في ذكرى ميلاد الشهيد شكري بلعيد..بين ذاكرة الشهداء وازمة الحاضر..

تحلّ ذكرى ميلاد الشهيد شكري بلعيد ( 26نوفمبر 1964 26نوفمبر 2025 )هذا العام في ظروف مثقلة بالقلق والضبابية، وكأنّ السؤال الذي طرحه الرجل قبل اغتياله يعود اليوم أكثر إلحاحًا:

إلى أين تسير تونس؟ .

البلاد تبدو عالقة في مثلث مأزوم: (انسداد سياسي، تدهور اقتصادي، وتآكل اجتماعي. ) وفي هذا المشهد المربك، تكتسب ذكرى ميلاد الشهيد معناها الأعمق: استعادة صوت كان يرفض أن تتحوّل الأزمات إلى قدر مكتوب.

.– حالة انكماش سياسي واضح.. تقلّصت فيه المساحات الديمقراطية، وازدادت فيه حدّة الاستقطاب، بينما تتراجع قدرة النخب على إنتاج حلول واقعية. وفي ظل غياب وتهميش الفاعلين السياسيين، باتت الدولة تتحرك بمنطق منفرد، يرتكز على القرارات الفوقية أكثر من البحث عن توافقات. هذه البيئة المغلقة تتناقض بعمق مع ما ناضل من أجله واستشهد, الامين العام لحزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد شكري بلعيد: (التداول النقدي، وتمايز البرامج بدل تماهيها).

 يقول الشهيد إن الديمقراطية “لا تكتمل بالصناديق فقط، بل بالحرية والمساءلة”. واليوم، تبدو هذه المبادئ في امتحان عسير.

– اقتصاد مرهق ومجتمع منهك.. لا يمكن فصل الأزمة السياسية عن تازم الوضع الاقتصادي والاجتماعي. (تفاقم الأسعار، انهيار المقدرة الشرائية، اتساع مساحات الفقر). ومع الضغط المتزايد من المؤسسات المالية الدولية لفرض سياسات تقشفية، يتقلّص هامش السيادة ، وتزداد الأعباء على الفئات الشعبية. كان شكري بلعيد من أكثر الأصوات وضوحًا في ربط العدالة الاجتماعية بالتحرر الوطنية، مؤكدًا أنّ الاقتصاد الذي يخضع للإملاءات لا يمكن أن يبني دولة عادلة. وما نعيشه اليوم يعيد طرح هذا السؤال الجوهري: كيف يمكن لبلد يبحث عن الخروج من أزمته أن يفعل ذلك على وقع شروط خارجية تُعمّق الاختلال بدل إصلاحه؟

– عودة الهشاشة المجتمعية ..إلى جانب السياسة والاقتصاد، يشهد المجتمع التونسي حالة من الإرهاق غير المسبوقة. ارتفاع منسوب الإحباط، وتراجع ثقة الناس في مؤسسات الدولة. وتظهر بوادر تفكك اجتماعي يتغذى على البطالة وغياب الأفق واتساع الهوة بين الجهات. شكري بلعيد، ابن الأحياء الشعبية والمدافع عن المهمّشين، كان يرى أنّ “ثورة الحرية والكرامة” يمكن أن تتعثر، لكنها لا تموت إذا بقي صوت المطالب الاجتماعية حاضرًا. واليوم، تبدو هذه الأصوات أقلّ حضورًا، وأكثر عرضة للتفكك أمام خطاب التخويف أو اللامبالاة..

 الذكرى كفرصة لا كطقس ..ليست ذكرى ميلاد شكري بلعيد مناسبة بروتوكولية. إنها فرصة لطرح السؤال الذي تهرب منه الدولة والنخب: هل ما زال في الإمكان بناء مشروع وطني ؟. فالشهيد لم يكن مجرد معارض، بل كان حاملًا لمشروع بديل، يربط بين الديمقراطية والعدالة الاجتماعية ومقاومة الرجعية والفساد والهيمنة الخارجية. وهذا الربط الثلاثي هو ما تحتاجه البلاد اليوم أكثر من أي وقت مضى.

.استعادة البوصلة في ذكرى ميلاده.. لا يكفي تمجيد الشهيد في كلمات.. الوفاء الحقيقي له هو أن نستعيد شجاعته في طرح الأسئلة الكبرى، وأن نعيد فتح النقاش حول مستقبل تونس: أي نظام سياسي نريد؟ أي اقتصاد نخوض به معركة التنمية؟ وكيف نصون المكتسبات الديمقراطية ونوسعها بدل التضحية بها؟.

.لقد غادر شكري بلعيد جسدًا، لكنه بقي بوصلة في زمن كثرت فيه المتاهات. والبلاد اليوم أحوج ما تكون إلى تلك البوصلة، لعلّها تعيدنا إلى الطريق الذي حلم به الشهيد: طريق الحرية والكرامة والسيادة والعدالة.


اكتشاف المزيد من WWW.Eddarb.COM

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليقاً