
رأي/مصطفى الجويلي 17–8-2025
في نقاش لأطروحة دكتوراه في الاقتصاد تناولت في جانب منها إشكالية دعم المحروقات في تونس، توجهت الى المترشح، بصفتي عضوا في اللجنة بجملة من الملاحظات. هذه الملاحظات مفادها انه لا يمكن تناول هذه الإشكالية من وجهة نظر التوازنات المالية فحسب كما ان بعض المعطيات المعتمدة فاقدة للمصداقية حيث انها تتناقض مع معطيات أخرى في نفس المجال. قاطعني أحد أعضاء اللجنة قائلا ” انت تعمل في السياسة ونحن هنا في نقاش علمي والمعطيات المعتمدة معطيات رسمية لا يمكن الشك فيها”.
هذا الزميل (وامثاله كثر) مسكون بالفصل الوهمي بين السياسة والاقتصاد كما انه لا يعي ان المعطيات الإحصائية “صناعة بشرية” وان وراء هذه المعطيات منهجية تعكس أراء وتصورات الجهة التي تنتجها. لذلك، من وجهة نظره، تكتسي “المعطيات الرسمية” صبغة “الحقائق المطلقة” التي لا يمكن نقدها او التشكيك فيها.
في احدى الندوات العلمية قدمت مداخلة بينت فيها ان الازمات الغذائية والتبعية الغذائية التي تعاني منها بلدان الجنوب ليست الا نتيجة لهيمنة الاحتكارات العالمية على انتاج وأسواق الغذاء حسب منطق الربح الرأسمالي. في خضم النقاش كان تفاعل أحد الزملاء كالاتي” هذه رؤية ماركسية قديمة قد عفا عنها الزمن ولم تعد صالحة في زمن الاقتصاد الحر”. من الأكيد ان هذا الزميل لم يقرأ في حياته جملة واحدة لماركس والادهى انه لا يعي ان نظرية “الاقتصاد الحر” تعود جذورها الى كتاب آدم سميث “ثروة الأمم” الذي كتبه سنة 1776 أي أكثر من 80 عاما قبل ان ينشر ماركس “مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي” (1859) (الليبرالية أقدم من الماركسية) لذلك فهو يتعامل مع النظريات الاقتصادية كعلب مصبرات محكومة بتاريخ صلوحية.
تذكرت هاتين الواقعتين في سياق الفيديو المتداول على صفحات التواصل والذي رفع فيه “الدكاترة المعطلين عن العمل” شعار “الاتحاد ما يعنيناش وبيانتو ما تلزمناش”. وقد أمعن المتدخل في دحض “تهمة” ان تكون لتحركاتهم علاقة باتحاد الشغل أو بأي طرف آخر. هذا الفيديو اثار العديد من ردود الفعل تراوحت بين الاستغراب من “تدني الوعي” لدى هؤلاء “الدكاترة” الى حد وصفهم بـ “الجهل” و “الرداءة” و “السقوط الأخلاقي”
. بعيدا عن هذه التوصيفات، يمكن ان نبرر هذا التهجم على اتحاد الشغل بانتهازية بعض “الدكاترة المعتصمين” الذين، في سياق مهاجمة السلطة للاتحاد، اعتقدوا ان مثل هذا السلوك قد يجعلهم في قائمة أصدقاء السلطة (ضد الاتحاد) التي قد تفكر جديا في وضعيتهم. لكن الأهم، في نظري، ان هذا السلوك، في جانب كبير منه، نتيجة لسياسة من “الاغباء الممنهج” (ان جاز التعبير) أي نتيجة لمنظومة تعليمية اتسمت بما يمكن ان نسميه ” الاستبداد العلمي” الذي يمنع أي إمكانية للتفكير النقدي وانتاج المعرفة. وسأعتمد فيما يلي مثال تدريس الاقتصاد في الجامعة التونسية.
منذ أواخر ثمانينات القرن الماضي العديد من الدروس مثل “الاقتصاد السياسي” و “أنماط الإنتاج” و ” نظريات التنمية” و “تاريخ الأفكار الاقتصادية” و “نظريات الأنظمة الاقتصادية” وقع الغاؤها أو تهميشها في برامج التدريس الرسمية في كليات الاقتصاد. هذه الدروس التي كانت، الى حد ما، تمكن الطالب من مجال واسع من المعرفة الاقتصادية ومدارسها الفكرية المتعددة وقعت ازاحتها لينحصر تدريس الاقتصاد بالجامعات التونسية على المنهج “النيو ليبرالي” المتمثل في المدرسة “النيوكلاسيكية” (أساسا مدرسة شيكاغو: ميلتون فريدمان، بيكر…)، وبدرجة أقل، المدرسة النيوكاينيزية (ستغليتز، كروغمان…) التي” هذبت” الكاينزية حتى تتلاءم مع الأطروحات النيو ليبرالية.هذا التغيير لم يكن سوى استجابة لهيمنة السياسات النيو ليبرالية التي كانت في حاجة الى غطاء علمي مثلت الجامعة مجالا له.
خلال سنوات دراسته، ما يتلقاه الطالب في شعبة الاقتصاد يتمحور أساسا حول الاتي: الرأسمالية هي النظام الاقتصادي الارقى، المجتمع هو مجموعة من الافراد “العقلانيين” المحكومين في سلوكهم كمنتجين أو مستهلكين بتحقيق مصالحهم الفردية وان السوق الحر، بفضل اليد الخفية لسميث، هو الالية الوحيدة التي تضمن التوافق بين المصالح الفردية والمصلحة العامة (الازدهار، الرفاهة، الشغل، العدالة …). اما السياسات الاقتصادية فهي مجرد “وصفات تقنية” ينتجها “خبراء” قادمين من “جامعات كبرى” أو مؤسسات مرموقة” وتتكفل الدولة بتنفيذها. أما الدولة فهي مجرد “جهاز اداري”، “محايد” تتلخص مهمته في المحافظة على “الموازنات الاقتصادية” وتهيئة الظروف الملائمة لـ “الاشتغال السوي” للسوق الحر.
كما ان تخلف بعض الاقتصاديات يعود الى عدم تخصصها حسب “الميزات التفاضلية” التي تضمن لها تنافسية في الأسواق العالمية وعدم قدرتها على جذب “الاستثمار الاجنبي”. حسب نفس المنطق، تفسر الازمات الاقتصادية بعدم احترام اليات السوق المتمثلة في “مرونة الأسعار والأجور”. على سبيل المثال يعتبر تدخل الدولة لتحديد الأجور او ضغط النقابات لتحسينها منافيا لمبدأ “مرونة التأجير” ويشكل بذلك السبب الرئيسي للبطالة.
عن الإرادة البشرية و فوق كل التناقضات الاجتماعية يتخرج الطالب وهو يحمل وهم انه درس “علم الاقتصاد الصحيح” و “حقائقه المطلقة” ولا يعي ان ما درسه هو فقط بعض أسس النظريات النيو ليبرالية ويجهل ان الاقتصاد كعلم من العلوم الإنسانية يتميز بتنوع مدارسه التي تختلف الى حد التناقض وهو بذلك غير قادر على التفكير خارج النسق النيو ليبرالي.
هذا “الاستبداد العلمي”، كمكون للاستبداد بشكل عام، لا يقتصر على تدريس الاقتصاد فقط، بل يمتد الى باقي الاختصاصات وخاصة العلوم الإنسانية والاجتماعية وهو بمنعه لكل تفكير نقدي لا ينتج “جامعيين” قادرين على انتاج المعرفة. بل ان اغلب “الجامعيين”، ما عدى بعض الاستثناءات النادرة، تحولوا الى مجرد “مفسرين” لما أنتجه غيرهم وأحيانا بشكل رديء ولا يمتلكون ما يمكن ان يقدموه الى طلبتهم. هذا الفراغ المعرفي والعجز عن الإنتاج الفكري كان وراء تفشي بعض السلوكيات المرضية مثل اللهث وراء منح البحث وقبول اطروحات ضحلة لمجرد الحصول على منحة التأطير (وهو ما يفسر الى حد ما هذا الكم الهائل من الدكاترة). بل أن البعض، من خلال هيمنتهم على هياكل البحث ولجان الانتداب والترقية تكفلوا بمهمة التصدي لاي مبادرة للتفكير النقدي معيدين بذلك انتاج نفس الرداءة.
في المقابل لم تكن القلة القليلة والمهمشة من الجامعيين التقدميين قادرة على حمل لواء المواجهة العلمية كما هو الشأن في بعض الجامعات الأوروبية منذ بداية سنوات 2000، حيث تمكنت بعض القوى الطلابية والجامعية من إعادة الاعتبار للفكر النقدي في الفضاء الجامعي.
من ناحية أخرى اقتصرت جل التحركات الطلابية واحتجاجات نقابات التعليم العالي على الجوانب المادية دون الخوض في المسائل المتعلقة ببرامج ومناهج التدريس والبحث العلمي.
يبدو ان لا أحد كان يدرك ان هذا “الاستبداد العلمي” سينتج كائنات “لا سياسية” ومعادية لكل اشكال التنظم.
في الحقيقة لا يمكن الحديث عن “جامعة” في تونس، بل ان ما يسمى جامعات ليست في الواقع الا مؤسسات تعليم عالي يقتصر دورها، كحلقة عليا في المنظومة التعليمية، على التكوين في علاقة بمتطلبات سوق الشغل. اما الجامعة، فإلى جانب التكوين، فإنها تولي الحيز الأكبر للبحث العلمي وتكون مهمتها الرئيسية انتاج المعرفة ونشرها وتثمينها في علاقة بقضايا المجتمع. هذه المهمة تتطلب شرطيين أساسيين: أولا ان يكون المدرس او الجامعي في حد ذاته منتجا للمعرفة التي ينقلها لطلبته بما يضمن “التراكم المعرفي” من جيل الى أخر. اما الشرط الثاني فيتمثل فاعتماد مناهج التدريس على النقاش والتناظر بين مختلف وجهات النظر والتشجيع على التفكير النقدي والتشكيك في الأفكار المسبقة. بذلك يتحول الطالب من مجرد متلقي او مستهلك للنتائج العلمية الى مساهم فعلي في انتاج المعرفة بما يمكنه من اكتساب المعرفة ونقدها وتجاوزها الى معرفة أرقى. وبذلك أيضا، لا تنتج الجامعة مجرد “موظف” أو “عون تنفيذ” بل مواطنا حرا منخرطا في قضايا مجتمعه.
في ضل “الاستبداد العلمي” الذي تتسم به مناهج التعليم العالي، أصبحت ما نسميها “جامعاتنا” مقبرة للعقول. وليس من المستغرب ان يصدر عن “الدكاترة” مثل هذا السلوك تجاه اتحاد الشغل. فهؤلاء الذين قضوا سنوات في مدارج الجامعة هم نتاج لمناهج تعليمية تعتمد على التلقين بدلاً من التفكير النقدي والتحليل وانجزوا جل بحوثهم بمعزل عن الواقع. تخرجوا من الجامعة يحملون “شهادة الدكتوراه” ومعها وهم انهم “نخبة علمية” فوق المجتمع و “مشاكله التافهة” التي لم يتعرضوا لها في مسار دراستهم. لكنهم اصطدموا بواقع منظومة تعليمية فاشلة وسلطة خاضعة لإملاءات المؤسسات المالية العالمية. لذلك فانهم اخر المسؤولين عما اقترفوه في حق اتحاد الشغل.
اكتشاف المزيد من WWW.Eddarb.COM
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
