
راي/ انيس هنانة الدرب18جويلية2023
امضت تونس بالأمس مذكرة تفاهم مع الإتحاد الأوروبي بحضور ميلوني ، رئيسة وزراء إيطاليا، و التي يمكن اعتبارها مهندسة و وسيطة لامعة في إمضاء هذه المذكرة. و قد تم الكشف عليها مساء الأمس بعد الامضاء عليها من الطرف التونسي و الأوروبي.
هذا، و قد تضمنت هذه الاتفاقية خمسة أبواب مسبوقة بمقدمة عامة تمتد على ثلاثة فقرات قصيرة. هذه الأبواب لا تكتسي نفس الأهمية على اعتبار أن نقطتين فقط يستحوذان على أكثر من نصف المذكرة و هما المتعلقتان بالمسالة الطاقية ( في علاقة بالطاقات البديلة) و خاصة مسألة الهجرة، في حين كانت النقاط الأخرى مقتضبة ، مقتصرة على عموميات و نقاط مبهمة، خاصة فيما يتعلق بالجوانب الاجتماعية.
افتتح هذا الاتفاق بمقدمة عامة تذكر بالروابط التاريخية بين تونس و الاتحاد الأوروبي القائمة على “الشراكة و وحدة التحديات” ( كل ما وقع اقتباسه من نص الإتفاق وضع بين ظفرين و قد قمت بالترجمة ).. هل هي حقيقة أو مخاتلة أو لغة خشبية؟ ….كي تذهب مباشرة نحو صلب الموضوع الوهو ” تقوية الشراكة الاقتصادية و التجارية بغية معاضدة الاصلاحات الاقتصادية التي قررتها تونس و الضرورية لتحقيق التوازنات الاقتصادية”… إذا’، منذ البداية نستخلص أن الإتفاق يندرج في إطار التسريع بما يسمى الاصلاحات وهو ما يحيلنا إلى تلك التي وضعها صندوق النقد الدولي كشرط أساسي للإفراج عن أقساط القروض التي وعد بها..
في الفقرة الثالثة من هذه المقدمة، يمكن أن نقرأ أن هذا الإتفاق يهدف إلى ” تقوية التعاون لمقاومة و تقليص جحافل الهجرة الغير شرعية و إنقاذ الأرواح البشرية استنادا إلى الميثاق المشترك في أعلى مستوى الممضى في 11 جوان 2023.”..بماذا يقضي هذا الميثاق و على ماذا يحتوي؟…
بعد المقدمة العامة، نجد الباب الأول الذي يتحدث عن جانب ” استقرار الموازنات الاقتصادية” و يحتوي على ثمانية أسطر فقط!!!… حسب ما ورد في هذا الباب، فإن الاتحاد الأوروبي يكرر استعداده على ” الإشراف و التوجيه في دعم تونس في جهودها الرامية إلى إعطاء ديناميكية للنمو الاقتصادي بهدف إرساء نمط نمو دائم و متنوع، و ذلك من خلال سياسات مناسبة التي تضم الاصلاحات الاجتماعية و الاقتصادية التي تنوي تونس اعتمادها و القيام بها”..لعل أهم ما يجلب الانتباه في هذا المقتطف هي مصطلحات “سياسات مناسبة” و “إصلاح/’إصلاحات ” المتواتر في النص، وهو ما يدعو للتساؤل حول نوعية هذه الإصلاحات و ماهية السياسات التي سيقع انتهاجها لتحقيق هذه “الإصلاحات “…
يؤكد النص بعد ذلك بأن التفاصيل الاجراءية سيقع ” مناقشتها لاحقا في الثلاثي الثالث لسنة 2023″ ثم يقول النص: ” إن الاتحاد الأوروبي سيقوم بالمرافقة في علاقة بهذه الإصلاحات خاصة في نطاق دعم الميزانية، مع العلم أن قيمة الدعم بعنوان 2023 سيقع صرفه كاملا”… كل الأفعال في النص الاصلي مصرفة في المستقبل، دون تحديد قيمة هذا الدعم و كيفيته وهو متروك لجلسات لاحقة…
هذه قراءة في الباب الاول، قبل التطرق إلى الباب الثاني الذي يعنى بالاقتصاد و التجارة و يمتد على صفحتين(2و3) .. هذا الباب سنتناوله بالتحليل و مساءلة للنص في محاولة لاستقراء مختلف النقاط التي يتضمنه و معرفة ما يوجد وراء السطور .
تضمن الباب الثاني خمس عناوين تفصيلية لما ورد آنفا، سيقع التطرق إليها و محاولة استجلاء أبعادها و استتباعاتها اللاحقة على الوضع التونسي..
العنوان الأول: الزراعة.
حيث ينص الإتفاق على أن الطرفان الممضيان” يعملان على تقوية التشاركية في مجال التصرف الدائم في المياه لضمان التمتع بالماء الصالح للشرب ذات نوعية جيدة و العمل على تزويد المساحات السقوية بما في ذلك المياه المتأنية من مصادر أخرى( مياه الأمطار، المياه المالحة و المستعملة التي يقع معالجتها) ” ثم ينص هذا الاتفاق على دعم دائم للفلاحة و ” الأنمطة الغذائية و دعم إنتاج الحبوب و المنتجات الفلاحية طبقا للمفاوضات و ما تسفره من اتفاق ” … السؤال/ كيف سيقع التفاوض في المسألة الزراعية؟ هل سيفرض الاتحاد الأوروبي رؤيته و سياساته الزراعية على تونس؟ أليس في ذلك تحضير لوضع اليد على الزراعة التونسية؟
العنوان الثاني: الإقتصاد الدائري.
و يقصد بالاقتصاد الدائري حسب النص الانتقال إلى نمط اقتصادي يعتمد ” الحد من انبعاث الكربون و يقوم على الاستعمال الناجع للموارد( لم يقع تحديد ماهيتها’) ، التي تضم كذلك التصرف في النفايات من خلال الشراكة بين القطاع العام و الخاص”.. ليس لي تعليق على ذلك للغموض الذي يكتنف هذه المسألة…
العنوان الثالث: الانتقال الرقمي.
نص هذا الفصل على تنمية التعاون في المجال الرقمي بين الطرفين ، و على هذا الأساس وقع إقرار ” مشروع السلك أو الكابل الرقمي الذي يمر تحت البحر الذي يمكن أن يكون فرصة لتونس للتمتع بالتدفق العالي في مجال الانترنت، كما توجد فرص أخرى عبر برامج محددة على اعتبار الدور الذي يمكن أن تلعبه تونس لتوفير الإنترنت لافريقيا “… من الملاحظ أن هذا المقتطف لا يضع الأمور في إطار الاثبات و التعهد المبدءي من طرف الأوروبيين، بل يتطرق إلى إمكانيات و فرص ممكنة تكاد تؤكد بما لا يدعو مجالا للشك بأن كل ذلك يدخل في إطار الوعود الواهية و الحديث المبهم و المشكوك فيه..
العنوان الرابع: النقل الجوي.
نصت هذه الفقرة على ” تقييم الوسائل التي من شأنها تنمية النقل الجوي القادم و المتجه إلى تونس، مع إبراز نوع من الليونة تجاه الطرف التونسي حتى يستطيع التأقلم مع سوق تتزايد فيه التنافسية، و في هذا السياق، هناك نية متجهة إلى ابرام اتفاق شامل في النقل الجوي “.. إذن هل سيقع العودة إلى مسألة “الاجواء المفتوحة” التي طرحت في سنوات خلت و وقع التخلي عنها لعدم قدرة التونيزار على المنافسة و لانعكاسها السلبي على هذه الشركة؟ على كل يبدو أن الأوروبيين حريصين على هذه المسألة بتعلة دعم السياحة، في حين أن الهدف واضح و المستهدف هي التونيزار..
النقطة الخامسة: الإستثمارات.
يخبرنا الإتفاق بأن تونس تنوي تنظيم ندوة دولي للإستثمار( لعلها تذكرنا ب 20-20 التي نظمها يوسف الشاهد و كانت مهزلة فعلية و أكذوبة كبرى) و أنه سيقع تنظيم لقاء ثنائي بين الاتحاد الأوروبي و تونس تضبط فيه ” مجالات الاستثمار التي سيقع التداول فيها بعد الإتفاق “… طبعا سيفرض الطرف الاقوى هذه المجالات و نوعية الاستثمارات… يواصل النص فيقول” كما سيشارك الاتحاد الأوروبي في هذه الندوة…و سيجري الطرفان محادثات تقنية في هذا الإطار…” ثم يختم كالآتي ” أن الإتحاد الأوروبي على إستعداد لدعم الجهود التونسية لمقاومة الفقر و البطالة و التمييز الاجتماعي…”
تجدر الإشارة إلى أن صياغة الجمل مبنية إلى المجهول و موضوعة في المستقبل وهي مجرد وعود و إعلام للنوايا دون أن يكون هناك أي تعهد فعلي يذكر فيه إستعداد رسمي للقيام بشىء ما ( باستثناء حضور الندوات طبعا)..
ينتهي هنا الباب الثاني و يبدأ الباب الثالث المتعلق بالانتقال الطاقي و الذي سيخضع لقراءة و مساءلة لنص الإتفاق
الباب الثاني: الإقتصاد و التجارة.
اهتم الباب الثاني من مذكرة الإتفاق بمجال الاقتصاد و التجارة، حيث نص على أن “الاطراف المعنية تعمل على تقوية التعاون الاقتصادي و التجاري بغية تطوير المبادلات التجارية للبضائع و الخدمات و إرساء مناخ أعمال مشجع و جالب للاستثمار و التنمية الدائمة “.. هذه الجملة ليست بجديدة في إطار اللغة الخشبية، لكن السؤال: كيف سيتم كل ذلك في ظل اختلال توازن القوى الاقتصادي و التجاري بين أوروبا و تونس؟ …يتحدث النص كذلك عن “تحديث العلاقات التجارية و الاستثمار بين الاتحاد الأوروبي و تونس بهدف تحسين شروط الدخول إلى الأسواق..” هل في ذلك تمهيد و إعداد الأرضية لما يسمى “السوق المفتوحة” الواردة في مشروع الاليكا الذي فشلت أوروبا في تمريره؟ وهل أن لتونس القدرة على المنافسة و اكتساح الأسواق الأوروبية؟ سأترك الإجابة لأهل الاختصاص….
يتحدث النص كذلك عن دعم الصندوق الأوروبي للتنمية المستدامة لقطاعات بعينها تقوم على مبدأ ” التنافسية و القطاع الخاص، و تحديث آليات التوزيع و مراقبة السوق و البحث على التمويلتت، و تهتم بقطاع المياه و الفلاحة بصفة مستدامة ، كما يهتم بتطوير التكنولوجيا الموجهة إلى الاقتصاد الدائري و الطاقات المتجددة و تحضير و انتاج
الهيدروجين المتجدد و اعتماد معايير الاتحاد الأوروبي في القطاعات الاستراتيجية المعنية بالتصدير.”… ما فهمته من ذلك هو أن تونس ستكون المختبر و الأرضية للأنشطة التي ينوي الأوروبيون القيام بها و الاستفادة من نتائجها، و هنا يحق لنا أن نتساءل:” أي دور سيكون للدولة التونسية في كل هذا باستثناء توفير المواد الأولية و توفير الظروف المناسبة؟ لعل خبراء الإقتصاد لهم أكثر قدرة على فهم و كشف أبعاد ما ورد سابقا…
فيما بعد، ينقسم هذا الباب إلى خمسة عناوين وهي: الزراعة / الاقتصاد الدائري / الانتقال الرقمي/ النقل الجوي/ الاستثمارات…
الباب الثالث: الانتقال الطاقي الأخضر..
يتطرق الباب الثالث من مذكرة الإتفاق الممضى إلى مسألة الطاقات المتجددة و النظيفة، حيث يفتتح الباب كما يلي: ” على اعتبار وعينا بالثراء الذي تزخر به تونس في مجال الطاقات المتجددة و في سبيل المصلحة المشتركة من أجل تحقيق أمان في مجال الإنتاج و الإمداد الطاقي بين كلا الطرفين، فإن تونس و الاتحاد الأوروبي يعملان على إرساء شراكة استراتيجية في ميدان الطاقة لتقوية النمو في مجال الطاقة الخضراء النظيفة و خلق مواطن شغل.” … بطبيعة الحال، المسألة الطاقية مهمة جدا للاتحاد الأوروبي على اعتبار أن تونس هي مجال سهل و رحب لاستغلال الموارد الطاقية…. ثم يواصل النص:” هذه الشراكة الاستراتيجية ستساهم في تقوية الأمان في مجال التزود الطاقي و ستوفر للمواطنين و الشركات طاقة نظيفة ذات نسبة ضعيفة من الكربون و ذلك بأسعار تفاضلية.”… مما يعني ضمنيا أن سوق الطاقة سيخضع لمنطق المنافسة مما يجعلنا نتساءل عن مصير شركات حكومية مثل شركة الستاق… ثم يؤكد النص أن المساعدة الأوروبية تأتي طبقا لما التزمت به تونس دوليا في ندوة باريس من تخفيض نسبة انبعاثات الكربون إلى حدود 2050 نظرا للتغيرات المناخية. ثم يأتي ما يلي: ” إن الطرفان يسعيان لتطوير إنتاج الهيدروجين المتجدد و المواد المستخرجة منه مثل الامونياك في تونس، التي يمكن أن تلبي احتياجاتها الداخلية و الطلب الخارجي، مع الأخذ بعين الاعتبار ضرورة حماية مواردها الماءية.” … بالنسبة لي، فإن ما ورد في هذه الفقرة خطير جدا لأن ما اعلمه هو ان الامونياك مادة سامة و خطيرة و ملوثة جدا للبيئة. لماذا يسعى الأوروبيون إنتاجها في تونس؟ كما أن إدراج نقطة ضرورة حماية الموارد الماءية تؤكد على أن إنتاج الهيدروجين يستنزف هذه الموارد المائية النادرة و الشحيحة اصلا. هل أن الطرف التونسي على دراية بذلك؟…
يعرج النص فيما بعد على نقطة أخرى فيقول:” إن الطرفان لهما النية في دراسة إمكانية تقوية التعاون في مجال التزود بالتكنولوجيا الطاقية النظيفة و إنتاج الكهرباء بطريقة مفيدة للطرفين.” … تبقى نية الطرف الأوروبي هي الأساس!!! و يبدو أن الطرف التونسي له ثقة عمياء في هذه النوايا!!!…
يواصل النص:” إن الطرفان اتفقا على أن أهداف الشراكة الاستراتيجية للطاقة تتطلب تعبئة شاملة للموارد المالية بما في ذلك الضمانات التي يجب أن تكون مصحوبة بإصلاحات لازمة تكون في إطار تشريعي مناسب يكون شفاف، مستقر و واضح كي تتمكن تونس كن جلب الإستثمارات و تطوير التجارة في قطاع الطاقات المتجددة ” … إذا بعبارة اخرى، يشترط الاتحاد الأوروبي تغيير المنظومة القانونية السائدة في مجال الطاقة و استحداث بنية تحتية حتى تقوم بتمويل المشاريع في مجال الطاقة، كما أن الأوروبيون يريدون ضمانات قانونية في هذا المجال… أليس ذلك شرطا مجحفا يكرس الإستعمار الطاقي خاصة إذا علمنا أن الأوروبيين يقايضون المساعدة المالية بضرورة تغيير التشريعات في مجال الطاقة بشكل تخدمهم اكثر، مع العلم أن التشريعات الحالية كانت دائما في صالحهم؟ ألم يتفطن مفاوضونا إلى ذلك؟….
يواصل النص فيقول بأن الطرفان يسعيان الى:”- أخذ الإجراءات اللازمة في إطار استكمال التمويل بغية إمضاء اتفاق حول تمويل مسند تحت عنوان : آليات التواصل المشترك مع أوروبا بقيمة 307 مليون أورو.” … كيف سيكون هذا التمويل خاصة و أنه مشروط ، حيث أن الطرف الأوروبي يتحدث عن إتفاق تمويل لا يمكن امضاؤه إلا بعد استكمال كل الشروط التي فرضها؟.. ثم يؤكد النص على أن الطرفان اتفقا كذلك على:” – أخذ بعين الاعتبار البعثات و المرافقة التقنية و المالية اللازمة بغية ضمان إستغلال أقصى عندما يدخل هذا المشروع المشترك حيز التنفيذ و ذلك بإعداد المستلزمات التي تسبق بداية الاستغلال( الأراضي، التراخيص، التواصل) لتسهيل الإستثمار في مجال الطاقات المتجددة.”… اسأل مفاوضينا التونسيين: في صالح من هذا الفصل الوارد في الإتفاق؟ ألم يضعه الأوروبيون على مقاسهم بحيث يخدم مصالحهم و يفسح لهم المجال للاستغلال الفاحش للموارد الطاقية في البلاد؟…
بعد ذلك، يؤكد النص قائلا: ” إن مثل هذه التشاركية ستشمل كذلك الآليات و التشاريع اللازمة ( هل سيشاركوننا كذلك في وضع القوانين والتشريعات؟!!!!!) لتمكين تونس من تصدير الطاقات البديلة و مواد أخرى للاتحاد الأوروبي.” … نفهم من ذلك أن الإتحاد الأوروبي يضع نفسه كحريف رئيسي و استثناءي لشراء الطاقة وهو ما قد يعني مسبقا أنه سيفرض ثمن الشراء و أن تونس ستجد صعوبة في اكتساح أسواق أخرى قد تكون أكثر فائدة لها،… أليس ذلك نوعا من التقييد المجحف؟…
يواصل النص فيقول:” إن الطرفان يؤكدان على أن الشراكة لن تدخل حيز التنفيذ إلا عندما تكون مبنية على خارطة طريق يتم إعدادها ثناءيا، تأخذ بعين الإعتبار البنية التحتية الضرورية لإنتاج الطاقات المتجددة وهو ما يتطلب تعبئة الموارد المالية الأوروبية و مشاركة المستثمرين. “… أليس في ذلك تناقض و تنصلا أوروبيا مما ورد سابقا و وضع حواجز إضافية لتحقيق هذه المشاريع؟ … ثم نقرأ ختاما:” إن ورقة الطريق هذه ستسرع في تحقيق الطموحات التونسبة في مجال إنتاج الطاقات المتجددة و يكون ذلك عبر تطوير نجاعة الخدمات العامة و المؤسسات العمومية العاملة في مجال الطاقة( ألم نقل أن لهم برنامج غير معلن في علاقة بشركة الستاق!!!!) و كذلك عبر تسهيل الإجراءات الإدارية و وضع الأسس لإدماج تونس في مجال التجارة العالمية للطاقات المتجددة، و بصفة عامة السعي إلى حثها عل إجراء إصلاح جذري للاطار التشريعي في مجال الطاقة. “… هذه الجملة الأخيرة من النص تنسف الكلام الناعم الذي سبقه و يكشف جليا النوايا الخبيثة للطرف الأوروبي في هذا المجال….بهذا ، ينتهي الباب الثالث الذي قمنا تقريبا بترجمته بصفة كاملة مع محاولة استنطاق و معرفة خفايا فصوله.. سنمر بعد قليل إلى ما تبقى أي البابين الاخيرين.
الباب الرابع: التقارب بين الشعوب.
انطلاقا من الباب الرابع، تتطرق الإتفاقية إلى جوانب لها علاقة بالبعد الاجتماعي و تنتهي من الحديث المباشر عن الجانب الاقتصادي، و إن كان ضمنيا متواجدا. ورغم جمال العنوان و بعده الإنساني “التقارب بين الشعوب “، فانه يخفي خبثا كبيرا من الطرف الأوروبي الذي أختار في هذا الباب القصير جدا ( ثلاثة فقرات فقط!!) الحديث عن مساءل عامة يمهد بها للباب الخامس الذي يعنى بموضوع الهجرة و يناقض العديد من الشعارات الموجودة في الباب الرابع… يبدأ هذا الباب كما يلي:” إن كلا الطرفين لديهما النية في مواصلة التعاون لدعم المجتمع المدني و إرساء حوار بين الشعوب و توطيد المبادلات الثقافية و العلمية و التقنية و ذلك عبر المرور إلى تطبيق الشراكة الثنائية الخاصة بالشباب التي أبرمت منذ 2016 و كذلك تطبيق المشاريع الأخرى للاتحاد الاوروبي في مجالات البحث و التعليم و الثقافة و الشباب، بما في ذلك تطوير المهارات و التنقل.” … كلام عام و جميل، لكن إن كانت النية سليمة، لماذا سيقع تطبيق ما تقرر في 2016 الآن في 2023, و هل سيرى النور فعلا، مع العلم أننا لا نعلم على ماذا نص هذا الإتفاق؟…
تؤكد الفقرة الثانية أن “الاتحاد الأوروبي يفكر في دعم إضافي للمجالات الانف ذكرها خاصة في مجال التكوين التقني و المهني في إطار برامج متنقلة لتطوير مهارات اليد العاملة التونسبة في المستوى الوطني، الجهوي و المحلي. كما ان الاتحاد الأوروبي سيواصل جهوده كي يوفق بين الدول الأعضاء في إسناد “تأشيرة شنغن” للاقامات قصيرة الأمد للمواطنين التونسيين.” … بمعنى اخر، تريد أوروبا أن تستفيد من مهارات و خبرات القوى العاملة التونسية دون الإقامة على أراضيها، فتكون الإقامة قصيرة الأمد تنتهي مع انتهاء الأعمال التي يقوم بها العمال التونسيين هناك. أليس في ذلك مكر كبير من الطرف الأوروبي للتمهيد لطرد المهاجرين المقيمين على أراضيها؟..
في الفقرة الاخيرة، يقول النص:” يمكن أن يتجسد ذلك عبر تعاون أكبر في مجالات التعليم و البحث و التجديد بما في ذلك الدعم الممكن توفيره لمشاركة أكثر أهمية في تطبيق البرامج الأوروبية مثل ‘افق اوروبا'( مع إمكانية تقوية الدعم الأوروبي في برنامج الشراكة مع تونس في مجال البحث و التجديد)،’ ايراسموس’ + ( الذي من خلاله تسعى أوروبا إلى البحث و تعبئة مزيدا من الموارد ) و ‘أوروبا الخلاقة ‘.”…
ينتهي هنا هذا الباب القصير جداكاشفا النوايا الأوروبية و وعودها الكثيرة الخالية من أي التزام مباشر. لكن الهدف من هذا الباب هو التمهيد للباب الخامس و الأخير المتعلق بالهجرة و الذي سأقوم بتفصيله و ترجمة العديد من مقاطعه حتى يعرف القارىء مضامينه.
الباب الخامس و الاخير: الهجرة و التنقل.
يعتبر الباب الخامس و الاخير مفصليا في الإتفاقية و يمتد على صفحتين تقريبا. و من خلال هذا الباب، نلاحظ نوعا من التغيير في أسلوب الخطاب من الطابع اللين و الناعم إلى نوع من الإلزامية المفروضة على الجانب التونسي، وهو ما ستبينه المقاطع التي سنقوم بإدراجها في إطار الترجمة الكاملة لكل فقرات هذا الباب المهم و الخطير، حتى يدرك القارىء محتوى ما ورد فيه و تكون له حرية التفكير و التأويل.. ستكون لي كذلك بعض الملاحظات الخاصة ، و للتذكير فإن كل المقاطع المترجمة موضوعة بين ظفرين…
يبدأ النص كالآتي:” إن الطرفان يعلنان نيتهما بلورة مقاربة شاملة للهجرة. فهما يتفقان على أن الهجرة يجب أن تخضع لمعادلة ‘هجرة/نمو’ حتى يتسنى تجسيد منافع الهجرة و دورها في النمو الاقتصادي و الاجتماعي، في التقارب بين الشعوب و معالجة الأسباب العميقة للهجرة الغير شرعية. و في هذا الصدد، فإن الطرفان اتفقا على تشجيع النمو المستدام في المناطق المهمشة ذات نسبة الهجرة المرتفعة و ذلك بمعاضدة مبدأ تمكين و تشغيل التونسيين الذين يعانون من هشاشة أوضاعهم و ذلك عبر دعم التكوين المهني و البحث عن الشغل و المبادرة الفردية.”… يبدو أن اعانة الأوروبيين لن تتجاوز مسألة التكوين و لا حديث عن خلق مواطن شغل حقيقية أو المساعدة في تمويلها و ارساءها!!!.. نمر…يواصل النص:” إن الطرفان قد وضعا كاولويات مشتركة مقاومة الهجرة الغير شرعية و ذلك لتفادي الخسائر البشرية و كذلك بهدف تطوير الطرق الشرعية للهجرة.” … ثم نمر من الحديث عن التشاركية إلى جملة مسقطة يبدو أنها وضعت مجاملة و إرضاء للطرف التونسي. تقول هذه الجملة:” إن تونس تكرر موقفها الرافض لأن تكون بلد إقامة للمهاجرين الغير شرعيين، كما أنها تؤكد على موقفها القائل بأنها لا تحرس إلا حدودها.”… هنا سأتوقف قليلا لطرح بعض الأسئلة: لماذا لا تشاركنا أوروبا هذا الموقف و لماذا مررنا من صيغة الجمع إلى صيغة المفرد؟ ثم كيف يمكن تأويل الجملة الحصرية كما وردت في النص الاصلي و في الترجمة في الجملة الاخيرة’؟ هل يعني أن تونس أعطت الضوء الأخضر لأوروبا لتتصرف كما تشاء في علاقة بموضوع المهاجرين الذين يغادرون تونس أو هو تذاكي تونسي سيقع تفنيده مع الأسف في الفقرات اللاحقة التي سنأتي عليها تباعا؟…
يتواصل النص: ” إن هذه المقاربة ستكون مبنية على إحترام الحقوق الإنسانية وهي تتضمن كذلك مقاومة الشبكات الإجرامية التي تقوم بتمرير المهاجرين و كذلك المتاجرين بالبشر و التي أعلن عنها(اي المقاربة) في افريل 2023 و التي مازالت مضامينها في مرحلة النقاش. كما تدعو المقاربة الى ضرورة التحكم الناجع في الحدود و تطوير نظام استقصاء و عودة المهاجرين الغير شرعيين الموجودين في تونس نحو بلدانهم الأصلية. ” … يبقى كل هذا في إطار العموميات دون وجود أي إجراء عملي!!!… نواصل:” إن الطرفان اتفقا على مواصلة العمل سويا لرفع التحديات المطروحة بسبب تنامي الهجرة الغير شرعية في تونس و الاتحاد الأوروبي و ذلك عبر مراعاة المجهودات المبذولة و النتائج المتحصل عليها من قبل السلطات التونسية. فالطرفان اتفقا على العمل من أجل تحسين التعاون في إطار عمليات البحث و الإنقاذ في البحر و اتخاذ الإجراءات الناجعة لمقاومة مرور المهاجرين و الاتجار بالبشر. “… ناتي إلى الفقرة الموالية: ” إن الاتحاد الأوروبي يحاول توفير سند مالي إضافي و لازم يعنى بالامكانيات و التكوين و الدعم التقني الضروري لتحسين أداء الرقابة في الحدود التونسية “… طبعا يجب أن نفهم أن الأوروبيون يقصدون الحدود البحرية، لكنهم تركوها معممة و غير محددة عمدا حتى يتمكنوا من تمرير الشيء الذي جاؤوا أساسا من أجله و الذي سيرد في الفقرة الموالية التي يمكن اعتبارها أخطر فصل في كامل الإتفاقية.. لنقرأ معا ما يلي :” إن الطرفان اتفقا على دعم أكثر لعودة و استقبال المواطنين التونسيين الموجودين في الإتحاد الأوروبي بصفة غير شرعية إلى تونس ، و ذلك في إطار إحترام الحق الدولي و إحترام كرامتهم و حقوقهم، كما سيعمل الطرفان سويا على ادماجهم الإجتماعي و الاقتصادي في تونس، و ذلك بالمساعدة في خلق مشاريع اقتصادية محددة يكون لها انعكاس على النمو المحلي و خلق الشغل. إن الاتحاد الأوروبي سيدعم و يسهل تطبيق ما ورد في مذكرة التفاهم هذه في سياقات ثناءية مع الدول الأعضاء(بالاتحاد الأوروبي ) في علاقة بالعودة و إعادة الإدماج.”…. لكم أن تقرؤوا هذه الكارثة التي ستحل على كل تونسي موجود في أي دولة أوروبية في وضعية غير شرعية.. و الأدهى من ذلك هو أن الطرف التونسي أعطى الضوء الأخضر للاوروبيين لطرد و إرجاع كل التونسيين الموجودين في كل دول أوروبا في حالة غير شرعية ، مع وعود واهية بالادماج و التشجيع و غيرها من الأكاذيب الأوروبية التي لم تعد تنطلي على أحد باستثناء الطرف التونسي المفاوض الذي ابتلع الطعم بسهولة مصدقا كل الترهات الأوروبية…إذ كيف يقبل الطرف التونسي بمثل هذه النقطة القاتلة؟ ماذا فعلت السلطة التونسية بالمهاجرين الذين وقع ترحيلهم مؤخرا من إيطاليا عبر مطار طبرقة غير أنها تركتهم في حال سبيلهم و اعادتهم إلى نقطة الصفر؟.. يبدو أن الأوروبيين نجحوا في تمرير ما أرادوه بموافقة تونسية ترتقي حد الخنوع!!!…
نمر إلى الفقرة الموالية حيث نقرأ فيها:” إن الطرفان اتفقا كذلك على دعم عودة المهاجرين الغير شرعيين الموجودين في تونس إلى بلدانهم الأصلية في إطار الحقوق الدولية و إحترام كرامتهم ” ثم نقرأ:” إن الطرفان اتفقا على تشجيع المسالك الشرعية للهجرة، بما في ذلك فرص العمل الموسمي و على تشجيع التنقل الدولي لاصحاب الاختصاصات و دعم التعاون في مستوى تطوير الكفاءات بطريقة تخدم الطرفين.”.. كلام خاوي من طرف الأوروبيين يكرس فقط مبدأ الانتقاءية في الهجرة و هو ما سيزيد حتما من هجرة الإطارات العليا و الكوادر و الأدمغة في مقابل تفقير تونس من هؤلاء !!!…
نأتي الآن للفقرتين الاخيرتين:” إن الاتحاد الأوروبي يسعى إلى أخذ الإجراءات اللازمة لتسهيل التنقل القانوني بين الطرفين و ذلك بتسهيل إسناد التأشيرات عبر تقليص مدة الحصول عليها و كلفتها و الإجراءات الإدارية. “… لكن يبقى إسناد التأشيرات قرارا سياديا من الإتحاد الأوروبي و هذا كلام لا يغني و لا يسمن من جوع بالنسبة للتونسيين بحيث لا يحصل على التأشيرة إلا قلة قليلة بعد رحلة عذاب شاقة و مكلفة و مضنية!!!…
و ختاما، نقرأ في آخر فقرة:” إن الطرفان اتفقا على العمل على إرساء شراكة مواهب لتشجيع الهجرة الشرعية لصالح الطرفين، و ذلك بحسب حاجيات تونس و الدول الأعضاء في الإتحاد الأوروبي في علاقة بالأنشطة و المهن التي يقع تحديدها بصفة ثنائية.”… بعبارة أخرى، لن تكون إلا هجرة انتقاءية و وقتية تنتهي بانتهاء العمل….
وقعت المصادقة عليه بتونس في 16 جويلية 2023في نسختين…
هنا تنتهي مذكرة الإتفاق… أرجو أن تكون الأمور قد توضحت للرفاق و الأصدقاء الذين طلبوا مني توضيحات حول نص الإتفاق… لكم الآن و لكل من قرأ نص هذه الإتفاقية الحرية في التقييم و التأويل… ولكني أعتقد أن الاهم هو التفكير في حلول للخروج من المازق التي نضع فيها أنفسنا في كل مرة من أجل أجيال قادمة يبدو أننا نضع لها ارثا ثقيلا و مستقبلا معتما
مذكرة تفاهم مع الإتحاد الأوروبي، مسألة الهجرة، الإتفاقية الناعمة، الطاقات البديلة، انيس هنانة، استقرار الموازنات الاقتصادية، تونس و الاتحاد الأوروبي
اكتشاف المزيد من WWW.Eddarb.COM
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
