
د.سمير دياب*16-06-2025
يعتمد نتنياهو على إقنناص الفرص بالحروب والإبادة لفرض مشروعه الصهيوني الكبير في المنطقة، منذ السابع معركة طوفان الاقصى في اكتوبر عام 2003. مع حرصه الشديد على تمتين العلاقة وتعزيز الشراكة مع الاميركي قبل قيامه بحروبه العدوانية السابقة في غزة ولبنان والمنطقة لغاية عدوانه الحالي على إيران الذي بدأ قبل ثلاثة أيأم، تحت أسم “عملية الأسد الصاعد “.
لم يفك نتنياهو بعد عقد طموحاته الشخصية . ولم يستطع بعد أن ينقذ رقبته من حبل مشنقة أزمته الداخلية. بالرغم من همجية حرب الإبادة الجماعية على غزة، ووحشية الإعتداءات المستمرة على لبنان وسوريا واليمن. ويبدو أن الأزمة داخل الكيان الصهيوني تتأثر بالحالة، فكلما تراجعت ضغوط الحرب تتقدم أزمة نتنياهو . وهذا مؤشر ودليل على فشله في تحقيق أهدافه الحربية . لذلك، يأتي عدوانه الإرهابي الحالي على إيران في سياق الهروب إلى الأمام لتصعيد الصراع في المنطقة وإغراقها في حرب إقليمية شاملة، ما يكرس موقعه ويحقق تفوقه في اللعبة الاقليمية قبل أن تتحول إيران إلى قوة نووية وتحتل موقعها الاقليمي والدولي المتقدم.
من جهته، ترامب، الغارق بعظمته، أعطى الضوء الأخضر لنتنياهو بالهجوم لفترة محددة على إيران لضرب النووي وشل القيادة العسكرية، بهدف إنتزاع صفقة بشروطه الكاملة مع إيران، وتكون بمثابة وثيقة استسلام غير معلنة للإميركي. بمعنى، مقايضة بقاء النظام بدولة منزوعة من النووي والباليستي والتخلي عن القضية الفلسطينية.. والخلاصة، نتنياهو أدخل المنطقة وأبعد في لعبة متفجرة خطيرة قد تجر إلى حرب إقليمية شاملة.
حتى اللحظة، من المبكر وضع مقياس للربح والخسارة فالمعركة بدأت لتوها. فالعدو الصهيوني الذي تخطى كل المحظورات وفاجأ إيران في الضربة الاولى لم يحقق أهدافه كما أراد لها أن تكون صادمة وقوية مزلزلة التي استهدفت تدمير المنشآت النووية وضرب القيادة العسكرية. قد تفاجأ بدوره من سرعة الرد الإيراني وضرباته المتتالية التي زلزلت أمنه ومواقعه العسكرية ومنشآته. بالرغم من بعد المسافة، والقبب الحديدية، والفارق الكبير في مستوى التسليح والتكنولوجيا والاقمار الاصطناعية ونشاطية الاستخبارات الاميركية وغيرها لصالح العدو الصهيوني.
هذا الرد الإيراني السريع والحازم، ومواقفه السياسية والعسكرية المعلنة ضد العدو الصهيوني والأميركي في حال ثباته واستمراره لفترة من الوقت سيعيد دون شك جدولة حسابات مآل الحرب من جديد. إما على قاعدة البحث الاميركي عن مخرج، أو الدخول مباشرة في المعركة لكسر التوازن الراهن.
في حال إثبات توازن الردع، فإن عودة الإيراني الى طاولة المفاوضات النووية ستكون مختلفة بأجندتها وشروطها وضماناتها الدولية. أما في حال توسيع دائرة الحرب ودخول الاميركي على الخط بشكل مباشر، فإن تبعات هذا الامر خطيرة ومفتوحة على احتمالات مقلقة جداً منها : إغلاق وتعطيل حركة مرور السفن في مضيق هرمز وممرات البحر الاحمر.اشعال المنطقة، وإستهداف القواعد العسكرية الاميركية في الخليج والمنطقة، وإستنفار دولي، وتداعيات إقتصادية عالمية على أسعار النفط والتجارة الدولية. في وقت، تتعمق أزمة الرأسمالية العالمية والركود الاقتصادي يحوم حولها. ما يعني أن توسيع الحرب سيفتح الأبواب على احتمالات خطيرة لا تتعلق برغبة أو قرار نتنياهو وترامب في إضعاف إيران او إسقاط النظام فيها، بقدر ما يتعلق بمصالح القطبيات والدول الكبرى وحساباتها ومصالحها ومدى تأثير ذلك عليها في معركة المواجهة المستمرة مع ترامب وحروبه السياسية والتجارية الكارثية منذ تسلمه موقع الرئاسة الثانية.
لقد سرّع نتنياهو، مرة أخرى، من وتيرة الأزمة في الشرق الأوسط. فالحرب الاقليمية التي تأجلت من الطرفين، فعلها نتنياهو مجدداً بإستهداف رأس “محور الممانعة” مباشرة، بعد الاستفراد بساحات المحور من غزة ولبنان وسوريا، ساحة وراء ساحة بعدوانية وحروب إبادة جماعية وحشية وتدمير حاقد، وبأهداف مشتركة واضحة مع الإمبريالية الاميركية للقضاء على قوى المقاومة والممانعة، وتصفية القضية الفلسطينية وتهجير الشعب الفلسطيني لإستكمال فرض السيطرة التامة على منطقة “الشرق الأوسط الجديد”. لكن، من يرسم خارطة جديدة للمنطقة ويبدأ بحرب إقليمية لايمكن أن يتحكم بنهايتها.
نحن، لنا ، في هذه الحروب نتعلم من العِبر والدروس. وأهمها أن المشروع الاميركي – الصهيوني واحد لا يتجزأ. وأن لا حول ولا قوة بشفاء أنظمة البؤس والقمع والتطبيع والتبعية العربية من مرض الذل والخيانة الوطنية والقومية.
وان الدرس الوحيد المفيد، وبالتجربة الملموسة، تجسد في الصمود والمقاومة الوطنية في غزة والضفة ولبنان، وفي مدى دعم شعوبنا العربية وقواه اليسارية والتقدمية والديمقراطية للشعب الإيراني في مواجهة العدوان الصهيوني- الاميركي الوحشي ، وفي مدى التصاقه بقضيته المركزية الفلسطينية وبحقوق الشعب الفلسطيني كاملة، وبمعركة التحرر الوطني.
فالعدوان الصهيوني والإمبريالي الاميركي الاستعماري يطال المنطقة برمتها. والضرورة التاريخية تقتضي مواجهة هذا المشروع بقوة وصلابة وإرادة وطنية جامعة للنهوض بمشروع وطني تحرري ثوري، بمقاومته الوطنية الشاملة للتحرر الوطني والطبقي.
*د.سمير دياب:منسق اللقاء اليساري العربي
اكتشاف المزيد من WWW.Eddarb.COM
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
