قراءة في القانون الجديد حول تنظيم عقود الشغل ومنع المناولة

الدكتور مصطفى الجويلي 29-05-2023

صادق مجلس النواب يوم الأربعاء 21 ماي على مشروع القانون المتعلق بتنظيم عقود الشغل ومنع المناولة والذي نشر بالرائد الرسمي عدد 61 لسنة 2025 تحت القانون عدد 9 لسنة 2025. هذا القانون الذي اعتبره البعض “مكسبا ثوريا” واتهم كل من انتقده بالمعاداة للعمال أو بالمزايدة السياسية. لكن قبل تناول القانون في تفاصيله لا بد، ردا على بعض التدوينات، من ابداء الملاحظات التالية:

·         تاريخيا، في نضالها ضد الاستغلال الرأسمالي، حققت الحركة العمالية العديد من المكاسب دون ان تتجاوز أو تلغي علاقات الإنتاج الرأسمالية. لم تنتظر الطبقة العاملة بناء الاشتراكية حتى تفرض يوم عمل بثماني ساعات ولا إرساء دكتاتورية البروليتاريا حتى تفرض العطل السنوية والمرضية أو تحسن من مستويات التأجير. أي ان المكاسب تقيم على أساس مساهمتها في تحسين ظروف عيش العمال وشروط نضالهم وما يراكمونه من وعي في مسار نضالهم من أجل تحقيقها.

·         القوانين لا تغير الواقع، بل تستجيب لمتطلباته ومتغيراته. على سبيل المثال، لم تنتشر اشكال العمل الهش في تونس بفعل تنقيحات مجلة الشغل لسنة 1996، بل كانت نتيجة لمتطلبات التراكم الرأسمالي العالمي والخيارات النيو ليبرالية التي اخضعت تونس، كغيرها من اشباه المستعمرات، لهذه المتطلبات. ولم تكن مجلة الشغل لسنة 1996 سوى تقنينا وتثبيتا لهذه الاشكال الجديدة من العمل.

·         مما لا شك فيه ان العمل بعقود محددة المدة والمناولة تشكل أكثر الاشكال وحشية في استغلال قوة العمل. لكن السؤال الذي يطرح في علاقة بهذا القانون ليس ان كنت مع او ضد المناولة. السؤال الحقيقي هو: في ضل الخيارات الاقتصادية القائمة واشكال الانخراط في الاقتصاد الرأسمالي العالمي هل يمكن ان يتحول هذا القانون الى مكسب فعلي للعمال؟ الإجابة على هذا السؤال تقتضي فهم السياق التاريخي الذي نشأت فيه اشكال العمل الهش وإمكانات تجاوزها في الواقع.

·         القوانين لا تقرأ في عناوينها الكبرى، بل في تفاصيلها. كثيرة هي القوانين التي صدرت تحت عناوين “براقة” ولكن في تفاصيلها لا تتجاوز إعادة انتاج القوانين القديمة بصياغات مختلفة

السياسات النيو ليبرالية وتفشي أشكال العمل الهش

مثلت اشكال العمل الهش (العمل الوقتي، المناولة، العمل المنزلي …) احدى سمات الرأسمالية منذ أواخر سبعينات القرن الماضي في ضل أزمة مزدوجة (ازمة تراكم وازمة فوائض انتاج) شكلت السياسات النيو ليبرالية إجابة لها. وقد جاءت هذه الازمة وتعمقت في سياق أتسم بـ  

·         التغير المتواصل في التركيبة العضوية لرأسمال نتيجة للتطور التكنولوجي الذي أدى الى ارتفاع نسبة الرأسمال الثابت مقارنة بالرأسمال المتغير وهو ما يعني خلق جيش من العاطلين (جيش الاحتياط كما يسميه ماركس).

·         هيمنة راس المال المالي الذي يجني أرباحه عبر المضاربة (المراكمة بدون انتاج) وهو راس مال غير منتج أي لا يخلق فرص عمل مما يساهم في تضخيم جيش الاحتياط.

·         ظهور شكل جديد من الاحتكارات المعروفة بالاحتكارات العمودية (سلاسل القيمة) التي تعتمد على تجزئة الإنتاج بين الفضاءات الجغرافية والمناولة. هذا بالإضافة الى أن المنافسة بين هذه الاحتكارات لا تعتمد على الأسعار، بل على القدرة على التحكم في كلفة الإنتاج.

الا ان التحكم في كلفة الإنتاج يتطلب في جزء كبير منه التحكم في كلفة قوة العمل وذلك عبر اخضاعها بالكامل لمنطق السوق أي منطق العرض والطلب وذلك بالغاء كل القوانين التي كانت تحمي العمال وتضمن لهم العمل القار والحد الأدنى من الاجر. وقد مكن وجود وتضخم جيش العاطلين عن العمل (الذي يجعل العرض أكبر من الطلب بشكل دائم) راس المال من الضغط المتواصل على الأجور.  من ناحية أخرى امام المنافسة وحالة اللااستقرار التي تميز الأسواق العالمية نتيجة المضاربة وتراكم فوائض الإنتاج كان لا بد من ربط التشغيل بالحاجيات المباشرة للشركات الرأسمالية أي ربط الطلب على العمل بالطلب على السلع والبضائع. في هذا السياق شكلت ” مرونة التشغيل” أحد الركائز الأساسية للسياسات النيوليبرالية. في بلدان المركز الرأسمالي، أدى ذلك الى الغاء كل التشريعات الضامنة “للعمل القار” وظهور أشكال جديدة من “العمل الهش” مثل العمل الموسمي والعمل لمدة معينة والعمل المنزلي ….هذه الاشكال الجديدة، بالإضافة الى تمكين راس المال من الضغط على كلفة قوة العمل، اضعفت الى حد كبير قدرة العمال على التنظم والدفاع عن مصالحهم. وقد تفاقم الوضع أكثر مع «سلعنة المعرفة” (marchandisation du savoir) التي أدت الى ظهور “قطاع تكنولوجي” تهيمن عليه الاحتكارات الكبرى (مايكروسوفت، أمازون، غوغل….) التي تراكم الأرباح دون الحاجة الى انتاج مادي والتي ساهمت في التقليص من الحاجة الى العمل المباشر وبالتالي تضخم جيش المعطلين عن العمل. في ضل تفاقم البطالة و “اختلال التوازن” الدائم بين العرض والطلب ظهر “الوسطاء” أو “شركات المناولة” التي تراكم أرباحها من خلال المتاجرة باليد العاملة.

طبعا لا يمكن أن نتصور أن يستثمر الرأسمال العالمي في اشباه المستعمرات خارج نفس المنطق، منطق الهيمنة الاستعمارية والتقسيم الدولي للعمل، لذلك ارتكزت السياسات النيو ليبرالية على رفع القيود امام حركية البضائع ورأس المال مقابل تقييد حركة الأشخاص (أي اليد العاملة). وتهدف هذه السياسات الى تمكين الرأسمال العالمي من تصريف بضائعه والسيطرة على الثروات الطبيعية والاستثمار مع ضمان وجود احتياطي من اليد العاملة غير المؤهلة والرخيصة. لذلك ارتكزت اقتصاديات اشباه المستعمرات على التصدير وجلب “الاستثمار الأجنبي” وهو ما يتطلب ضغطا متواصلا على كلفة قوة العمل شكلت “مرونة التشغيل” أداة له ومدخلا لتفشي اشكال العمل الهش.

في تونس، شكل قانون افريل 1972 مقدمة لإرساء ما سمي ﺑ “المنوال التصديري” الذي يتمثل في استقدام الحلقات الدنيا من الصناعة الرأسمالية عبر استيراد الأجزاء المصنعة وتركيبها محليا اعتمادا على يد عاملة غير مؤهلة ومتدنية الأجر ثم إعادة تصديرها من جديد. أدى هذا القانون الى ظهور ما يسمى بـ ” المؤسسات المصدرة” التي تشتغل في إطار المناولة لحساب الشركات المتعددة الجنسيات.  الا ان هذه المؤسسات لا تمتلك أي قدرة في تحديد مخططات انتاجها، بل تقتصر مهمتها على تلبية (بأقل كلفة) طلبات الشركات المتعددة الجنسيات المرتبطة بدورها بتقلبات الأسواق العالمية مما يجعل الطلب على العمل متغيرا من فترة الى أخرى. كان هذا مدخلا للعمل الهش، أي لمدة معينة، في قطاع الصناعة.

لا يختلف الامر في قطاع الفلاحة الذي يعتمد بشكل كبير على العمل الموسمي. وان كان هذا الشكل من العمل يرتبط في ظاهره بموسمية النشاط الفلاحي فانه يرتبط أساسا بالتوزيع غير العادل للأرض. ذلك ان حوالي 75 % من الفلاحين يحتكمون (ملكا او عن طريق التسويغ) على مستغلات لا تتجاوز مساحتها 10 هك لا تمكنهم من تأمين دخل يفي بحاجياتهم. هذا الوضع يدفعهم للعمل كأجراء وقتيين لدى كبار الفلاحين.

اما القطاعات الأخرى التي انتشر فيها العمل الهش (الوقتي) فهي أساسا الصناعات الغذائية والسياحة. بالنسبة للصناعات الغذائية، بالإضافة الى موسمية الإنتاج الزراعي والبحري وتوجيه جزء هام منه الى التصدير، يعود انتشار العمل الموسمي في هذه الصناعات الى ارتباطها بالأسواق العالمية لتوريد مستلزمات الإنتاج وتصدير انتاجها. أما بالنسبة للسياحة، فان اعتمادها على اليد العاملة الموسمية يعود الى طابعها الشاطئي- الريعي واعتبارها من طرف الدولة فقط كمصدر للعملة الصعبة وهو ما جعلها “سياحة كمية” (tourisme de masse) شكل الضغط على الأسعار وبالتالي على الكلفة (وجزءها الأهم كلفة اليد العاملة) شرطا لاستمرارها.

هذا الوضع تفاقم أكثر مع برنامج الإصلاح الهيكلي (1986) ذو الطابع النيوليبرالي الذي عمق اقتصاد المناولة والنزعة التصديرية والاعتماد على الأجور الزهيدة والعمل الهش، تحت مسمى مرونة التشغيل، كشرط له.  تدعم هذا التوجه الليبرالي بالانخراط في منظمة التجارة العالمية وإمضاء اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي وإصدار مجلة الاستثمار سنة 1994. ولم تكن مجلة الشغل لسنة 1996 الا تثبيتا وتقنينا لهذا الواقع خدمة لمصالح الرأسمال العالمي والكمبرادور المحلي المرتهن به.

أما “مناولة اليد العاملة” فقد برزت أوّلا في القطاع العام، في سياق سياسات التقشف والخوصصة والتقليص من حجم المشتغلين في القطاع العام. وقد فسح الأمر 49 المؤرخ في 16 جانفي 1996، المجال أمام الإدارات والمؤسسات والمنشآت العمومية للتخلي عن بعض المهام التي لا تدخل ضمن أنشطتها الأصلية لفائدة شركات خاصة في إطار المناولة وهي اساسا الحراسة والتنظيف والتكوين والرسكلة.  في ضل تفاقم البطالة، شكل ذلك مدخلا لتزايد عدد الشركات المتخصصة في المناولة باليد العاملة بشكل كبير لتشمل أيضا القطاع الخاص.

لا توجد معطيات دقيقة حول حجم مناولة اليد العاملة في تونس وتشير التقديرات الى وجود ما بين 200 و300 شركة مناولة التي تستغل ما يناهز 230 ألف عامل 20 % منهم في القطاع العام و80 % في القطاع الخاص وتشمل هذه المناولة أساسا عمال الحراسة والنظافة والمعينات المنزليات. اما المؤسسات المعتمدة على المناولة فهي أساسا الشركات البترولية والمساحات التجارية الكبرى وشركات الاتصالات. ومنذ 2016 وفي إطار تطبيق برنامج تأهيل القطاع المالي والبنكي (الممول من طرف البنك العالمي) برزت المناولة في البنوك وشركات التأمين الخاصة عبر انتداب اطارات بعقود مناولة عن طريق شركات توظيف ترتبط بعقود اسداء خدمات مع المؤسسات المالية. ورغم الاتفاقيات المتعددة التي ابرمت بعد 2011 بين الدولة والاطراف الاجتماعية (2011 و2020 و2023) الا ان الوضع لم يتغير ولئن طبقت هذه الاتفاقيات جزئيا في القطاع العام فان الوضع استفحل أكثر في القطاع الخاص.

عموما، ان تفشي اشكال العمل الهش ليس نتاجا لقوانين سابقة، بل للخيارات الاقتصادية السائدة والارتهان بمصالح الرأسمال العالمي. ان العمل الهش ليس الا النتيجة المنطقية لسياسات التقشف و تحرير الاستثمار والسعي المحموم للتصدير و جلب الاستثمار الاجنبي و تهميش صغار الفلاحين و المناولة لحساب الشركات العالمية و ما افرزته كل هذه السياسات من بطالة و تفقير. ايضا، لا يمكن الغاء العمل الهش بمجرد تنقيح لقانون.

القانون الجديد: ما وراء العناوين الكبرى  

تضمن مشروع القانون الجديد بابين. تعلق الباب الأول بعقود الشغل أما الباب الثاني فقد جاء تحت عنوان “منع المناولة”. في باب عقود الشغل ألغى الفصل الأول من القانون الجديد أحكام الفصول 6-2 و 6-3 و 6-4 و 17 والفقرة الأولى من الفصل 94-2 من مجلة الشغل (1996) وعوضت بالفصل 6-2 جديد الذي جاء فيه: “يعتبر عقد الشغل مبرما لمدة غير معينة” على خلاف الفصل 6-2من مجلة الشغل لسنة 1996 والذي وردة بصيغة “يبرم عقد الشغل لمدّة غير معيّنة أو لمدّة معيّنة“.

ظاهريا، يبدو وكأن القانون الجديد قطع مع النصوص القديمة وانتصر للعمال وألغي شكلا من اشكال العمل الهش المتمثل في العمل الموسمي أو لمدة محددة. الا ان الفصول اللاحقة تنسف ما جاء في هذا الفصل وتعيد انتاج نفس القوانين القديمة في صيغة جديدة.

أولا، حسب الفصل 6-3 (جديد) «يجوز التنصيص في عقد الشغل على فترة تجريبية لا تتجاوز مدتها ستة أشهر قابلة للتجديد مرة واحدة ولنفس المدة.  يمكن لأحد طرفي العقد انهاء العمل به قبل انقضاء فترة التجربة“. ولا يضع هذا الفصل شروطا لأنهاء العقد باستثناء ” اعلام الطرف الأخر بمقتضى رسالة مضمونة الوصول مع الاعلام بالبلوغ أو باي وسيلة تترك أثرا كتابيا وذلك قبل خمسة عشر يوما من انهاء فترة التجربة“. وعلى اعتبار ان العامل نادرا ما ينهي من طرفه فترة التجربة فان “أحد طرفي العقد” الواردة في هذا الفصل تحيل ضمنيا الى صاحب المؤسسة.  وهو ما يتيح للمشغل إمكانية انهاء عقد عامل ما بمجرد اعلامه كتابيا قبل خمسة عشرة يوما وانتداب عامل أخر بنفس الصيغة ويصبح هذا الفصل مدخلا ومبررا قانونيا للتشغيل لمدة معينة.

ثانيا، حسب الفصل 6-4 (جديد) ” يمنع ابرام عقد الشغل لمدة معينة في غير الحالات الاستثنائية المتمثلة في القيام بأعمال استوجبتها زيادة غير عادية في حجم الخدمات أو الاشغال أو التعويض الوقتي لأجير قار متغيب أو توقف تنفيذ عقد شغله أو القيام بأعمال موسمية أو بأنشطة أخرى لا يمكن حسب العرف أو بحكم طبيعتها اللجوء فيها الى عقود لمدة غير معينة“.  ما يثير الانتباه في هذا الفصل هو الصيغ الفضفاضة الواردة فيه والتي تفتح الباب أمام كل التأويلات الممكنة. فما المقصود مثلا بـ “ التعويض الوقتي لأجير قار متغيب أوتوقف تنفيذ عقد شغله” (انتهاء فترة التجربة؟، طرد؟،  اضراب ؟ ، تقاعد؟ ….) أو “حسب العرف” (ما المقصود بالعرف؟ كيف و من يحدده؟….) أو “بحكم طبيعتها” (كيف و من يحدد هذه الطبيعة ؟….). من ناحية أخرى ليست “الاستثناءات” الواردة في هذا الفصل الا تثبيتا لواقع قائم. فالمؤسسات المعنية بـ ” زيادة غير عادية في حجم الخدمات أو الاشغال” هي تحديدا ما يسمى بـ “المؤسسات المصدرة كليا” والتي تشتغل في إطار المناولة لحساب الاحتكارات العالمية. هذه المؤسسات لا تتحكم في الكميات التي تنتجها، بل تلبي طلبات الشركات المتعددة الجنسيات وهي طلبات غير مستقرة نظرا لاضطراب الأسواق العالمية نتيجة للمنافسة والمضاربة. لذلك فان هذه المؤسسات المصدرة تعتمد بشكل كبير على العمال الوقتيين في الفترات التي يرتفع فيها الطلب. اما الاستثناء المبني على “القيام بأعمال موسمية أو بأنشطة أخرى لا يمكن حسب العرف أو بحكم طبيعتها اللجوء فيها الى عقود لمدة غير معينة” فهو يعني قطاعات الفلاحة والصناعات الغذائية والسياحة التي كما بينا سابقا تعتمد أساسا على يد عاملة ظرفية أو موسمية. بلغة أخرى إذا كان هذا القانون قد أكد في ظاهره مبدأ “عقد الشغل لمدة غير معينة” فانه استثنى ضمنيا الشركات المصدرة كليا، والفلاحة، والصناعات الغذائية، والسياحة. هذه القطاعات هي في الواقع القطاعات التي تعتمد على العمل الوقتي أو الموسمي أي ان القانون لم يفعل سوى تثبيت واقع قائم وان هذه الاستثناءات المنصوص عليها لا مبرر لها. وما يؤكد هذا المنحى ان القانون الجديد لم يفعل سوى إعادة صياغة القوانين القديمة بشكل أخر كما يبرزه الجدول التالي أو ما ورد في الفصل 94-2 الفقرة الأولى (جديد) ” يمكن ابرام عقد شغل لمدة معينة أو غير معينة للعمل لوقت جزئي وفق أحكام هذه المجلة” وهو ليس الا إعادة صياغة للفصل 6-2من مجلة الشغل لسنة 1996 المشار اليه سابقا.

مجلة الشغل لسنة 1996القانون عدد 9 لسنة 2025 (جديد)
الفصل 6-4 1.                  يمكن إبرام عقد الشغل لمدّة معينة في الحالات التالية:  القيام بالأشغال الأولى لتركيز المؤسسة أو بأشغال جديدة،  القيام بالأعمال التي تستوجبها زيادة غير عادية في حجم العمل،  التعويض الوقتي لعامل قار متغيب أو توقّف تنفيذ عقد شغله،  القيام بأشغال متأكدة لتفادي حوادث محققة أو لتنظيم عمليات إنقاذ أو لتصليح خلل بمعدّات أو تجهيزات أو بناءات المؤسسة،  القيام بأعمال موسميّة أو بأنشطة أخرى لا يمكن حسب العرف أو بحكم طبيعتها اللّجوء فيها إلى عقود لمدّة غير معيّنة 2.                  كما يمكن إبرام عقد الشغل لمدّة معيّنة في غير الحالات المذكورة في الفقرة السابقة بالاتفاق بين المؤجر والعامل على ألا تتجاوز مدّة هذا العقد أربع سنوات بما في ذلك تجديداته.الفصل 6-4 (جديد) يمنع ابرام عقد الشغل لمدة معينة في غير الحالات الاستثنائية المتمثلة في القيام بأعمال استوجبتها زيادة غير عادية في حجم الخدمات أو الاشغال أو التعويض الوقتي لأجير قار متغيب أو توقف تنفيذ عقد شغله أو القيام بأعمال موسمية أو بأنشطة أخرى لا يمكن حسب العرف أو بحكم طبيعتها اللجوء فيها الى عقود لمدة غير معينة.

أما الباب الثاني الوارد تحت عنوان “في منع المناولة” فقد ألغى أحكام العنوان الثاني من الكتاب الأول من مجلة الشغل لسنة 1996.  حيث تم استبدال تسمية “مؤسّسات اليد العاملة الثانويّة” الواردة في هذا العنوان بتسمية “مؤسسات اسداء الخدمات والقيام بأشغال ” . في الحقيقة لم تكن تسمية “مؤسّسات اليد العاملة الثانويّة” تشير الى شركات المناولة، بل تعني شركات المقاولات الناشطة في مجال البناء والاشغال. ذلك انه، كما بينا سابقا، لم تكن المناولة قد انتشرت بشكل واضح في تلك الفترة وبالتالي لم يكن هناك أي داع لتثبيتها بقانون.  

حسب الفصل 28 للقانون الجديد “تمنع مناولة اليد العاملة” واعتبر الفصل 29 من نفس القانون “مرتكبا لجريمة المناولة كل شخص خالف أحكام الفصل 28 “. كما حدد نفس الفصل جملة من العقوبات تصل الى السجن لكل من يتورط في انتداب اجراء في إطار مناولة اليد العاملة. يبدو القانون الجديد في ظاهره صارما في علاقة بمنع المناولة، بل يذهب الى حدود تجريمها. الا ان الفصل الموالي، كما هو الشأن في علاقة بالباب الأول، ينسف ما سبق.

حسب الفصل 30 (جديد) من القانون الجديد ” يمكن لكل مؤجر خاضع لأحكام الفصل الأول من هذه المجلة ابرام عقود كتابية مع مؤسسة لإسداء خدمات أو مؤسسة للقيام بأشغال ويسمى الطرف الأول “المؤسسة المستفيدة” والطرف الثاني المؤسسة المسدية”. بهذا المعنى يصبح المنع المنصوص عليه في الفصل 28 صوريا حيث تم تسمية شركات المناولة بـ”مؤسسات اسداء الخدمات والقيام بأشغال “ويمكن لـ “الشركة المستفيدة” الاعتماد على المناولة فقط بشرط وجود عقد كتابي. هذا مع العلم أن كل الأنشطة (الحراسة والنظافة مثلا) تدخل ضرورة في أطار ” الخدمات” أو الاشغال” ويمكن بالتالي أن تكون موضوعا للمناولة.

ويضيف نفس الفصل ” يعتبر اسداء خدمات أو القيام بأشغال على معنى هذا الفصل تقديم خدمات أو أشغال تتطلب معارف مهنية أو تخصصا فنيا لفائدة المؤسسة المستفيدة على ان لا تتعلق هذه الخدمات أو الاشغال بالنشاط الأساسي و الدائم للمؤسسة، وألا يكون العمال المستخدمون تحت إدارة المؤسسة المستفيدة ومراقبتها”. وهنا تصبح كل التأويلات جائزة وممكنة. على سبيل المثال، لا تمثل النظافة أو الحراسة نشاطا أساسيا ودائما للبنوك و المؤسسات البترولية وشركات الاتصالات والفضاءات التجارية وبالتالي يمكن لهذه المؤسسات الاعتماد فيها على مناولة اليد العاملة. بل يمكن الذهاب الى ما هو أبعد، فالإعلامية وصيانة بعض التجهيزات مثلا تتطلب “معارف مهنية” أو “تخصصا فنيا” ويمكن بالتالي للمؤسسات المذكورة الاعتماد فيها على المناولة.

في الواقع لم يمنع هذا القانون مناولة اليد العاملة، بل سعى فقط الى تقنينها. اذ يمكن الاعتماد على المناولة فقط بشرط وجود عقد كتابي كما الزم الفصل 30 ثالثا بضرورة تطبيق نظام التأجير الخاص بالمؤسسة المستفيدة على أعوان المؤسسة المسدية كما يتعين على المؤسسة المسدية تقديم ما يفيد خلاص أجور عملتها ودفع اشتراكات الضمان الاجتماعي. بلغة أخرى بنفس الشكل الذي مثلت فيه مجلة الشغل 1996 اطارا قانونيا للعمل الوقتي، لا يمثل هذا القانون الجديد سوى تقنينا للمناولة كشكل من اشكال الاستغلال الوحشي لليد العاملة.

ملاحظات ختامية

اعتمادا على ما تقدم ومن خلال استعراض تفاصيل القانون الجديد يتبين بشكل واضح ان هذا القانون، خلافا لما يسوق، لا يلغي المناولة واشكال العمل الهش الأخرى، بل فقط يسعى الى ضبطها وتقنينها. وهو ما يقودنا الى الاستنتاجات التالية:

·         أمام تفاقم البطالة والفقر والتهميش وما يمكن ان ينتج عن ذلك من احتقان تسعى السلطة من خلال هذا القانون الى امتصاص هذا الاحتقان دون المس من مصالح الرأسمال العالمي والكمبرادور المحلي المرتهن به.

·         ان تقنين المناولة يدخل في إطار سعي بيروقراطية الدولة (منذ 25 جويلية 2020) الى فرض “الانضباط” داخل مختلف شرائح الكمبرادور وتثبيت هيمنتها ودورها كوسيط لدى دوائر الرأسمال العالمي   

·         ان تقنين المناولة دون الغائها ليس الا محاولة من بيروقراطية الدولة لإدخال هذه الشركات في منظومة الجباية واقتطاع جزء من أرباحها قد يساعدها في التخفيف من حدة الازمة المتفاقمة للمالية العمومية.

·         ان هذا القانون الذي تسعى من خلاله السلطة التنفيذية وتحديدا رئاسة الجمهورية الى احتكار “الدفاع عن مصالح العمال” هو محاولة لتهميش العمل النقابي وكل خطاب سياسي منحاز فعليا للعمال.

ختاما ان مجرد قانون لا يمكن ان يلغي أشكال العمل الهش، بل ان ذلك يتطلب تجاوز الشروط التي انتجته أي القطع مع الخيارات الليبرالية ومنطق الارتهان بالتقسيم الدولي للعمل. من الوهم الاعتقاد ان سلطة مازالت مواصلة في نفس الخيارات أو برلمانا اقتصر دوره على المصادقة على القروض الاستعمارية ان يتحولا الى مدافعين عن العمال ومصالحهم.


اكتشاف المزيد من WWW.Eddarb.COM

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليقاً