
شكلت الانتفاضة الفلسطينية الباسلة”انتفاضة أطفال الحجارة” واحدة من أبهى لحظات الكرامة العربية التي اندلعت في 8 ديسمبر 1987، فهزّت وجدان المنطقة وأربكت حسابات العدو، وفتحت مرحلة جديدة في تاريخ المقاومة الفلسطينية.
لم تكن الانتفاضة الأولى حدثًا عابرًا، بل كانت ثورة شعبية شاملة فجّرها الوعي الجمعي لجيلٍ كامل قرّر أن يواجه الاستعمار الصهيوني بأبسط الأدوات وأكثرها رمزية: الحجر.
الانتفاضة الأولى… لحظة التأسيس لوعي مقاوم جديد
أثبتت انتفاضة 1987 أنّ الصراع مع المشروع الصهيوني ليس صراعًا عسكريًا فحسب، بل هو صراع وجودي بين شعب مُستعمَر يسعى للتحرّر، وقوة استعمارية استيطانية تسعى لاقتلاعه. لقد شكّلت الانتفاضة لحظة كسر للنظام الإقليمي العربي المتواطئ أو العاجز، وللسلطة الفلسطينية الرسمية التي لم تكن قد تشكّلت بعد لكنها كانت تبحث عن اعتراف دولي أكثر من بحثها عن تحرير الأرض.
كما كانت الانتفاضة انبعاثًا عفويًا لكنه عميق الجذور للصراع الاجتماعي والسياسي داخل المجتمع الفلسطيني، حيث تداخلت المقاومة اليومية بالعمل النقابي والطلابي والنسائي، لتخلق نموذجًا فريدًا للمقاومة الشعبية التي تتجاوز البندقية دون أن تلغي ضرورتها التاريخية.
من أطفال الحجارة إلى طوفان الأقصى: استمرارية الروح وتحول في أدوات الصراع
بعد 38 عامًا، وفي 7 أكتوبر 2023، دوّى طوفان الأقصى معلنًا بداية طور جديد في مسار التحرّر الفلسطيني. وعلى الرغم من اختلاف الأدوات -من الحجر في شوارع غزة والضفة عام 1987 إلى العمليات المعقّدة التي نفّذتها المقاومة في 2023 – فإنّ الروح واحدة: روح التمرّد على الاستعمار، والإيمان بأنّ إرادة الشعوب أقوى من ميزان القوى العسكري.
ربط الانتفاضة الأولى بطوفان الأقصى ليس مسألة رمزية فقط، بل هو قراءة لواقع مادي تاريخي فانتفاضة1987 فجّرت الوعي الجماهيري ودشّنت مرحلة المقاومة الشعبية . وطوفان الأقصى فجّر تناقضات النظام الدولي وكشف حدود الهيمنة الأمريكية وحجم العجز الصهيوني. الأولى كانت إعلانًا بأن الشعب لن يستسلم مهما طال الاحتلال والثانية كانت إعلانًا بأن المقاومة قادرة على تغيير قواعد اللعبة الإقليمية والدولية مهما بلغ التفوّق التكنولوجي للعدو
ما بين الحجر والصاروخ، وما بين المقلاع والعملية العسكرية، ينتصب خطّ واحد واضح:
أن قضية فلسطين ليست قابلة للإخماد، وأن الشعب الذي يقاوم منذ 75 عامًا يُعيد إنتاج أدواته وأساليبه، لكنه لا يغيّر بوصلته: التحرير.
اليوم: غزة تحت النار وجرح الانتفاضة ما زال مفتوحًا
في حرب الإبادة المستمرة على غزة، يستعيد الفلسطينيون والعرب والعالم جوهر تلك الحقيقة التي كشفتها انتفاضة 1987:
أن الاحتلال يمكنه أن يقتل، أن يدمّر، أن يحاصر، لكنه لا يستطيع إسكات شعب يريد الحياة بكرامة.
وأنّ كلّ محاولات التفكيك، التطبيع، تجريم المقاومة، والابادة والتهجير، فشلت في طمس هذه الحقيقة.
إن صمود غزة اليوم، والانتفاضات المتكررة في الضفة والداخل الفلسطيني، والوعي العربي والدولي المتنامي، كلها تؤكد أنّ انتفاضة 1987 لم تنتهِ، بل تواصلت بأشكال مختلفة، وصولًا إلى موجات المقاومة الحالية.
خاتمة: ديسمبر… والنداء الذي لا يزول
الاحتفال بالذكرى 38 لانتفاضة أطفال الحجارة ليس استعادة لحدثٍ من الماضي، بل هو تجديد للعهد مع مشروع التحرّر، ومع جيلٍ حمل الحجارة ليقول إنّ الشعب ليس قطيعًا، وإنّ المقاومة ليست خيارًا ثانويًا.
وإنّ هذه الذكرى تذكّرنا دائمًا بأنّ قضية فلسطين هي معيار التحرّر العالمي، وأنّ مواجهة الإمبريالية والصهيونية معًا هي شرطٌ لبناء عالم أكثر عدلًا. فالمقاومة ليست فعلًا عسكريًا فحسب، بل هي أيضًا مشروع سياسي واجتماعي وثقافي.
في ديسمبر…
نستعيد الدرس الأول والأبقى:
أن الشعوب التي تصنع انتفاضاتها لا تموت، وأن فلسطين ستظلّ القضية المركزية لكل من يناضل ضد الظلم والاستعمار والرجعية.
اكتشاف المزيد من WWW.Eddarb.COM
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
