
راي/ الطايع الهراغي23-12-2024
كتب الشّهيد غسّان كنفاني منذ مطلع سبعينات القرن الماضي متوجّسا من إمكانية تحوّل الخيانات إلى وجهة نظر.لم يسفّه بعض من”يساريّينا”مخاوفه. فأكبر جريمة في المشهد السّياسي التّونسيّ تترجمها الحملة المسعورة المنفلتة من كلّ عقال والمتنصّلة من كلّ اعتبار في استعداء مجانيّ لكلّ ما له علاقة بنقد نظام الحكم القائم.
أحد أعراض مرض النّقد المنفلت من دبره تحويل الأطراف المتباينة مع سياسات الهروب إلى الأمام إلى جثّة تُجلد وتُسلخ في ماهو أقرب إلى الاستمناء.الأدهى أن المتطوّعين لهذه المهمّة القذرة مسكونون بفوبيا تبييض شناعات الحاكم بأمره ومزهوّون بتزعّمهم حملة الأبلسة والتّنكيل بمن يذكّرهم بإرث كانوا يدّعون به وصلا.
يتدثّرون بعباءة اليسار الذي في مدرسته ومن إرثه تدرّبوا على فنون النّقد فحوّلوه إلى سهام تنهش يسارهم لا خصومه وخصومهم، فانحدروا موضوعيّا إلى الدّرك الأسفل من السّفالة وتخندقوا في كنيسة اليمين. مغرومون بالاستمناء في رحلة البحث عن طهوريّة كاذبة.
النّقد ما لم يفرّق بوعي بين تقويم اليسار وتصليب عوده وبين التورّط بالمجان في ترذيله وتشويه مقاصده يصبح خادما ذلولا لمختلف تعبيرات اليمين( في الحكم وفي المعارضة).
جريمةٌٌ هو الخلط ( فما بالك إذا كان متعمّدا) بين النّقد المسؤول المتّكئ على خلفيّة يساريّة لا مكان فيها للعواطف حتى النّبيل منها، والنّقد الهمجيّ الأرعن المقاد بعقليّة ثأريّة هدفها الأول والأساسيّ إخراج اليسار من دائرة الفعل السّياسيّ وتعبيد الطّريق لليمين بأساليب عجزت مكوّنات اليمين ذاتها عن الإتيان بمثلها.
النّقد الجادّ كمهمّة نضاليّة يتجنّب وجوبا التّعميم وتكديس شنائع المنظومات الحاكمة وتلبيسها بتعنّت لمن ليسوا مسؤولين عنها. نحن ندرك جريمة الدّفاع عن الأطروحات اليساريّة بحجب الأخطاء في التّقدير والتّنكّر للإرث والتّورّط في سياسات مشبوهة وتحالفات غريبة وتنازلات في مسائل جوهرية مقادة بأوهام يستميت البعض في اعتناقها والتّشريع لها وتسويقها ويظلّ الأبشع منها فظاعة خطيئة الكفر بنضالات اليسار والموقع الذي يجب أن يحتلّه بإمعان يقود- وقد قاد- إلى تبرير كوارث المنظومات الحاكمة وتبييضها بالتّباري في تهويل “مآسي” معارضيها وتهافت مرجعيّاتهم. هذه الأرهاط مرضى بطهوريّة كاذبة، مسكونون بعقدة تدبّر براءة ذمّة إرضاء لكبرياء ذات يعوزها التّوازن (أضاعته في عراكها مع نفسها)، عطشى للامتلاء وتضخيم الأنا والنّفخ فيها بتجريم ما سواها.
اتركوا مهامّ اليمين لليمين.
اكتشاف المزيد من WWW.Eddarb.COM
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
