
مروان عبد العال..فى ذكرى استشهاد القائد أبو علي مصطفى..بوابة الهدف 27 اوت2024
لفتني في لقاء تلفازي أجري قبل عام من استشهاده: قال القائد أبو علي مصطفى :، أنا دخلت السجن وعمري 19 عاما، لأني انتسبت لحركة القوميين العرب في عام 1955، ودخلت السجن عام 1957. دخولي السجن كان نتيجة الانتماء بقناعة إلى خط ما، حيث كانت قناعتنا آنذاك تتكون على اعتبار أن طريق فلسطين هو طريق الوحدة العربية، وكل قوة أو نظام حاكم، كنا نعتقد أنه معيق للوحدة العربية، سواء بسبب ارتباطه بمعاهدات مع قوى أجنبية خاصة بريطانيا كانت آنذاك هي القوة السائدة في المنطقة، أو بسبب رغبة النظام بالتقيد بتركة “سايكس بيكو” في المنطقة، من تقسيم حصص وإلى آخره، كانت ثقافتنا وتربيتنا في داخل الحركة تقوم على اعتبار أن أي نظام أو قوة سياسية تعادي الوحدة العربية، فهي حكما تعادي تحرير فلسطين. في ربط ما بين الوحدة والتحرير. السجن بالنسبة لي وتحديدا معتقل الجفر كان بمثابة الجامعة، كان المستوى من الكفاءات العلمية والثقافية والأكاديمية الموجودة داخل السجن مستوى عال جدا، وكان هناك شخصيات مثقفة كثيرا في السجن، وأيامنا لا تذهب سدى.
كان معتقل الجفر الصحراوي آنذاك لا يشغلك شيء فيه إلا أن تبني نفسك. الوقت كله الذي كنا نمضيه في المعتقل، لم نكن نعلم شيئا عن العالم الخارجي، والزيارات كانت ممنوعة، حيث قضيت الأعوام الخمسة دون زيارة، وقمنا بعدها بإضراب واحتجاجات على ذلك، فخافت إدارة السجن، وجلبوا جهاز راديو، وضعوه في إدارة السجن البعيدة عن المعتقل حوالي كيلو ونصف، حيث وضعوا الراديو في المركز، والسماعات في مهاجعنا، وبقي مؤشر الراديو طوال الأعوام الخمسة مثبتا على إذاعة عمان نسمع منها الأخبار، وعندما وقعت حادثة نسف رئاسة الوزراء، وقتل فيها هزاع المجالي، نحن سمعنا الخبر من الراديو.
الشخص الوحيد الذي كان أحيانا تتسرب لنا من خلاله معلومة أو رسالة صغيرة، هو متعهد التموين من معان، وهو شخص من عائلة المحتسب من الخليل، وقتها كنت أنا مسؤول إدارة التموين.
الحياة وقتها في المعتقل كانت حياة داخلية، وكانت تخضع لبرنامج، مثل الرياضة الصباحية، والنظافة، ثم طورنا الحياة داخل المعتقل إلى الزراعة، حيث عملنا برنامجا للإصلاح الزراعي داخل المعتقل، حيث تتوفر مساحات رملية، وعندنا مهندسون زراعيون، وكنا نزرع الخضار وغيرها مثل البصل والفجل.
يقول إن الجزء الأهم في البرنامج داخل السجن، هو الجزء الثقافي، أيام يكون فيه شعر، أو أدب، سياسة، فكر، مثلا قراءة في الإسلام، في الماركسية في الثقافة القومية، وكانت تعد مواد، وتقدم وتدرس، ويحدث نقاش، ومن ثم كان هناك حيوية داخل المعتقل، لدرجة أنك تشعر أنك في جامعة.
أنا من الناس الذين يعتبرون أن السنوات التي قضيتها في معتقل الجفر كانت أفضل مدرسة استوعبت فيها الموضوع الفكري والسياسي والتنظيمي، أكثر مما لو كنت بالخارج، لأن حياتك كلها كانت متفرغة لهذا الموضوع.
القائد الذي صقلته التجربة، وعلمته الحياة
ليس غريباً أن يكون خطراً على العدو، العقل القيادي الثوري الذي عمل على الوحدة الوطنية والربط بين الوطني والقومي، وبدأها بالممارسة القومية في استنهاض الحالة التنظيمية والكفاحية للجبهة أولا.
أبو علي يعني البناء الثوري المقاوم
أبو علي يعني بناء الجبهة وحشد طاقاتها ونخبها وأنصارها من الجامعات الى المخيمات، محاضراً ومنظراً ومقاتلاً.
أبو علي يعني توحيد قوى اليسار.
شعاره أن الحقيقة وحدها هي الثورية، كما أدرك أنَّ الممارسة الثورية هي ذاتها النظرية الثورية، لا يخشى في قول كلمته لومة لائم، في الثقافة لا يعرف المجاملة، وفي السياسة عدو النفاق، وفي الفكر يرفض التساوق عدوه في التنظيم عدم المبدئية. ضد الكذب والتدليس والاستعراض والفساد والمناصب الفارغة.
منحاز للحقيقة مدافعا عنها دون غيرها، أبو علي يعني الصدق والمجابهة مع الأخطاء والخطايا، حيث كان متصالحاً مع نفسه.
كتب عشرات المقالات، ومنها الدراسات النقدية عن الحركة الوطنية الفلسطينية ومنظمة التحرير والمشروع الوطني الفلسطيني وعن دور اليسار والمقاومة.
قائداً صلباً ذو عقل وقلب ورؤية، مناضلاً وليس موظفاً
اذكر واقعة ثقافية أدبية تظهر لمعة أدبية، في إحدى جلسات اللجنة المركزية، كان قضية تنظيمية اضطرت اللجنة المركزية أن تشكل لجنة لها، كان أبو علي يتخوف من أن تكون للجان هروب من تنفيذ المهمة، وأن أردت لموضوع أن يموت فشكل له لجنة، فيومها تساءل أبو علي، وأعجبني مقاربته الثقافية، وهل نريد لجنة تصبح هي القضية مثل رواية اللجنة لصنع الله إبراهيم، قلت لكن لجنة صنع الله إبراهيم بدون أسماء، ولجنتا لها أسماء. بابتسامة سريعة يعطي دليل أنه قرأ الرواية وكانت حديثة، قال: يعني أن الإنسان لم يعد له قيمة تذكر في عالم الإمبريالية. أعجبت جداً برؤيته النقدية واستعارته الذكية للرواية. في الاستراحة سألني إن كنت قرأت الرواية وما رأيي بها، قلت نعم وأحببتها؛ لأنها تعكس جدلية المثقف والسلطة، وصراع المثقف مع أنظمة القمع واحتقار المعرفة والوعي والثقافة.
كشف كيف تتحول اللجان الى هيئة بيروقراطية تحتويها احتواء السلطة كما تؤشر الرواية. تصبح اللجنة هي القضية، وليس لحل القضية.
طوبى لذاكرتك التي تفيض بالوعي والروح والتجربة وذاكرة لا تموت أبدا.
مروان عبد العال:عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين
اكتشاف المزيد من WWW.Eddarb.COM
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
