
راي/*جوزف مخايل الاخبار01-02-2025
كُثُرٌ هم المهتمّون بقضية جورج إبراهيم عبد الله، المعتقل في سجون الدولة الفرنسية منذ نحو أربعين سنة، والذين أبدوا موقفاً «متضامناً» مع قضيته المحقة بدافع من الشعور الوطني أو العقائدي أو المناطقي، وأنا أحدهم على اعتبار أن جورج عبد الله هو من أبناء بلدتي القبيات، وسبق لي أن كنت وكيلاً عنه في قضية عدلية في بيروت في الثمانينيات من القرن الماضي. كما أني رافقت المرحومة والدته في زيارتها لمحل توقيفه في فرنسا، وهذه كانت أمنيتها بأن تراه قبل أن توافيها المنية. وفي تلك الرحلة، التقيت وكيله المحامي الفرنسي، آنذاك، جاك فرجيس، الذي أولى هذه القضية كل اهتمام ورعاية.
أمّا اليوم، وفي هذه العجالة، أردت تسليط الضوء بالوقائع والأدلّة والوثائق على مدى الضغوط التي مورست على السلطات السياسية والقضائية الفرنسية لإنزال أقصى العقوبات بحقه وإبقائه معتقلاً في قضية تفتقر إلى الأدلّة، وذلك باعتراف واضح وصريح لمسؤولين في الدولتين الأميركية والفرنسية. بالإضافة إلى وجود ثغرات قانونية في المحاكمة الجنائية، التي افتقرت إلى أبسط قواعد العدالة والإنصاف، وقد شاب تلك المحاكمة العديد من الثغرات القانونية التي لم نعهدها من القضاء الفرنسي.
أمّا الحديث عن الضغوط الخارجية، فقد كشفت عنها أخيراً دراسة أعدّتها ناشطة لبنانية في الشؤون الدولية من جامعة هارفرد في مدينة بوسطن الأميركية سيبيل فارس، وفيها إشارة إلى وثيقة صادرة في شهر تموز من عام 1986 عن وزارة الخارجية الأميركية موجّهة إلى وزير الخارجية الفرنسي آنذاك، رفعت السرّية عنها أخيراً، تضمّنت تهديداً واضحاً بأنه «سوف تترتّب عواقب وخيمة على العلاقات الثنائية، إذا لم تؤخذ مصالح الولايات المتحدة بعين الاعتبار في هذه القضية».
كما تضمّنت الوثيقة المشار إليها أعلاه اعترافاً صريحاً بأن الأدلة في القضية ليست كافية لإدانته. وقد أكد ذلك المسؤول في مجلس الأمن القومي الأميركي بويندكستر (Poindexter) في وثيقة صادرة في عام 1986، ورد فيها أن «مجلس الأمن القومي كان يدرك جيداً أن ملف جورج إبراهيم عبد الله يفتقر إلى القوة وأن شيراك (الرئيس الفرنسي السابق) لا يأخذ بعين الاعتبار الضغوط الأميركية».
وفي وثيقة أخرى، كتب روبرت ب. أوكلي إلى أوليفر نورث في شهر أيلول من عام 1986 ما يأتي: «من المهم أيضاً أن نواصل الضغوط على الملاحقة القضائية لمحاكمة عبد الله، الثانية، كوسيلة لإجبار الحكومة الفرنسية على تجاوز القوانين وإبقائه في السجن… إن استراتيجيتنا وتكتيكاتنا تعمل بشكل جيد».
وتضيف الوثيقة عن توصية الولايات المتحدة زيادة الضغط من خلال التهديد بقتل جورج في زنزانته… وفي موقف صريح وواضح للمدير السابق لوكالة المخابرات الداخلية الفرنسية إيف بونيه، وفي مقابلة مع «فرانس 24»، أعلن عن وجوب إطلاق سراحه، ودافع عن قضيته أمام القضاء، وأعلن أنه لا يوجد شيء يبرّر سجنه، وأن الولايات المتحدة وإسرائيل تواصلان ممارسة ضغوط هائلة على فرنسا.
كما تقتضي الإشارة إلى أنه في عام 2013 وافقت المحكمة الفرنسية على الإفراج عنه بشرط ترحيله إلى لبنان، إلا أن وزير الداخلية الفرنسي آنذاك، مانويل فالس، منع ذلك، وقد اكتُشف لاحقاً، من خلال رسائل البريد الإلكتروني المسرّبة من قبل «ويكيليكس» لهيلاري كلينتون (وزيرة الخارجية الأميركية)، أنها تدخّلت بشكل مباشر، بحيث كتبت في رسالة إلى وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس: «على الرغم من أن الحكومة الفرنسية لا تملك سلطة قانونية لإلغاء قرار محكمة الاستئناف الصادر في 10 كانون الثاني، إلا أننا نأمل أن يجد المسؤولون الفرنسيون أساساً آخر للطعن في قانونية القرار».
وبالعودة إلى مجريات المحاكمة الجنائية أمام محاكم فرنسا، يتبيّن أنه في عام 1984 وُجّهت إليه تهمة حيازة وثائق وأسلحة ومتفجرات، حكم عليه، على إثرها، بأربع سنوات حبس. أمّا في عام 1987 فنسبت إليه تهمة التواطؤ في القتل في عمليّتَي اغتيال جرت في فرنسا، الأولى استهدفت الملحق العسكري الأميركي تشارلز راي، والثانية الدبلوماسي الإسرائيلي يعقوب بارسيمنتوف. واللافت في هذه المحاكمة الأخيرة أن المدّعي العام طلب له عقوبة السجن لمدة عشر سنوات، في حين أن محكمة الجنايات قضت بعقوبة السجن المؤبد عليه، وذلك في خروج فاضح وجذري على الإجراءات، لأنّ من المبادئ المتعارف عليها أنه من حيث المبدأ ليس لمحكمة الجنايات أن تتجاوز في حكمها العقوبة التي طلبها المدّعي العام في مطالعته، على اعتبار أنه هو صاحب الحق بكونه ممثل المجتمع، الأمر الذي يعتبر خروجاً غير مألوف في هذه الحالة ومردّه خضوع القضاء الفرنسي للضغوط التي مورست عليه.
ومن جهة أخرى، لا بد من الإشارة إلى الخديعة الكبرى التي تعرّض لها عبد الله خلال تلك المحاكمة، عندما سخّرت أجهزة المخابرات المحامي الفرنسي جان بول مازورييه، وكيل عبد الله، لينقل معلومات استخباراتية عن موكله، كما صرّح هو بالذات من على شاشة التلفزيون الفرنسي. وفي موقف مستهجن لوزير العدل الفرنسي آلان شالا ندون، ومنافٍ للتقاليد الفرنسية، رفض هذا الأخير طلب المحامي الفرنسي جاك فيرجيس إعادة المحاكمة استناداً إلى ما تعرّض له جورج عبد الله من خديعة وخيانة من وكيله السابق جان بول مازورييه.
وفي الخلاصة، يمكن القول إن القضية أقلّ ما يقال فيها إنها تفتقر إلى مبادئ العدالة والإنصاف والتي طالما عرف بها القضاء الفرنسي. وبالنتيجة، إني أسوق هذه المعطيات لإحاطة المعنيّين بتفاصيلها، من فخامة رئيس الجمهورية ورئيس حكومة تصريف الأعمال ورئيس الحكومة المكلف ووزير العدل، وحثّهم على التحرك السريع لرفع هذا الظلم الكبير اللاحق باللبناني جورج إبراهيم عبد الله، علماً أن مجريات الأمور، كما سبق بيانه، تشير بصورة واضحة وصريحة إلى أن العدل مفقود في هذه القضية، وعلى الدولة اللبنانية، بحكم مسؤولياتها الوطنية والدستورية عن مواطنيها، التحرّك سريعاً لرفع الظلم عنه وإعادته إلى بلده سالماً.
*جوزف مخايل محام
اكتشاف المزيد من WWW.Eddarb.COM
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
