
راي/*احمد كورشاد16-مارس2025
أثار توقيع الإعلانِ الدستوري في 13 مارس الحالي جملة من ردود الأفعال ، في الأوساط السورية المختلفة ، لما حمله من وجوهِ قصورٍ متعمّدة ، تطال مستقبل السوريّين وعيشهم المشترك ، في دولة مواطنة يَحكمُه القانون ، ويتمتّع فيه السوريّون جميعاً بالمساواة التّامة في الحقوق والواجبات .
وقد أوضحت اللجنة المكلّفة بصياغة الإعلانِ الدستوريّ في مؤتمر صحفي أنّها اِستندتْ في إعداد الوثيقة إلى مُخرجات مؤتمر الحوار الوطني ، الذي عقِد في فيفري 2025 .
هذا المؤتمر الذي أثار حفيظة طيف واسع من الشعب السوريّ ، وكانَ موضعَ تساؤلاتٍ ، بل انتقاداتٍ جدّيةٍ حولَ آليّاتهِ ومستوى تمثيلهِ لشركاءِ الوطنِ ، واقتصارهِ على لونٍ واحدٍ تمّ اختيارهُ بعنايةٍ . وبالرغمِ من ذلك جاءت في مقدّمةِ الإعلانِ أنّهُ : ” بعدَ حواراتٍ مكثفةّ بينَ مختلفِ مكوّناتِ المجتمعِ السوريّ أُجريتْ في أجواءٍ منَ الحُريَّةِ والتبادلِ البنّاءِ ( وبالطبع هذا الكلام منافٍ للواقعِ والحقيقةِ ) لوجهات النظر بشان مستقبل سوريا, تُوِّجَتْ بانعقادِ مؤتمرِ الحوارِ الوطنيّ الذي صدرتْ مُخرجاتهُ بتاريخِ 25 فيفري2025 ، معبرة عن الوفاق الوطني حول القضايا الكبرى وفي مقدمتها:
الحفاظُ على وحدةِ وسلامةِ سوريا أرضاً وشعباً – تحقيقُ العدالةِ الانتقاليّةِ وإنصافُ الضحايا – بناءُ دولةِ المواطنةِ والحريّةِ والكرامةِ وسيادةِ القانونِ
– تنظيمُ شؤونِ البلادِ في المرحلةِ الإنتقاليّةِ ،وفقَ مبادئِ الحكمِ الرشيدِ ( لاحظوا مصطلحَ الرشيدِ المشتقِّ من قواميسِ السلفيينَ ) .
كما جاءَ في المقدّمةِ : وإعمالاً لما نصّ عليهِ إعلانُ انتصارِ ” الثورةِ السوريّةِ ” الذي يُعدّ أساساً متيناً لهذا الإعلانِ .
( ونعلمُ جيّداً مضمونَ إعلانِ الانتصارِ هذا وما تضمّنهُ من قراراتٍ من شأنها تغييبُ الحياةِ السياسيّةِ في سوريا ، وضربُ ركائزِ الديمقراطيّةِ في الصميمِ ) .
والقارئُ لموادِ الإعلانِ الدستوريّ سيكتشفُ دونَ كثيرِ عناءٍ أنّ التفصيلَ جاءَ تماماً على مقاسِ الخليفةِ : الجولاني وتمكينِ قبضتهِ على مفاصلِ الدولةِ والمجتمعِ جميعاً ، فإذا كانَ حزبُ البعثِ قائداً للدولةِ والمجتمعِ بموجبِ المادة / 8 / فالخليفةُ قد أصبحَ قائداً للدولةِ والمجتمعِ معاً بموجبِ أحكامِ الإعلانِ الدستوريّ . فهو بموجبِ المادةِ/ 24 / يشكّلُ لجنةً عليا لإختيارِ أعضاءِ مجلسِ الشعبِ ، وهو يُعيّنُ تعييناً ثُلثَ أعضاءِ مجلسِ الشعبِ ( تحتَ ذريعةِ ضمانِ التمثيلِ العادلِ والكفاءةِ ؟! ) . وهو بموجبِ المادةِ / 31 / القائد العام الأعلى للجيشِ والقوّاتِ المسلّحةِ ، والمسؤولُ عن إدارةِ شؤونِ البلادِ ، وهو يحدّدُ اختصاصاتَ نائبِ أو نوّابِ رئيسِ الجمهوريّةِ بموجبِ المادةِ / 34 / ، وهو يعفيهم من مناصبهم ، ويقبلُ استقالتهم ، كما يُعيّنُ بموجبِ المادةِ / 35 / الوزراءَ ويعفيهم من مناصبهم ، ويقبلُ استقالتهم ، وهو من يصدرُ اللوائحَ التنفيذيّةَ والتنظيميّةَ ، ولوائحَ الضبطِ والأوامرِ والقرارات الرئاسية . وهو من يقترحُ بموجبِ المادةِ / 50 / تعديلَ الإعلانِ الدستوريّ بموافقةِ ثلثي أعضاءِ مجلسِ الشعبِ ( وكما تلاحظونَ أنّ هذه الموافقة شكلية ولا قيمةَ لها وحُشرتْ لإعطاءِ انطباعٍ معيّن ) ذلك لأن هذينِ الثلثينِ لا حولَ لهم ولا قوّةَ إذا ما وجدوا ضرورةَ تعديلِ الإعلانِ ولم يتقدّمْ رئيسُ الجمهوريّةِ باقتراحِ ذلك . كما أعطتْ المادةُ / 39 / رئيسَ الجمهوريّةِ الحقَّ في إقتراحِ القوانينِ وهو من يصدرُ القوانينَ التي يقرّها مجلسُ الشعبِ ، ولهُ حقُّ الإعتراضِ عليها ، ولهُ إصدار منحِ العفوِ الخاصِّ وردّ الإعتبارِ ، وإعلانِ التعبئةِ العامةِ والحربِ بعدَ موافقةِ مجلسِ الأمنِ القوميّ ( الذي هو صاحبُ القرارِ في تعيينهِ وتسميتهِ )/ بموجب المواد/41-42
كما أُعطيَ الحقّ في تشكيلِ المحكمةِ الدستوريّةِ العليا ، والتي تتكوّنُ من سبعةِ أعضاءَ يسميهمُ رئيسُ الجمهوريّةِ حصراً بموجبِ المادةِ / 47 / كما أنّهُ يتولّى التوقيعَ على المعاهداتِ مع الدولِ والمنظماتِ الدوليّةِ بموجبِ المادةِ / 37 / وهو من يُعيّنُ رؤساءَ البعثاتِ الدبلوماسيّةِ لدى الدولِ الخارجيّةِ وإقالتهم بموجبِ المادةِ / 38 / ، كما حدّدتِ المادةُ / 52 / مدّةَ المرحلةِ الإنتقاليّةِ بمدّةِ / 5 / سنواتٍ تبدأُ من تاريخِ نفاذِ الإعلانِ الدستوري ، وهيَ مدّةٌ لم تَستَدْعِها الظروفُ الموضوعيّةُ بل استدعتها نزعةُ البقاءِ أطولَ مدّةٍ ممكنةٍ في السلطةِ .
والآنَ لنُناقِشَ سلبيّات هذا الإعلانِ وتقييمهِ من وجهةِ نظرِ العديدِ منَ القوى السياسيّةِ والمجتمعيّةِ ، والتحفّظاتِ التي يمكنُ تسجيلها على العديدِ منَ الموادِ :
1 – لم يتضمّنْ الإعلانُ كلمةً واحدةً عنِ الديمقراطيّةِ أوِ العلمانيّةِ وهذا مؤشّرُ خطيرٌ يلخّصُ فلسفةَ وأيديولوجيّةَ الظلاميينَ وجنوحَهُمْ نحوَ الدولةِ الدينيّةِ ، التي تكشفُ التجربةُ التاريخيّةُ أنّها لم تجلبْ سوى الكوارثَ والويلاتِ للشعوبِ .
2 – إنّ ورودَ اِسم الدولةِ بالصيغةِ القديمةِ ” الجمهوريّةُ العربيّةُ السوريّةُ ” بذريعةِ أنّ كلَّ الدساتيرِ السوريّةِ قد اعتمدَتْها واعتادَ المواطنُ السوريّ على ذلكَ ، كما جاءَ في المؤتمرِ الصحفيّ للجنةِ الإعلانِ الدستوريّ ( وهو مُنافٍ للحقيقةِ ) ففي مراحلَ عديدةٍ كانَ الاسمُ هو : الجمهوريّةُ السوريّةُ ذلكَ أنَّ هذهِ التسميةَ تتضمّنُ اعترافاً ضمنيّاً بالتعدّديةِ ، كما تخلو من أيّ توجّهٍ إقصائيٍّ لمكوّناتِ الشعبِ السوريّ كالأكرادِ والسريانِ والآشوريينَ والتركمانِ وغيرهم ، فهويّةُ الدولةِ يجبُ أن تكونَ جامعةً لهذا الفسيفساءِ الجميلِ .
3 – التأكيدُ على أنّ دينَ رئيسِ الجمهوريّةِ هو الإسلام ، يمثّلُ انتهاكاً صارخاً لمبدأ المواطنةِ وحقِّ المساواةِ بينَ مواطني سوريا بغضِّ النظرِ عن انتمائهم الطائفيّ ، ويُفقدُ الاعلانَ الدستوريَّ انسجامهُ الداخليَّ ، حيثُ تتناقضُ هذه المادةُ معَ موادَ أخرى جاءت في متنِ الإعلانِ ، وتؤكّدُ على حقّ المساواةِ بينَ المواطنين ، وإذا كانتِ الغالبيّةُ منَ الشعبِ السوريّ هم مِنَ المسلمين ، وهذا واقعٌ ، لكنَّ ذلكَ لا يُعدّ مُبرِّراً لصياغةِ نصٍّ دستوريّ يُشعرُ المواطنَ منَ الطوائفِ الأخرى بأنّهُ مواطنٌ منَ الدرجةِ الثانيةِ ، ما دامتْ نتائجُ صناديقِ الإقتراعِ ستفرزُ نتائجَ تعكسُ هذهِ الغالبيّةَ ، ومن هنا لا لزومَ البتّةَ لمصادرةِ حقّ أيّ مواطنٍ منَ الترشّحِ لرئاسةِ الجمهوريّةِ ، بغضّ النظرِ ممّا ستؤولُ إليهِ نتيجةُ هذا الترشّح ، ثمَّ ألم تقدّم هذهِ الغالبيّةُ المسلمةُ الدرسَ التاريخيّ الذي يجبُ الاقتداءُ بروحهِ ، عندما قوّمتْ فارسَ الخوريّ أميناً على الأوقافِ الإسلاميّةِ . من هنا ضرورةُ حذفِ هذا القيدِ التمييزيّ ، الذي يفرضهُ هذا الشرطُ المستفزّ على المواطنينَ من غيرِ المسلمين .
4 – إمعاناً في المضيّ بهذا النهجِ الإقصائيّ تجاهلِ الإعلانُ وجودَ المكوّناتِ القوميّةِ الأخرى ، كالشعبِ الكرديّ الذي يمثّلُ القوميّةَ الثانيةَ في البلادِ ، وكذلكَ الأقلّياتُ القوميّةُ ، والتي يكتسبُ دَسْتَرَةُ حقوقها في الإعلانِ أهميةً بالغةً .
5 – خلوّ الدستور من أيّةِ مبادئَ إقتصاديّة وإجتماعيّة ، والتي تتضمّنها عادةً العديدُ من الدساتيرِ ، تلكَ المبادئ التي تحدّدُ المذهبَ الإقتصاديّ والاجتماعيّ للدولة ، والذي يطلقُ الفقهُ الفرنسيُّ على النصوصِ التي تتضمّنُ هذهِ المبادئَ ، إضافةً إلى تلكَ المتعلّقةِ بالحقوقِ والحريّاتِ العامةِ بالدستورِ الإجتماعيّ ، وواضحٌ تماماً تلكَ التوجّهاتِ التي سبقتِ الإعلانَ ، من فصلِ العمّالِ ، وخصخصةِ بعضِ المؤسساتِ ، والإعلانِ عنِ التوجّهِ الليبراليّ ، التي أوضحتِ العقيدةَ الإقتصاديّةَ والإجتماعيّةَ للسلطةِ الظلاميّةِ ، والتي تمَّ في إطارها تجنّبُ أيّ حديثٍ عن هذهِ المبادئِ في الإعلانِ الدستوريّ .
وتثبيتُ مثلُ هذه المبادئ لهُ أهميتةُ ، ذلكَ أنَّ المشرّعَ يلتزمُ بالقيمةِ القانونيّةِ والدستوريّةِ لهذهِ الأحكامِ ، فإذا نَصَّ الدستورُ على مبادئَ إقتصاديّة ذاتَ منحى إشتراكي مثلاً ، فلا يمكنُ للمشرّعِ سنَّ قانونٍ لتحويلِ ملكيّةِ القطّاعِ العامِ ” قطاعُ الدولةِ ” إلى القطّعِ الخاصِ ، من خلالِ قوانينِ الخصخصةِ إلا بتعديلِ الدستورِ وإلغاءِ هذهِ المبادئ ، كما حدثَ في الجزائرِ ، في التعديلِ الدستوريّ لعام 1989 .
كما خلا الإعلانُ من أيّةِ إشارةٍ إلى حقّ الإضرابِ والتظاهرِ ، وهذهِ قضيّةٌ مطلبيّةٌ ونضاليّةٌ بالغَ الأهميةِ في الحياةِ السياسيّةِ والإقتصاديّةِ للمواطنِ .
6 – اِفتقدَ الإعلانُ لمادةٍ تنصُّ على المساواةِ التّامةِ بينَ الرجلِ والمرأةِ ، وإغفالِ الدورِ السياسيّ لها ، ولم يحدّد أيّةُ ضماناتٍ قانونيّةٍ لمُمارسةِ دورها في الحياةِ السياسيّةِ ، رغمَ الإشارةِ المقتضبةِ والخجولةِ إلى مكانةِ المرأةِ الإجتماعيّةِ .
7 – تأكيدُ الإعلانِ الدستوريّ على إعتبارِ الفقهِ الإسلاميّ هوَ المصدرُ الرئيسُ للتشريعِ بدلاً من جعلهِ أحدَ مصادرِ التشريعِ الأكثرِ مواءمةً معَ واقعِ سوريا متعدّدةِ الأديانِ والمذاهبِ .
8 – عدَّ الإعلانُ بموجبِ المادةِ /4 / اللغةَ العربيّةَ هي اللغةُ الرسميّةُ للدولةِ ، وهذا منطقيٌّ ولا غبارَ عليهِ ، لو لمْ يجرِ إغفالُ وتجاهلُ لغاتٍ قوميّةٍ أخرى ، كانَ من حقّ ناطقيها أن يَرَوْا لغتَهُم تندرجُ بالاسمِ إلى جانبِ اللغةِ العربيّةِ في الدستورِ ، إذ ليسَ معقولاً أن يجريَ التغافلُ عن ضرورةِ اعتمادِ اللغةِ الكرديّةِ إلى جانبِ العربيّةِ في المناطقِ الكرديّةِ ، وكذلكَ لغاتُ الأقلّياتِ القوميّةِ كالسريانيّةِ وغيرها .
إنّ صياغةَ الإعلانِ الدستوريّ لو راعتْ هذهِ القضايا بالغةِ الأهميةِ ، لكرّستْ كثيراً مبدأ التعايشِ والاستقرارِ المجتمعي ، وحفظتِ السلمَ الأهليَّ ، ومنعتْ أشكالَ الفتنةِ والانقسامِ ، كما ذهبت إليهِ المادةُ / 7 / بضرورةِ التزامِ الدولةِ بهذهِ المبادئِ ، وتجذيرِ شعورِ المواطنةِ الحقيقيّةِ بينَ مواطني سوريا على إختلافِ تلويناتهم العرقيّةِ والطائفيّةِ .
10 – وردتْ بعضُ الصياغاتِ التي تحتملُ أكثرَ من وجهٍ ، والمعلومُ أنّهُ في الصياغاتِ الدستوريّةِ يجبُ أن تكونَ مضامينَ الموادِ واضحةً وشفافةً لا تحتملُ اللبسَ . مثالُ ذلك ما هو واردٌ في المادةِ / 8 / والتي تنصُّ : تلتزمُ الدولةُ بمكافحةِ جميعِ أنواعِ وأشكالِ التطرّفِ العنيفِ معَ إحترامِ الحقوقِ والحرّياتِ .
إنّ إضافةَ كلمةَ العنيفِ إلى التطرّفِ مدروسةٌ بعنايةٍ وهي تعفي الدولةَ من مسؤوليةِ مكافحةِ التطرّفِ غيرِ المقرونِ بالعنفِ ، كما أنّهُ يمكنُ قياسَ منسوبِ العنفِ وفقاً لمزاجيّةِ مُمَارِسَ العنفِ ذاتهِ ، فما حصلَ لأبناءِ وطني من الطائفةِ العلويّةِ ، والتي نعتبرها مجازرَ وجرائمَ ضدّ الانسانيّةِ ، قد لا يشكّلُ هذا العددُ منَ الشهداءِ المدنيينَ والبالغينَ /658 / شهيداً في اللاذقيّةِ . و/ 384/ في طرطوس . و/171/ في حماه . و / 12 / في حمص خلالَ ثلاثةِ أيامٍ فقط . قد لا يُشكّلُ كلّ هذا العدد من الضحايا الأبرياءِ في قاموسِ من ارتكبوها ومَنْ سانَدَهُم ، ومَنْ أصدرَ الأوامرَ بارتكابِ هذهِ المجازر التي يندى لها جبينُ الإنسانيّةِ ، سوى فكاهةٍ دمويّةٍ ، وليسَ حتّى تطرّفاً !!! ناهيكَ أن يكونَ تطرّفاً عنيفاً ؟؟!!
الخلاصةُ :
ولأنَّ الإعلانَ الدستوريَّ جاءَ على شاكلةِ مُصدّريهِ ، ومُتَوافِقاً معَ أيديولوجيّتم الظلاميّةِ ، فقدْ كانَ محطَّ انتقاداتٍ ورفضٍ منَ العديدِ منَ القوى السياسيّةِ والمجتمعيّةِ القوميّةِ والطائفيّةِ ، فمجلسُ سوريا الديمقراطيّةِ إعتبرَ الإعلانَ لا يتماشى معَ الاتفاقِ الذي تمّ توقيعهُ معَ الحكومةِ السوريّةِ ، بل يمثّلُ تراجعاً عنِ التفاهماتِ السابقةِ ، وعليهِ فهو إعلانٌ غيرُ شرعيّ ، إذ أنّهُ يُعيدُ انتاجَ النظامِ المركزيّ الذي كانَ سائداً ، وهو خطوةٌ نحوَ الإقصاءِ بدلاً منَ التشاركيّةِ ، التي تحتاجها سوريا ، في مرحلةِ إعادةِ البناءِ السياسيّ والمجتمعيّ .
من جهتهِ أعلنَ الشيخُ حكمت الهجري موقفَ الدروزِ الرافضِ لهذا الإعلانِ ، مؤكّداً أنّ الحكومةَ الحاليّةَ لا تمثّلُ تطلعاتهم ، ووصفها بأنّها مطلوبةٌ للعدالةِ الدوليّةِ .
كما اعتبرتِ المنظمةُ الآثوريّةُ الديمقراطيّةُ الإعلانَ بصيغتهِ الحاليّةِ بأنّهُ لا يُلبّي تطلعات الشعبِ السوريّ في بناءِ دولةِ المواطنةِ والديمقراطيّةِ ، بل يعكسُ استمراراً لنهجِ الإقصاءِ والتهميشِ بحقِّ المكوّناتِ القوميّةِ والدينيّةِ السوريّةِ ، ويكرّسُ مبدأَ عدمِ المساواةِ بينَ المواطنين .
ويجبُ ألّا يغيبَ عنِ البالِ أنّهُ يجبُ أن يُنظرَ إلى أيّ دستورٍ انطلاقاً من فحواهِ ومضامينهِ الاقتصاديّةِ والإجتماعيّةِ ، ومدى تحقيقهِ لحقوقِ المواطنين القوميّةِ والدينيّةِ ، وحرّياتهم العامّةِ ، دونَ أيّ تمييزٍ ، وعلى قدَمِ المساواةِ بينَ الجميعِ ، وإلا بقتْ أكثرُ كلماتِ القانونِ بريقاً وإتزاناً بعيدةً عنِ الواقعِ ، ولا تتعدّى كونها مجردَ ألفاظٍ ، إذ لا يكفي المواطنَ أن يعرفَ أنَّ لهُ الحقّ في العملِ بمقتضى الدستورِ ، بل الأهمّ أن يُؤَمّنَ له هذا العمل .
لقد جاءَ هذا الإعلانُ ليزيدَ من وطأةِ المركزيّةِ ، والإبتعادَ عنِ الإعترافِ بأنّ الشعبَ هو مصدرُ السلطاتِ ، ذلكَ لأنّ مصدرَ السلطاتِ والحاكميّةِ في فهمِ القائمينَ على صياغَتِهِ هوَ الله ، ومن هنا خلا الإعلانُ عن أيّةِ إشارةٍ إلى الديمقراطيّةِ ، التي لا تجدُ في قواميسِ الإسلاميينَ مكاناً لها البتّةَ .
جاءَ الإعلانُ ليُكرّسَ نظاماً رئاسيّاً يجمعُ في قبضتهِ كلّ السلطاتِ ، مانحاً الرئيسَ سلطاتٍ واسعةً ومطلقةً ، تحدُّ الكثيرَ من فعاليّةِ مبدأ التوازنِ بينَ السلطاتِ ، ذلكَ أنّ الرئيسَ بموجبِ نصوصٍ دستوريّةٍ يمكنُ توسيعَ سلطاتهِ بشكلٍ يعطّلُ الضماناتِ الدستوريّةِ لحمايةِ الحرّياتِ ، وذلكَ في أوقاتِ الأزماتِ ، حيثُ تَوَسّعُ الرؤساءِ في مفهومِ أوقاتِ الأزماتِ ، لتوسيعِ صلاحيّاتهم وسلطاتهم . وبالمجملِ ومن حيثِ النتيجةِ سيعيدُ إنتاجَ القبضةِ الدكتاتوريّةِ السابقةِ وبشكلٍ أشدُّ رعونةً .
وبرصدِ التجربةِ التاريخيّةِ ، فإنَّ السلطاتِ الممنوحةِ للرئيسِ ، وعدمِ إلتزامِ قاعدةِ عدمِ الإستمراريّةِ أدّى تاريخيّاً إلى إدخالِ العديدِ من دولِ أمريكا اللاتينيّةِ والإفريقيّةِ وبعضُ الدولِ الآسيويّةِ في حياةٍ سياسيّةٍ مضطربةٍ ، وأنتجتِ العديدَ منَ الأنظمةِ الدكتاتوريّةِ .
ونختمُ بالقولِ أنّهُ : مهما إرتدتِ الدساتيرُ من ملابسَ زاهيةً فإنّ التطبيقَ هو العنوانُ الأهمّ ، لأنَّ الممارسةَ هي معيارُ الحقيقةِ .
*احمد كورشاد باحث سوري
اكتشاف المزيد من WWW.Eddarb.COM
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
