فرانشيسكا ألبانيز.. او صوت القانون في وجه الإبادة..

في خضمّ الطواطؤ والصمت الدولي المريب حيال المجازر الصهيونية المتواصلة في قطاع غزة منذ 7 أكتوبر 2023, برزت فرانشيسكا ألبانيز,المقرّرة الخاصة للأمم المتحدة بشأن أوضاع حقوق الإنسان في الأرضي الفلسطينية المحتلة, كأحد أبرز الأصوات الحقوقية التي عرّت الجريمة الصهيونية ووصفتها بوضوح بأنها إبادة جماعية.

مواقف ألبانيز من العدوان الصهيوني على غزة, من حيث أسسها القانونية، وأبعادها السياسية, وضع المقررة الاممية, في موقع استهداف شخصي من قبل العدو و الدول الداعمة له, وعلى رأسها الولايات المتحدة.

توصيف الإبادة: القانون في مواجهة التواطؤ

منذ اللحظة الأولى لاندلاع العدوان على غزة في 7 أكتوبر 2023, حرصت فرانشيسكا ألبانيز, بصفتها المقرّرة الخاصة للأمم المتحدة بشأن حقوق الإنسان في الأرضي الفلسطينية المحتلة, على عدم الاكتفاء بتوصيف عام للجرائم المرتكبة, بل سعت إلى تأصيل قانوني دقيق لما يجري. ففي تقريرها الصادر في مارس 2024 تحت عنوان “تشريح إبادة” , أكدت أن هناك “ما يبرر الاعتقاد بأن العتبة القانونية لارتكاب جريمة الإبادة قد تم تجاوزها”, مستندةً إلى اتفاقية منع جريمة الإبادة ومعاقبتها لعام 1948, والتي تُعرّف الإبادة بأنها أفعال تُرتكب “بنية تدمير جماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية, كليًا أو جزئيًا”.

وقد أشارت ألبانيز إلى أنّ السلوك الصهيوني يجمع المؤشرات الثلاثة الجوهرية للإبادة: القتل الجماعي, إلحاق الأذى الجسدي والنفسي البالغ, وفرض ظروف حياة تؤدي حتما إلى التدمير. بل إن ألبانيز ذهبت إلى ما هو أبعد من التوصيف القانوني, لتضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته الأخلاقية والسياسية, قائلة:

“عندما نفهم ما فعلته “إسرائيل”, سنشعر بالخجل… لكن سيكون قد فات الأوان”.

هذا التوصيف لم يكن مجرد اجتهاد فردي, بل اعتمد على تقارير ميدانية, وشهادات موثقة, وتحقيقات مستقلة, ما جعل موقف ألبانيز يتجاوز الخطاب الرمزي إلى اتهام قانوني صريح لدولة عضو في الأمم المتحدة بارتكاب جريمة إبادة, وهو ما شكّل سابقة نادرة في تاريخ المنظمة.

اقتصاد الإبادة: حين تصبح الجريمة مربحة

في إحدى أكثر مداخلاتها إثارة للانتباه, قدمت فرانشيسكا ألبانيز في خطابها أمام مجلس حقوق الإنسان في جوان 2025، تشخيصًا غير تقليدي لطبيعة العدوان الصهيوني على غزة, مؤكدة أن الجرائم المرتكبة لا تُفسَّر فقط باعتبارات سياسية أو أيديولوجية, بل أيضًا باعتبارات اقتصادية بحتة. ففي ما سمّته بـ”اقتصاد الإبادة”, أشارت إلى أن الاحتلال تحوّل من مجرد منظومة استعمارية إلى منظومة إنتاج للعنف المربح, قائلة:

“إذا لم تتوقف الإبادة, فليس فقط بسبب اقتصاد الاحتلال, بل لأن اقتصاد الاحتلال تحوّل إلى اقتصاد إبادة… لبعضهم, الإبادة مربحة”.

هذا التوصيف يحمل دلالات خطيرة, إذ يسلّط الضوء على شبكة واسعة من الشركات العسكرية والتكنولوجية والمالية التي تستفيد بشكل مباشر من الحرب على غزة, وتروّج للأسلحة والتقنيات “المجرَّبة ميدانيًا” على أجساد الفلسطينيين, كما أظهرته تقارير موثّقة لمنظمات دولية.

وفي هذا السياق, دعت ألبانيز إلى توسيع دائرة المساءلة القانونية لتشمل ليس فقط الفاعلين العسكريين والسياسيين, بل كذلك الشركات والمستثمرين الذين يربحون من استمرار الجريمة.

إن مفهوم “اقتصاد الإبادة” يعيد توجيه بوصلة التحليل الحقوقي من التركيز الحصري على المسؤولية الجنائية المباشرة, إلى تحليل البنية الرأسمالية الاستعمارية التي تجعل من الحرب على الفلسطينيين صفقةً مربحة لمجمّع صناعي–عسكري–مالي عالمي. وهنا, يتداخل البعد الأخلاقي مع القانوني, ليفتح أفقًا جديدًا لمحاسبة منظومة الربح من الجريمة, لا فقط منفذيها.

استهداف المقرّرة الأممية: عندما تصبح الحقيقة خطرًا

لم تمضِ أشهر على تصاعد لهجة فرانشيسكا ألبانيز في توصيف الجرائم الصهيونية في غزة بالإبادة الجماعية, حتى واجهت هجومًا غير مسبوق من الدولة, الراعي الأول للكيان الصهيوني: الولايات المتحدة الأمريكية.

ففي جويلية 2025، فرضت الادارة الأميركية عقوبات مباشرة على ألبانيز, شملت تجميد أصولها, ومنعها من دخول أراضي الولايات المتحدة,. في سابقة تُعد الأولى من نوعها في تاريخ تعامل واشنطن مع مسؤول أممي في موقعها.

وقد برّرت الإدارة الأميركية هذه الخطوة باتهام ألبانيز بـ”التحيز الممنهج ومعاداة السامية”, لكن الأخيرة ردّت بحزم, معتبرة أن العقوبات تمثّل “إعلانًا ضمنيًا عن الذنب”, لا دفاعًا عن القانون, وقالت في تصريح واضح:

“هذه العقوبات ليست دليلًا على خطئي، بل دليل على أنني كشفتُ الجريمة. من يهدّد بالإبادة هو من يخشى صوت الحقيقة”.

هذا الهجوم لم يكن معزولًا، بل جاء في سياق حملة أوسع لتقويض الأصوات الأممية المستقلة التي تُدين الجرائم في غزة. ومع ذلك, فإن ردود الفعل الدولية والحقوقية جاءت داعمة لألبانيز. فقد أصدرت منظمات كبرى مثل هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية (أمنستي) بيانات تدين العقوبات الأميركية, معتبرة أنها تهدد استقلالية منظومة حقوق الإنسان الأممية.

وتكشف هذه الواقعة ,عن حدود استقلالية النظام الدولي الحالي, بل وتحوله في كثير من الحالات إلى أداة بيد القوى الكبرى التي تستخدم ثقلها السياسي والمالي لتصفية الحسابات مع من يجرؤ على تسمية الأشياء بمسمياتها. ومع ذلك، فإن رفض ألبانيز التراجع عن توصيفاتها, واستمرارها في إصدار تقارير توثيقية دقيقة, جعل منها صوتًا أخلاقيًا وقانونيًا لا يمكن تجاهله, حتى من قبل خصومها.



اكتشاف المزيد من WWW.Eddarb.COM

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليقاً