الفيتو الأميركي… غطاء دبلوماسي لحرب الإبادة في غزة

راي/ برهان احمد07-06-2025

منذ اندلاع الحرب العدوانية على غزة في 7 أكتوبر 2023، والتي سرعان ما تحولت إلى حرب إبادة ممنهجة ضد المدنيين الفلسطينيين، وقفت الولايات المتحدة موقفاً حاسماً لا لبس فيه: دعم مطلق للكيان الصهيوني سياسياً وعسكرياً، بل وديبلوماسياً عبر استخدام متكرر لحق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن الدولي. هذا الدعم تجاوز حدود الانحياز التقليدي، ليبلغ مستوى التواطؤ الصريح في جرائم الحرب والإبادة الجماعية وفق القانون الدولي.

خمس فيتوهات… وغطاء للقتل

استخدمت واشنطن الفيتو خمس مرات خلال أقل من عام، لإجهاض مشاريع قرارات دولية كانت تدعو إلى وقف إطلاق النار أو السماح بوصول المساعدات الإنسانية. أول هذه الفيتوهات جاء في 18 أكتوبر 2023، حين عرقلت الولايات المتحدة مشروع قرار برازيلي يدعو إلى “وقف إنساني”، متذرعة بأنه لم يتضمن ما يكفي من التأكيد على “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها”.

ثم توالت الفيتوهات بوتيرة متسارعة، من ديسمبر 2023 إلى فيفري ومارس 2024، وصولاً إلى آخر فيتو في جوان 2025، حين أسقطت واشنطن قراراً يدعو إلى وقف دائم وفوري لإطلاق النار ورفع الحصار عن المساعدات الإنسانية، رغم الدعم الواسع من بقية أعضاء المجلس.

خطاب مزدوج… ووقائع ميدانية

تبرر الإدارة الأميركية مواقفها بأنها تسعى إلى “حل دائم” لا “وقف مؤقت للقتال”، لكن الوقائع على الأرض تكشف ما هو أبعد من خطاب الدبلوماسية المضلل. فالدعم الأميركي للكيان الصهيوني لم يقتصر على تعطيل قرارات دولية، بل تضمن تسريع شحنات الأسلحة، وتوفير دعم استخباراتي، بل وحتى تسويغ سياسي وإعلامي للجرائم المرتكبة بحق المدنيين الفلسطينيين.

وقد تجاوز عدد الشهداء في غزة حتى منتصف 2025 أكثر من 54 ألفاً، غالبيتهم من النساء والأطفال، فيما دُمّرت البنية التحتية للقطاع، بما في ذلك المستشفيات والمدارس ومخيمات النازحين، وسط مجاعة متفاقمة وموجات نزوح قسري.

من فيتو الحماية إلى التواطؤ

ما تفعله واشنطن لا يمكن اختزاله في مجرد انحياز جيوسياسي لحليف تقليدي، بل هو تواطؤ ممنهج يعطل آليات القانون الدولي، ويمنح الغطاء السياسي والدبلوماسي لكيان استعماري استيطاني يرتكب جرائم موثّقة ضد شعب أعزل.

الولايات المتحدة، بوصفها عضواً دائماً في مجلس الأمن، لا تستخدم الفيتو هذه المرة للدفاع عن مصالح استراتيجية فحسب، بل لتقويض أي محاولة دولية لوقف جريمة إبادة جماعية تجري أمام أنظار العالم.

فشل أخلاقي أم استراتيجية ثابتة؟

يرى كثير من المحللين أن الموقف الأميركي ليس انزلاقاً أخلاقياً عابراً، بل ترجمة لاستراتيجية راسخة ترى في التفوق الصهيوني ضمانةً لهيمنة واشنطن على مفاصل الشرق الأوسط. غير أن ما تكشفه حرب غزة هو ثمن هذا التحالف: دعم الإبادة، وتدمير فرص السلام، ونسف ما تبقى من شرعية أخلاقية للقيادة الأميركية على الساحة الدولية.

في الحصيلة، لم يكن الفيتو الأميركي سوى رصاصة دبلوماسية تُطلق من نيويورك لتمنح الغزاة في غزة مزيداً من الوقت والغطاء لاستكمال حرب إبادة ممنهجة. وفي ظل صمت دولي مشلول، يتحول مجلس الأمن من منصة لحفظ السلم العالمي إلى أداة في يد القوة العظمى لشرعنة القتل، ما يطرح أسئلة وجودية حول مصير النظام الدولي نفسه.


اكتشاف المزيد من WWW.Eddarb.COM

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليقاً