتمع الصمت والصبر، بينما تتعمّق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، ويتواصل الانهيار، وتُترك الفئات الشعبية لمصيرها. وفي المقابل، تختزل السياسة في خطاب الحريات المجرّدة، المفصولة عن شروطها المادية والاجتماعية.

غير أن الحريات لا تُبنى في فراغ، ولا تصمد داخل اقتصاد خاضع لمنظومة الارتهان والهيمنة، ودولة عاجزة عن امتلاك قرارها، ومنظومة نهب تُعيد إنتاج الفقر والتهميش. وتحويل الحريات إلى شعار قانوني معزول، دون ربطها بسؤال العدالة الاجتماعية وفقدان استقلال القرار الاقتصادي والسياسي، لا يخدم إلا إعادة تدوير الأزمة.

فالحرية ليست منحة غربية ولا مؤامرة خارجية، كما أنها ليست امتيازًا نخبويًا، بل ثمرة نضال طويل خاضه التونسيون ضد الاستبداد، ودفعوا ثمنه غاليًا. إن التفريط في هذه المكاسب، نكاية بالإمبريالية أو بدعوى الواقعية السياسية، ليس موقفًا وطنيًا، بل تنازلًا عن أحد الشروط الأساسية لأي تحرر حقيقي.

إن المعضلة في تونس ليست الاختيار بين “الحرية أو السيادة”، بل غياب مشروع وطني يربط بينهما. فلا سيادة فعلية مع إنسان مقموع ومهمّش، ولا حرية حقيقية داخل منظومة ارتهان وهيمنة ونهب. أما المقارنة بين “إنسان حر في بلد فاقد لاستقلال قراره” و“بلد حر بإنسان مسحوق” فليست سوى خدعة سياسية لتبرير القمع أو العجز.

إن الدفاع عن الحريات اليوم ضرورة سياسية، لكنه لا ينفصل عن النضال ضد منظومة الارتهان والهيمنة، ومن أجل العدالة الاجتماعية، وبناء دولة ديمقراطية تستمد شرعيتها من شعبها، لا من القمع ولا من الخارج. ، “إما السيادة أو الحرية”، فهي معادلات فاشلة لم تنتج في تاريخنا إلا الهزائم.

ما تحتاجه تونس اليوم ليس مزيدًا من هذا الاصطفاف العقيم، بل فعلًا سياسيًا واعيًا بتعقيد اللحظة، قادرًا على الجمع بين الحرية والسيادة، بين الكرامة والعدالة، وبين الإنسان والوطن.


اكتشاف المزيد من WWW.Eddarb.COM

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليقاً